الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
المسلمون في العالم, فضائل الأزمنة والأمكنة
يوسف جمعة سلامة
غزة
المغازي الكبير
1-الارتباط الوثيق بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى. 2- فضل بيت المقدس. 3- تاريخ العدوان على المسجد الأقصى المبارك. 4- جريمة الحفريات تحت وحول المسجد الأقصى. 5- رسالة إلى الشعب الفلسطيني المرابط. 6- رسالة إلى الشعوب العربية والإسلامية. 7- رسالة إلى الحكام العرب والمسلمين. 8- شكر جهود المملكة العربية في التئام الصف الفلسطيني. 9- حث الأشقاء الفرقاء على التمسك بالوحدة والاستمرار في درب الألفة.
أما بعد: يقول الله تعالى في كتابه الكريم: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الإسراء: 1] .
لقد ربط الله سبحانه وتعالى بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في هذه الآية الكريمة التي بدِئت بها سورة الإسراء؛ وذلك حتى لا يفصل المسلم بين هذين المسجدين، ولا يفرط في واحد منهما، فإنه إذا فرط في أحدهما أوشك أن يفرط في الآخر، فالمسجد الأقصى ثاني مسجد يوضع لعبادة الله في الأرض كما ورد عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أولًا؟ قال: (( المسجد الحرام ) )، قلت: ثم أي؟ قال: (( المسجد الأقصى ) )، قلت: كم بينهما؟ قال: (( أربعون عامًا ) )أخرجه الشيخان.
ولقد ربط الله بين المسجدين حتى لا تهون عندنا حرمة المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وإذا كان قد بارك حوله فما بالكم بالمباركة فيه؟! فالمسجد الأقصى مبارك في ذاته، كما أن الأرض التي حوله مباركة، وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ [سبأ: 18] ، القرى التي باركنا فيها هي بيت المقدس كما جاء في تفسير ابن كثير (3/704) . وقال تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 71] .
أيها المسلمون، إن مدينة القدس تحتل مكانًا مميزًا في نفوس العرب والمسلمين، فهي المدينة التي تهفو إليها نفوس المسلمين، وتشد إليها الرحال من كل أنحاء المعمورة، ففيها المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين، وفيها التاريخ الإسلامي العريق الذي يزرع نفسَه بقوة في كلّ شارع من شوارع القدس وكل حجر من حجارتها وكل أثر من آثارها، فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (4/67) بسنده عن ذي الأصابع قال: قلت: يا رسول الله، إن ابتلينا بعدك بالبقاء أين تأمرنا؟ قال: (( عليك ببيت المقدس؛ فلعله أن ينشأ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون ) ).
فهذا الصحابي الكريم يسأل النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، أين تأمرنا أن نذهب؟ أين نسكن إن ابتلينا تعرضنا للبلاء واللأواء والمصائب بعدك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: عليك ببيت المقدس؛ فلعل الله يرزقك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون.
فهذا الحديث الشريف فيه دلالة واضحة على أن بيت المقدس وأكناف بيت المقدس هي محضن المؤمنين عندما تدلهم الخطوب وتحلولك الظلمات وتشتد الفتن، فهذا المسجد المبارك قد أخذت القدس وفلسطين مكانتها منه.
أيها المسلمون، لقد صلى رسولنا في المسجد الأقصى المبارك بالأنبياء إمامًا، كما صلى في ساحاته أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأبو عبيدة عامر بن الجراح وخالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من مئات الصحابة.
وفي جنبات الأقصى رفع الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه الأذان بصوته النديّ، وفي ظلّ هذا البيت دفن العديد من الصحابة الكرام، وعلى رأسهم عبادة بن الصامت أوّل قاض للإسلام في بيت المقدس، وما من شبر من أرضه إلا وشهد ملحمة أو بطولة تحكى لنا مجدًا من أمجاد المسلمين. إنه الأقصى أسمى من أن يتأثّر بتصرفات حاقدة وبتصريحات باطلة.
لقد كانت مدينة القدس سببًا في وحدة المسلمين أيام الصليبيين، وهي التي ستوحد العرب والمسلمين إن شاء الله.
إنه المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين بالنسبة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
لقد تعرض المسجد الأقصى المبارك لاعتداءات إسرائيلية منذ حرب 1967م، حيث قامت سلطات الاحتلال بمصادرة مفاتيح باب المغاربة، ثم قامت بهدم وإزالة حي المغاربة بالكامل، ثم حريق المسجد الأقصى في 21/8/1969م الذي أتى على منبر البطل صلاح الدين، ثم مذبحة الأقصى سنة 1990م، وأحداث النفق عام 1996م، وزيارة شارون للأقصى التي سببت انتفاضة الأقصى المبارك، وها نحن نرى الحفريات والأنفاق أسفله لتقويض بنيانه.
إن ارتباط المسلمين بالمسجد الأقصى ارتباط عقدي وليس ارتباطًا انفعاليًا عابرًا، ولا موسميًا مؤقتًا، حيث إنّ حادثة الإسراء من المعجزات، والمعجزات جزء من العقيدة الإسلامية، وكما نشاهد فإن المسجد الأقصى المبارك يتعرض في هذه الأيام لمؤامرات عديدة تسببت في تقويض بنيانه وزعزعة أركانه، جراء الحفريات الإسرائيلية المستمرة للأنفاق أسفل منه، وكذلك محاولات السلطات الإسرائيلية إقامة ما يُسمّى بالهيكل المزعوم بدلًا منه.
إن ما تقوم به الجرّافات الإسرائيلية في هذه الأيام من إزالة التلة الترابية وكذلك الجسر المؤدي إلى باب المغاربة وهدم الغرفتين أسفله التي مضت قرون طويلة على إقامتهما ليس مجرد اعتداء على جسر وغرفتين، بل هو اعتداء مباشر على جزء أصيل من المسجد الأقصى، قبلة المسلمين ومسرى نبيهم وأرض الإسراء والمعراج، فهو وقف إسلامي خالص يحوي آثارًا وعقارات إسلامية من العصور الإسلامية المتعددة، كما أنه اعتداء على تاريخ وحضارة هذه المدينة المقدسة.
إن المسجد الأقصى المبارك فتحه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وحرره صلاح الدين الأيوبي، فهلا قام المسلمون بواجبهم تجاه الأقصى؟! وهل نحن ننتظر قائدًا مسلمًا كصلاح الدين ينفض الغبار عن مسرى الحبيب عليه الصلاة والسلام، ويعيد إليه عزته وكرامته؟! أملنا في الله، فما بعد الضيق إلا الفرج، وما بعد العسر إلا اليسر، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وبهذه المناسبة فإننا نوجه رسائل متعددة، أستهلها برسالة إلى الشعب الفلسطيني أقول فيها: لا بد لشعبنا الفلسطيني أن يشدّ الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك، ولا ننسى أن نرسل بالتحية لأهل القدس وحراس المسجد الأقصى المبارك وفلسطيني الداخل المرابطين في المسجد الأقصى المبارك والمدافعين عنه.
كما نوجه رسالة إلى الشعوب العربية والإسلامية، ونقول لهم: لا بد من الخروج إلى الشوارع في مظاهرات عارمة، كي تكون رسالة واضحة للجميع بأن العرب والمسلمين لن يسكتوا على ما يحدث اليوم من هدم لأسوار المسجد الأقصى المبارك، لأنه جزء من عقيدة الأمة.
كما نطالب الحكام العرب والمسلمين بالقيام بواجبهم للذّود عن المسجد الأقصى المبارك، ونقول: ها هو المسجد الأقصى ينادي قادة الأمة كما ناشد صلاح الدين، ونطالبهم بضرورة دعم المقدسيين مواطنين وتجارًا ومدارس وجامعات ومستشفيات ومزارعين وسدنة للأقصى، كي يبقوا مرابطين محافظين على القدس والمسجد الأقصى المبارك.
كما وندعو منظمة المؤتمر الإسلامي إلى عقد اجتماع عاجل لقادة الأمتين العربية والإسلامية؛ ليتدارسوا هذا الأمر، فأي موضوع أهم وأجّل من موضوع المسجد الأقصى مسرى رسول الله ؟!
جاء في الحديث عن النبي أنه قال: (( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي ) )، وعنه أنه قال: (( كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ) )أو كما قال.
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يا أحبتي في الله، دعونا ننتقل من المسجد الأقصى المبارك إلى شقيقه المسجد الحرام بمكة، حيث التقى عدد من قادة الشعب الفلسطيني بجوار الكعبة المشرفة، وكنا قد خاطبنا هؤلاء وأولئك وقلنا لهم: ما دام هدفكم واحدًا وهو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف فها هي القدس تحترق، فعلام تفترقون إذًا ومسرى الحبيب عليه الصلاة والسلام مهدد بالزوال؟! حيث إن أركانه قد تصدعت، وبنيانه قد تقوضت أركانه، وأثمرت هذه الجهود التي بدأت من فلسطين عن طريق الفصائل الفلسطينية والشخصيات الاعتبارية ولجنة المتابعة والفصائل المتعدّدة والوفد المصريّ الذي يعمل ليل نهار من أجل حقن الدماء الفلسطينية، إلى أن جاءت دعوة كريمة من خادم الحرمين الشريفين حفظه الله لاستضافة اللقاء الأخويّ الفلسطيني، ومن فضل الله أن هذا اللقاء قد أتى بثمرات طيبة، وهي حكومة الوحدة الوطنية وحقن الدماء الفلسطينية، الفلسطينيون يأملون أن يستمر ذلك، وأن لا ينفض هذا الاتفاق كسابقاته، وأن يفتح الفلسطينيون صفحة جديدة، وأن يتناسوا الجراح والآلام التي حدثت في الأسابيع الماضية؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يعاتب لا تنتهي الأمور، فقديمًا قال الشاعر العربي:
سامح أخاك إذا خلط منه الإصابة بالغلط
وتَجافَى عن تعنيفه إن جار يومًا أو قسط
من الذي ما ساء قط ومن له الْحسنى فقط
غير نبينا الذي عليه جبريل هبط
فكل ابن آدم خطاء، وليس هناك معصوم إلا الحبيب ، لذلك جميل أن نتناسى ونطوي الصفحات الماضية، وأنا هنا أشيد بدور المملكة العربية السعودية ملكًا وقيادة وشعبًا على مواقفها الطيّبة، وعلى حسن المتابعة، فاللقاء بجوار الكعبة مؤثّر، أن تجلس وأنت ترى الكعبة أمام عينيك هذا أمر يؤثّر في النفس لما للكعبة من قداسة، فالحبيب عليه السلام وهو يطوف بالكعبة أقدس بقعة قال لها: (( ما أطيبك! وما أعظمك! وما أشد حرمتك! لكن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك؛ ماله وعرضه ودمه ) )أخرجه أصحاب السنن.
أنا أحيي الأسرى البواسل الذين كان لهم دور بارز في وثيقة الوفاق الوطني، وفي حث الجميع على اللقاء، نسأل الله أن يفرج كربهم جميعًا.
أيها المسلمون، لا بد للأمة أن تستيقظ، نحن في خطر داهم، نحن في خطر حقيقي يريد القضاء على الأخضر واليابس، نحن في خطر يريد القضاء على مصدر عزتنا وكرامتنا ومكانتنا، على الأقصى المبارك مسرى الحبيب ، لذلك يجب أن يتسع كل منا للآخر، والوطن يتسع للجميع، فالوطن صغير في حجمه لكنه كبير في مكانته، فهو يتسع لكل الكفاءات ولكل المخلصين والمعطائين في هذا الوطن، لكن ما على المخلصين إلا أن يشمروا عن ساعد الجد، وأن يعملوا على متابعة هذا الاتفاق لتنفيذه، بالاتصال مع الإخوة في الداخل والخارج لنريح الشعب الفلسطيني.
أول أمس كان الكل قابضًا على الزناد، هذا يريد أن يفتك بذاك، والكل متخوّف، أمس اختلفت الصورة، الكلّ يطلق الرصاص، لماذا؟ قالوا بهجة وسرورًا: الحمد لله رب العالمين، وخرج الناس إلى الشوارع بصورة عفوية، الناس مساكين يحبون الجميع، ويريدون السلام والخير والأمان. يا إخوة، حتى الجاليات الفلسطينية كانت تعيش لحظة بلحظة، تضع يديها على قلبها، إخوانكم في العراق الذين يذبحون ويقتلون، تنتهك أعراضهم تسلب أموالهم ويختطفون كانوا يناشدون الجميع: اتقوا الله فينا. فالحمد لله الذي أحل السلام والوئام والمحبة بين الأشقاء، وندعو الله أن يستمر هذا الاتفاق بكل تفاصيله ودقائقه، والتي سيتم متابعتها على أرض الوطن في خلال الأيام القريبة القادمة، وإياكم ـ أيها الإخوة ـ من الشيطان، فقد قال عليه السلام: (( إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، لكنه لم ييأس من التحريش بينهم ) )أخرجه مسلم، الشيطان لن يسكت ولن ينام، وجنود الشيطان كثر من الإنس والجان، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ [سورة الناس] .