فهرس الكتاب

الصفحة 1054 من 5777

سورة يوسف( وجاءت سيارة... )

العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ

القرآن والتفسير, القصص

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

سرُّ بيع يوسف بثمن بخس - العناية الإلهية - أهل هذه العناية - معنى الصبر مظاهرتنا في الصبر - الفرق بين الشكوى والإخبار

أما بعد:

فقد قال الله تعالى: وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين [يوسف:19-20] .

قوله: وجاءت سيارة أي رفقة سائرة فسيارة صيغة مبالغة من سائرة، وكانت تلك القافلة سائرة من الشام إلى مصر، وقيل إنهم كانوا من الإسماعليين أي العرب أحفاد إسماعيل بن إبراهيم فأرسلوا واردهم أعاد الضمير على المعنى في قوله"سيارة"ولو أنه أعاده على اللفظ لقال: أرسلت واردها، والوارد هو: الرجل الذي يرد الماء يستقي لقومه. فلما جاء ذلك الوارد لما جاء البئر وأرسل فيها دلوه ليملأها ماءً تعلق بها يوسف فخرج من ذلك الجب الموحش المهلك وكتب الله له النجاة منه على يد ذلك الوارد الذي ما أن رأى يوسف حتى أعلن استبشاره وفرحته ولكنهم بدلا من أن يسألوا عن أهله ليردوه إليهم أضمروا في أنفسهم استرقاقه وبيعه، ولما نزلوا مصر شروه بثمن بخس دراهم معدودة أي باعوه بثمن قليل، وكانوا فيه من الزاهدين وإنما كان ذلك منهم لأن استرقاقهم له كان خلسة وسرقة ولذلك بادروا ببيعه بذلك الثمن القليل قبل أن يفتضح أمرهم، وقيل إن الذين شروه بثمن بخس أي باعوه بثمن قليل هم إخوته لما أخرجته تلك السيارة من البئر حضروا واتفقوا معهم على استرقاقه وبيعه وقبضوا له ثمنا قليلا ومهما يكن الأمر فقد نجى الله يوسف من ذلك الجب الموحش المهلك وكانت العناية الربانية تحف به ولقد كان في استرقاقه وبيعه من عجائب لطف الله عز وجل في تقديره وعنايته ورعايته ليوسف فلو أن يوسف عاد إلى إخوته مرة أخرى لما ترددوا في قتله هذه المرة ولكنه ببركة العناية الربانية الإلهية خرج من الجب إلى القصر إذ اشتراه عزيز مصر أي واليها من قبل الملك وقيل أنه كان وزيرا له على خزائنها فحل يوسف عليه السلام في قصر ذلك العزيز مبجلا مكرما فقد تفرس العزيز فيه الأمانة والنجابة والصدق فاتخذه في مقام الولد وإن كان في الظاهر استرقه واتخذه خادما وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون [يوسف:21] . لقد نجى الله تعالى يوسف فأنقذه من كيد إخوته وأخرجه من ذلك الجب الموحش المهلك إلى ذلك القصر الفسيح وعطف الله عليه قلب العزيز فتمكن يوسف من الأمر والنهي في ذلك البلد الذي كان العزيز مسئولا عليه تمكن من الأمر والنهي في مصر، وهكذا فإن العناية الربانية والرعاية الإلهية كانت تحف بيوسف إعدادا له وتربية له وتهيئة لأمر عظيم تهيئة له للرسالة وتحقيقا وإجابة لدعاء أبيه يعقوب من قبل حينما قال: ويعلمك من تأويل الأحاديث فعلمه الله تعالى من تأويل الأحاديث كما قال هنا ولنعلمه من تأويل الأحاديث [يوسف:21] . أي لنوحي إليه أمرنا ونعلمه تفسير ما أوحي إليه وتأويله كما علمناه تأويل الرؤى وتفسيرها، وهكذا فإن الله تبارك وتعالى يدافع عن عباده المؤمنين وقد كان يوسف عليه السلام من خواص المؤمنين كان من عباد الله المخلصين والله سبحانه وتعالى يدافع عن المؤمنين ولو علم المؤمنون أسرار حكمته وقدرته ورعايته وعنايته بهم لما خافوا من عدو ولا رعبوا من مصيبة ولا فزعوا من نائبة فإنهم إذا أخلصوا اللجوء إلى الله تعالى واخلصوا العبودية والعبادة له ودعوه واستعاذوا به واستنصروه فإنه سبحانه وتعالى ينجيهم من المحن والنوائب والفتن، كما نجا من قبل عبده وخليله إبراهيم نجاه من النار وقلبها بردا وسلاما عليه، وكما نجا من قبل عبده وكليمه ورسوله موسى نجاه وقومه من فرعون حتى فلق البحر أمامهم حتى مشوا بين فلقيه على طريق يبس، وكما نجا نبيه ورسوله الصديق يوسف عليه السلام نجاه من كيد إخوته وأخرجه من الجب إلى القصر، والله سبحانه وتعالى يدافع عن عباده المؤمنين ويحوطهم دائما برعايته وكلاءته ولكن من ذا الذي ينبغي أن يطمئن إلى العناية الإلهية والرعاية الربانية ليس كل أحد إنما هم المؤمنون الذين امتثلوا أوامر الله تعالى الذين صدقوا مع الله ووفوا بعهده وأخلصوا العبودية والعبادة له، أما العصاة الذين تمردوا على أمر الله تعالى وفرطوا في عهده وأعرضوا عنه وانشغلوا في أهوائهم وشهواتهم وملذاتهم حتى إذا أدركهم الغرق وأحاطت بهم المخاطر طمعوا في العناية الإلهية، هؤلاء إن لم يسارعوا بالتوبة لله عز وجل وإصلاح حالهم فإن عليهم أن يخافوا من العقوبة الإلهية لا أن يطمعوا في العناية الربانية فإن سنن الله تبارك وتعالى ثابتة وواضحة كالشمس كل من أطاع الله تعالى فهو في حماه كل من أطاع الله تعالى عاش في حماه تحوطه العناية الإلهية والرعاية الربانية أمنا وسلاما وتمكينا في الأرض ونصرة على الأعداء، وكل من عصى الله وتمرد على أمره طرد من حماه واستحق غضبه وعقوبته عز وجل، وقد تحل به المصائب والنوائب والفتن من حيث لا يحتسب، وقد يسلط عليه الأعداء حتى يسومه سوء العذاب والعياذ بالله، نسأل الله معافاته ومغفرته، ونعوذ برضاه من غضبه، ونلوذ بلطفه وبرحمته، نلوذ برحمته التي وسعت كل شيء. اللهم إنا نعوذ برضاك من غضبك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا نحصي ثناء عليك. اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك ونعوذ بك من سخطك والنار.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين واشهد ألا إله ألا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أرسلت إبنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه: إن إبنا لي قبض فأتنا - أي يموت فتطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحضر - فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ السلام ويقول: (( إن لله ما اخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب ) ) [1] ، ثم ذهب بعد ذلك إليها صلى الله عليه وسلم يتفقدها. رواه مسلم.

قال العلماء إن الصبر هو اعتراف العبد لله بما أصابه منه ورضاه به واحتسابه عنده ورجاء ثوابه، ولذلك فإن على المؤمن أن يجتنب ويحترز من كافة المظاهر التي تتعارض وتتصادم مع الرضى بقضاء الله وقدره وذلك من إظهار الجزع وبث الشكوى والعجيب أن كثير من الناس اليوم لا يكتفون بذلك بإظهار الجزع وبث الشكوى، بل إن كثيرا منهم تجدهم عند حلول المصائب ينصبون السرادقات ويقيمون المآتم ويهيئون بيوتهم للاحتفال بإظهار الجزع، والتهيؤ والتجمع لإظهار الاعتراض على قضاء الله وقدره، والاستنكار لفعله سبحانه وتعالى هذا هو مدلول هذه المآتم هذا هو مدلولها وإن لم يقصدوا ذلك، شعروا أم لم يشعروا، قصدوه أم لم يقصدوا، فإن هذه المآتم وما يفعله الناس عند حلول المصائب من التهيؤ والاحتفال وإقامة السرادقات وتهيئة البيوت لإستقبال المعزين هذه من أكبر مظاهر الاعتراض على قضاء الله وقدره ومثلها بث الشكوى مما أصاب الإنسان، وذم الزمان والتضجر منه ومن حوادثه والتبرم منه ومن حوادثه كل ذلك منافي للصبر مصادم للاحتساب كل هذه المظاهر منافية للصبر مصادمة للاحتساب. أخرج الإمام مالك في موطأه من حديث عطاء بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا مرض العبد أرسل الله إليه ملكين فقال أنظرا ماذا يقول لعواده - للذين يزورونه ويعودونه - فإن هو حمد الله وأثنى عليه رفعا الملكان ذلك إلى الله تعالى وهو أعلم به فيقول تبارك وتعالى: إن لعبدي علي إن توفيته أن أدخله الجنة وإن أنا شفيته أن أبدله لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه وأن أكفر عنه سيئاته ) ) [2] . الشكوى التي تصادم الصبر هي التي تكون من باب التبرم والتضجر بما حل بالعبد أما إذا كانت الشكوى خالية من هذا المعنى وكانت لمجرد الإخبار عن الحال فهذه لا حرج فيها فقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضا كان يسأله عن حاله ويقول له: (( كيف تجدك ) [3] وهذا يدل على أن الإخبار بالحال ليس تبرما وتضجرا ولا بئس به، وكذلك البكاء، فإن البكاء إذا كان إظهارا للجزع، البكاء عند حلول المصائب إذا كان إظهارا للجزع وللتبرم والتضجر من قضاء الله وقدره فإنه أيضا منافٍ للصبر ويأثم الإنسان به وأما إن كان البكاء من غلبة الطبيعة مجرد غلبة الطبيعة، من باب غلبة الرأفة والرحمة والشفقة والرقة على القلب فهذا لا حرج فيه فقد دمعت عينا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يرى إبنه إبراهيم يعالج سكرات الموت وقال حينئذ: (( إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) ) [4] .

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) ) [5] ، اللهم صلِّ وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.

اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه يزيدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

[1] مسلم: ك: الجنائز (923) .

[2] موطأ مالك كتاب العين - باب ما جاء في أجر المريض رقم (5) .

[3] سنن الترمذي (983) ، سنن ابن ماجة (4261) .

[4] البخاري: ك: الجنائز (1241) .

[5] صحيح مسلم (408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت