فهرس الكتاب

الصفحة 2538 من 5777

ضوابط العلاقة بأهل الكتاب

أديان وفرق ومذاهب, الإيمان

أديان, الولاء والبراء

هيثم جواد الحداد

لندن

المنتدى الإسلامي

1-وقوع كثير من المسلمين في براثن الخوف والتبعية بعد أحداث سبتمبر. 2- عودة الحديث عن وحدة الأديان وما شاكلها من دعوات. 3- الإسلام والتوحيد هو دعوة جميع الأنبياء. 4- الإسلام ناسخ للنبوات السابقة. 5- كفر أهل الكتاب واستحقاقهم النار يوم القيامة. 6- واجبنا في دعوتهم إلى الإسلام ومعاملتهم المعاملة الحسنة. 7- حرمة الاحتفال بأعياد الكفار وأدلته.

وبعد:

عباد الله، فما بين تفجيرات أمريكا على رؤوس ساكنيها، وبين تفجيراتها على رؤوس المستضعفين في أفغانستان بل وفي غيرها من البلاد، تفجرت قرائح ثلل من حاملي الرايات الإسلامية رسمية كانت أو رسمية حول حقيقة الصراع بين الإسلام وغيره من الأديان والملل.

فمن قائل بعد أن خلع قلبه القصف الأمريكي: لا بد لنا من التعايش السلمي مع الغرب، ولا سبيل إلى حربه، فليس لنا به طاقة، ثم فرّع على ذلك أن العداء بيننا وبين الغرب، إنما هو عداء تاريخي ولدته النزاعات على المصالح، فنحى العقيدة عن ساحة الصراع.

ومن قائل بعد أن دب في قلبه رعب التهديد الأمريكي لكل ما هو إسلامي صادق: لا حمل لنا بهذا التهديد، ولا بد لنا من حماية أنفسنا ومكتسباتنا من هذا الوحش المرعب، وعليه فلم لا نبحث عن أوجه الإلتقاء بيننا وبينه، وإظهار التقارب العقدي معه، لعله يمن علينا بكف عدوانه علينا، فليس من المصلحة الحديث عن الاختلاف العقائدي بيننا وبينه, بل ولا مانع من مشاركته في بعض الشعائر الدينية التي تمثل السلام والوئام والإخاء. وأدياننا كلها سماوية، ونحن جميعًا نؤمن برب واحد.

وهكذا بدأت تتجدد تلك الشبهة المتعفنة المبنية على الاعتقاد بأن الملة النصرانية أو اليهودية، هي أديان سماوية، تشترك مع المسلمين في أن لها كتابًا سماويًا، فهي بالتالي أديان مقبولة، وأن كان أهلها كفارًا، فهم إخوان لنا، ويفرِّع على هذا التأسيس فروع عقدية وفقهية كثيرة بدءا من الدعوة إلى وحدة الأديان، أو الدعوة إلى الحوار بين الأديان، وكذا الدعوة إلى التسامح بين الأديان، وما يسمى بالإخاء العالمي، والتعايش السلمي، ومرورًا بإلغاء جهاد الهجوم، وإلغاء قيومية هذا الدين على غيره من الأديان والملل، ثم انتهاء إلى مودتهم وعدم بغضهم أو البراءة منهم.

الله أكبر إن دين محمد وكتابه أقوى وأقوم قيلا

هو صخرة ما زوحمت صدمت فلا تبغوا لها إلا النجوم وعولا

طلعت به شمس الهداية للورى وأبى لها وصف الكمال أفولا

لا تذكروا الكتب السوالف عنده طلع النهار فأطفئوا القنديلا

ويزيح ملك الله منكم عنوة ليبيحه أهل التقى وينيلا

أمة التوحيد، وحتى تتبين أطراف هذا الموضوع، وحقيقة هذه الأمور، ونظرة الشريعة الإسلامية لها، لا بد من التأصيل الشرعي، لأصل نظرة الإسلام إلى هذه الملل الأخرى، فنقول:

لقد خلق الله الخلق وأمرهم بطاعته، وعبادته وحده لا شريك له، ونبذ كل ما سواه، وقد أرسل للبشر في كل فترة يعيشونها رسولًا يبين لهم كيفية الطريقة لعبادة الله وحده لا شريك له، ولهذا كانت دعوة الأنبياء كلهم تدور حول محور واحد، يقول الله جل وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَـ?هَ إِلاَّ أَنَاْ فَ?عْبُدُونِ [الأنبياء:25] .

ولما كانت جميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم تدعو إلى عبادة الله وحدة لا شريك له، كانت دعوتهم واحدة، هي الإسلام، ولهذا فإن الله لن يقبل من أحد دينًا، سوى هذا الدين الذي جاءت به الأنبياء والرسل، وهو دين الإسلام وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ?لإسْلَـ?مِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ?لآخِرَةِ مِنَ ?لْخَـ?سِرِينَ [آل عمران:85] .

فدين الأنبياء جميعًا من لدن آدم عليه السلام، إلى نبينا محمد هو الإسلام بمعناه العام إِنَّ الدّينَ عِندَ ?للَّهِ ?لإِسْلَـ?مُ وَمَا ?خْتَلَفَ ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ?لْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَـ?تِ ?للَّهِ فَإِنَّ ?للَّهِ سَرِيعُ ?لْحِسَابِ [آل عمران:19] .

فكل نبي دعا قومه إلى الإسلام والذي يعني الاستلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك. وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَ?جْتَنِبُواْ ?لْطَّـ?غُوتَ [النحل:36] .

ولما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم دعا قومه، مقتديًا بإخوانه الأنبياء، إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذه العبادة والطاعة توجب على صاحبها طاعة الله جل وعلا بتصديق الرسول الذي أرسله، ومن ثمَّ اتباع هذا الرسول.

وبهذا توجب على كل من بلغته دعوة الرسول وقد آمن بالله، الإيمان بأن هذا رسول مرسل من عند الله، ومن ثم اتباعه، ـ كما هو الحال في الأديان السابقة ـ وهذا أيضًا هو الإسلام.

ولما كان الرسول خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعل الله دعوته هي خاتمة الدعوات وناسختها، وأوجب على جميع المكلفين من إنس وجن، عرب وعجم، اتباعه وَمَا أَرْسَلْنَـ?كَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [سورة سبأ:28]

ومن ثَم أصبح اسم الإسلام حينما يطلق يقصد به آخر الأديان والشرائع نزولًا، وهو دين نبينا محمد وشريعته، وهو المعنى الخاص، وأصبح الإسلام بعد بعثة اسمًا خاصًا بمن اتبع محمدًا.

عباد الله، إذا تقرر ذلك، لا بد لنا من بيان نظرة الإسلام إلى أهل الكتاب، اليهود والنصارى.

أمة التوحيد، إن أساس نظرة الإسلام إلى غيره من الأديان، يعتمد على أن هذه الأديان تمردت على أمر الله جل وعلا في عدم الدخول في الإسلام والإنصياع لأحكامه، ناهيك عن اعتقادتهم الكفرية الباطلة، والمستلزمة لسب الله عز وجل، وإهانة جنابه، ولولا ضيق الوقت لذكرنا ذلك بأدلته، ولذا حكم الإسلام بكفرهم ومروقهم من الدين.

ضل النصارى في المسيح وأقسموا لا يهتدون إلى الرشاد سبيلا

والمدعو التثليث قوم سوغوا ما خالف المنقول والمعقولا

والعابدون العجل قد فتنوا به ودوا اتخاذ المرسلين عجولا

وهذا أعني كفر اليهود والنصارى أمر مجمع عليه من المسلمين كلهم سلفًا وخلفًا، ومن خالف ذلك فإنه جاهل، ومعاند، بل يخشى عليه هو من الكفر.

والأدلة الدالة على كفرهم أكثر من أن تحصى، فمنها قول الله جل وعلا: لَّقَدْ كَفَرَ ?لَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لْمَسِيحُ ?بْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17] ، وقال تعالى: لَّقَدْ كَفَرَ ?لَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ?للَّهَ ثَـ?لِثُ ثَلَـ?ثَةٍ [المائدة:73] .

لَمْ يَكُنِ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ وَ?لْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ حَتَّى? تَأْتِيَهُمُ ?لْبَيّنَةُ [البينة:1] .

والآيات في هذا كثيرة متضافرة متكاثرة.

أما النصارى واليهود فخصهم بالمقت في الإعلان والإسرار

أفيضمرون لمسلم حبا وقد شرقوا ببغض محمد المختار

والقول بكفر من عدا أتباع النبي بعد بعثته أصل عظيم من أصول الإسلام، وعليه تعتمد أصول أخرى كثيرة، فلا بد من وضوحه وتقريره، وتثبيته لدى عموم المسلمين.

أمة الإسلام، من هذه الأصول التي تعتمد على هذا الأصل ما يلي:

أولًا: الحكم على أهل الكتاب بالخلود في نار جنهم، وبئس المصير، وهذا على وجه الإجمال لا على وجه التعيين، والأدلة على ذلك كثيرة ومتضافرة أيضًا، إِنَّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ وَ?لْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَـ?لِدِينَ فِيهَا أَوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ ?لْبَرِيَّةِ [البينة:6] .

عن أَبِي هُرَيْرَةَ أن رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: (( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأمةِ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) )رواه مسلم.

عباد الله، وإذا تقرر هذا الأصل بهذا الوضوح وهذه السهولة تبين أن ما يثيره البعض بين فترة وأخرى حول علاقة المسلمين بعموم أهل الكتاب وأنهم غير كفار وغير مخلدين في النار لأن الإسلام الصحيح لم يبلغهم، فهذا حق مختلط بباطل، أما في الدنيا فهم عندنا كفار، نعاملهم معاملة الكفار، وأما أنهم غير مخلدبن في النار فنحن لا نحكم على أعيانهم أنهم مخلدون أو غير مخلدين في النار، فهذا مرده إلى الله، كما هو متقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة.

لكننا مع ذلك نجزم بأن غير المسلمين على وجه الإجمال متوعدون بالخلود في نار جهنم، فلا داعي للخوض في كون الدعوة بلغت هؤلاء أم لم تبلغهم.

لعن الذين رأوا سبيل محمد والمؤمنين به أضل سبيلا

أبناء حيات ألم تر أنهم يجدون درياق السموم قتولا

أمة الجهاد، والثاني من الأصول التي تعتمد على القول بكفرهم، أنه يجب على المسلمين أن يمنعوهم من حكم أي بلد من البلاد بغير شريعة الله جل وعلا، ويجب على المسلمين أن يحكموا الأرض كلها بشريعة الله جل وعلا، وإن أدى ذلك إلى قتال أهل الكتاب، قال الله جل وعلا: وَقَـ?تِلُوهُمْ حَتَّى? لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ?لدّينُ للَّهِ فَإِنِ ?نتَهَواْ فَلاَ عُدْو?نَ إِلاَّ عَلَى ?لظَّـ?لِمِينَ [البقرة:193] .

فالهدف من الجهاد بالدرجة الأولى أن تحكم شريعة الله الأرض كلها، وأن لا يحكم بغيرها في أي بقعة من البقاع، ولا يستلزم ذلك إكراههم على دين الإسلام وإجبارهم على اعتناقه، فقد قال الله جل وعلا: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي [البقرة:256] ، فلا تنافي بين الأمرين.

وعلى هذا كان النبي يبعث البعوث، وعليه جرى عمل الخلفاء الراشدين رضوان الله تعالى عليهم.

عباد الله، حينما نقرر هذا الأصل، نقرره ونحن نعلم أن المسلمين في حالة من الضعف المادي ما يجعلهم في ذيل الأمم، ونعلم كذلك أن هذا التقرير لا يروق لكثير من المسلمين الذين أصابتهم الهزيمة النفسية فأصبحوا يتملقون إلى الغرب بكل أنواع التملق رغبة في استرضائهم، وزعمًا منهم في تحسين صورة المسلمين لديهم.

لا درَّ درهم فإن كلامهم يذر الثرى من أدمعي مبلولا

فكأنني ألفيت مقلة فاقد ثكلى وموجعة تصيب عويلا

وكذا لا يروق لبعض المخلصين الذين يرون أن تقرير هذه الحقائق وإن كانت حقائق لا مماراة فيها، غير ملائم في أيام ضعف المسلمين وذلهم هذه.

أمة الإسلام، إن عجز الإنسان عن تطبيق بعض أحكام شريعته لا يبيح له بحال من الأحوال التخلي عنها، أو إغضاء الطرف عنها، أو تنحيتها، بل على العكس من ذلك، يجب عليه أن يذكر نفسه بها، وأن يتعلمها ويحرص عليها، لأن ذلك قد يكون محفزًا له على تطبيقها والوصول إليها يوما ما.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: فإن تقريرها وفق الكتاب والسنة، وإن صاحب ذلك عجز عن تطبيقها فإنه سيضمن سلامتها من الانحراف وعبث العابثين.

عباد الله، وهنا تنبيه آخر أهم من سابقه، ألا وهو: القول بكفر اليهود والنصارى، ووجوب بغضهم، وجوب البراءة منهم.

هذا كله واجب شرعي من جهة، وواجب مثله القيام بدعوتهم إلى الله جل وعلا، والذي أرى ـ والعلم عند الله تعالى لا سيما في هذه البلاد ـ أنه يجب على المسلمين في أحاديثهم المتعلقة بالأحكام الشرعية المتعلقة باليهود والنصارى، التركيز على دعوة هؤلاء للإسلام، قبل الحديث عن جهادهم.

عباد الله، نحن أمة دعوة في الدرجة الأولى، وحينما كان النبي يبعث البعوث والرسل إلى بلدان المسلمين كان يأمرهم أن يبدؤوا بالدعوة إلى الله جل وعلا، بل إنه كان يأمر الجيوش التي تذهب أصلا للحرب والقتال، كان يأمرها بأن يدعوهم للإسلام أولًا قبل أن يدعوهم للجزية أو القتال.

إخوة الإسلام، لنكن صرحاء مع أنفسنا، نحن مطالبون بالدعوة في الدرجة الأولى، فكم يستغرق الحديث عن دعوة القوم وطرقه وأساليبه ووسائله من مجالسنا، بل كم يشغل من حيز اهتماماتنا، بل إني أقول ـ والعلم عند الله تعالى ـ: إن بعض الإخوة حينما يتحدثون عن الجهاد ويشغل جُل اهتمامهم في هذه البلاد أخشى أن هذا الحديث يكون من باب التنفيس عن النفس، وبث الأشجان، وتبادل الأحلام، وإلا فليس صاحبه في كثير من الأحيان واقعيًا.

ونحن وإن كنا مطالبين به، فلا شك أنه في أقل الأحوال الخلاف جار في فرضيته على الأعيان على مسلمي هذه البلاد، لكن الدعوة إلى الله جل وعلا فرض على الأعيان في هذه البلاد، لا سيما مع هذه الظروف، والله جل وعلا يقول: ?دْعُ إِلِى? سَبِيلِ رَبّكَ بِ?لْحِكْمَةِ وَ?لْمَوْعِظَةِ ?لْحَسَنَةِ وَجَـ?دِلْهُم بِ?لَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِ?لْمُهْتَدِينَ [النحل:125] .

أمر آخر يجب التنبيه له أيها الإخوة: وهو أن بغض الكافرين، والبراءة منهم، لا يعني هذا بأي حال من الأحوال إساءة معاملتهم، وقد قال الله جل وعلا: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بِ?لْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ?عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8] .

فإحسان معاملتهم أمر مأمور به في حد ذاته، فكيف إذا انضم إليه أنه من أول وأحسن وسائل الدعوة إلى الله جل وعلا، لا سيما مع هؤلاء القوم، ولولا ضيق الوقت لسقت من الشواهد التي تدل على أن إحسان المعاملة كانت سببًا في إسلام كثير من الناس في هذه البلاد، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم جار يهودي فمرض فزاره، وأكل النبي من طعام أهداه له يهودي، وأجاز العلماء الصدقة عليهم، وكم فتحت بلاد في مشارق الأرض ومغاربها بالأخلاق وحسن المعاملة.

ولعل الله ييسر لنا خطبة قادمة عن أثر الأخلاق الحسنة في الدعوة إلى الله جل وعلا.

الحمد لله على آلائه وصلواته على محمد خاتم أنبيائه وعلى آله وأصحابه وأصفيائه وسلم تسليمًا كثيرًا.

وبعد:

أمة الإسلام: وبقي من الأحكام المتعلقة بأهل الكتاب شيء كثير، منه تحريم التشبه بهم، ووجوب ضرب الجزية عليهم في بلاد المسلمين، وتحريم سكناهم في الجزيرة العربية، وكذا الأحكام المتعقلة بمعاملتهم ومعاشرتهم، لكن هنا أختم بحكم واحد، نظرا لحاجتنا إليه في هذه الأيام، لا سيما في هذه البلاد، ومع هذه المحن، ألا وهو مشاركة النصارى في أعيادهم، أو تهنئتهم بها.

وخصوصية هذا الموضوع تجعلنا نفرده بالذكر هنا.

عباد الله، إذا تقرر كفر عقيدة أو ملة من الملل، فهذا يعني أن شعائرهم الدينية، هي من مظاهر الكفر وشعائر محاربة الله ورسوله، ولا شك أن عيد كل طائفة وملة من الملل مرتبط بدينهم وعقيدتهم، وإلا لما تميزوا به عن غيرهم واختصوا به، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى.

وعليه فهل ترون أن يرضى المسلم الموحد العابد لله وحده بمظهر من مظاهر الكفر، فضلًا عن أن يهنئ صاحبه بالقيام به، ناهيك أن يشاركه فيه، وهذا هو السر الذي جعل تهنئة الكفار بشعائرهم أمرًا محرمًا تحريمًا قطعيًا، ويزداد هذا الإثم إذا شاركهم الإنسان في مظاهر الكفر هذه.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبدًا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه) [1] ، انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

قال الله جل وعلا: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ?لْكِتَـ?بِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـ?تِ ?للَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى? يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مّثْلُهُمْ إِنَّ ?للَّهَ جَامِعُ ?لْمُنَـ?فِقِينَ وَ?لْكَـ?فِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:140] .

عباد الله، يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وفي مشابهتهم من المفاسد أيضًا أن أولاد المسلمين تنشأ على حب هذه الأعياد الكفرية، لما يصنع لهم فيها من الراحات والكسوة، والأطعمة وخبز الأقراص وغير ذلك) .

فبئس المربي أنت أيها المسلم إذا لم تنهَ أهلك وأولادك عن ذلك وتعرفهم: أن ذلك عند النصارى، لا يحل لنا أن نشاركهم ونشابههم فيها.

قال الذهبي:(فإن قال قائل: إنما نفعل ذلك لأجل الأولاد الصغار والنساء؟ فيقال له أسوأ الناس حالًا، من أرضى أهله وأولاده بما يسخط الله عليه.

فينبغي على المسلم أن يسد هذا الباب أصلًا ورأسًا، وينفر أهله وأولاده من فعل الشيء من ذلك، فإن الخير عادة، وتجنب البدع عبادة، ولا يقول جاهل: أفرح أطفالي.

أفما وجدت يا مسلم ما تفرحهم به إلا بما يسخط الرحمن، ويرضى الشيطان وهو شعار الكفر والطغيان؟

فبئس المربي أنت ولكن هكذا تربيت)ا.هـ.

وكفى اليهود بأنهم قد مثلوا معبودهم بعباده تمثيلا

وبأن إسرائيل صارع ربه ورمى به شكرا لإسرائيلا

أفيأنف الكفار أن يستدركوا قولا على خير الورى منحولا

عباد الله، لست أدري كيف يطيب لمؤمن موحد عابد قانت لله جل وعلا أن يهنئ عباد الصليب، أكالي الخنازير، شرابي الخمور، يهنئهم بيوم يمارسون فيه جميع أنواع الفسق والخنا والزنا، نساء عاريات يتراقصن مع رجال، كؤوس خمر تدور، أغان صاخبة، مجون وفجور، ثم نقول لهم بعد ذلك: اقضوا وقتًا سعيدًا، وعيد سعيد.

ومن الغبينة أن يجازي إفكهم صدقي ولسانا في الكلام شكولا

إن أنكروا فضل النبي فإنما أرخوا على ضوء النهار سدولا

أمة الإسلام، وليت شعري كيف يروق لمؤمن يشعر بواجب الإخوة الإيمانية لإخوانه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أن يهنأ الصليبيين الجدد بيوم من أيامهم الصليبية التي تثير فيهم نعرة الصليبية الحاقدة، بينما هم يذبحون أطفالنا، ويغتصبون نساءنا، ويقتلون رجالنا، ويشمتون بنا، ويدوسون فوق رقابنا، إمعانًا في الذل والمهانة.

[1] أحكام أهل الذمة (1/441) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت