فهرس الكتاب

الصفحة 611 من 5777

صراع الخير والشر

سيرة وتاريخ

السيرة النبوية

عثمان بن جمعة ضميرية

الطائف

غير محدد

1-تعرض الصحابة لصنوف الأذى من قريش. 2- أمر رسول الله بالهجرة إلى الحبشة.

3-قريش تشكوا الصحابة إلى النجاشي. 4- جعفر يجهر بالدعوة في بلاط النجاشي.

أما بعد:

إن من سنة الله في هذا الكون أن يَجد الخير والشر والحق والباطل ، وهما في صراع دائم لا يفتر ولا ينقطع وإن أهل الباطل والضلال يبتكرون من الوسائل ما يمكنهم من أذى المسلمين ومضايقتهم ، فقد رأينا زعماء قريش لم يكتفوا بمواقف الصد والمعارضة والتحدي والنظري ، بل إن بُغاتهم قد يجاوزوا ذلك إلى إيقاع الأذى على المسلمين وفتنتهم عن الإسلام إلى الكفر ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

ونظر رسول الله إلى أصحابه فكانوا بين أمرين:

إما أن يظلوا يتعرضون للأذى وقد تخون بعضهم أعصابهم فيضطرون إلى الارتداد.

وإما أن يصبروا حتى يودي الصبر بحياتهم تحت التعذيب ، وما ذاك إلا لأنهم أمنوا بالله: وما نقموا إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد ، وكان لابد من عمل ينقذ به عليه الصلاة والسلام القلة المؤمنة من الصحابة ويدفع عنهم الأذى ، ويهيئ لهم المكان الآمن الذي يأمنون فيه من عدوان الباطل ، وما كان هذا ليتنافى مع الصبر والتضحية فيما كان هذا التفكير إلا بعد الصبر والتوكل على الله:

قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.

وكانت هذه الآية الكريمة إذ تأمن الله تعالى لأولئك المؤمنين الصادقين البررة المعذبين المضطهدين بالهجرة فقال لأصحابه: (( لو خرجتم إلى الحبشة ، فإن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه ) ).

فخرج المسلمون على دفعتين الأولى أحد عشر رجلا وأربع نساء ، والثانية ثلاثة وثمانون رجلا وثماني عشرة امرأة ، فيهم المستضعفون والذين لا يجدون من القوم نصرة ، وفيهم أبناء الأسر الكبيرة من قريش الذين يجدون لهم من زعامة أبائهم سندا ونصيرا ، فكان خروجهم ضربة عنيفة لقريش وكبريائها وجحودها ، وإحباطا لجهودها وإغراء لعامة الناس بالهجرة ، وحل المسلمون ضيوفا كراما على أصحمة النجاشي: فآواهم وأكرمهم ، ولما علمت قريش بذلك ساءها الأمر وبعثت وفد مكونا من عبد الله بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص ، بعثتهما بهدايا وتحف إلى النجاشي ليرد المسلمين على المشركين ، قالوا للنجاشي: أيها الملك: إن ناسا من سفهائنا فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم لتردهم إليهم فهم أعلم بهم.

ورأى النجاشي أنه لا بد من تمحيص القضية ، وسماع أطرافها جميعا ، فبعث إلى أصحاب محمد وسألهم فتكلموا وقد أجمعوا على الصدق ، وكان المتكلم عنهم جعفر بن أبي طالب فقال: أيها الملك: كنا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ، فصدقناه واتبعناه على ما جاء به من الله ، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا إلى عبادة الأوثان ، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين دينك ، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك. ولما وشى المشركون بالمسلمين فذكروا للنجاشي أنهم يقولون في عيسى غير ما يعتقده النجاشي سأل جعفر: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟ قال: نعم ، فقرأ عليه من سورة مريم حتى وصل إلى قوله تعالى: فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيًا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًا وجعلني مباركًا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيًا وبرًا بوالدتي ولم يجعلني جبارًا شقيًا.

فبكى النجاشي وأساقفته ، وأخذ عودا من الأرض وقال: ما زاد هذا على ما في الإنجيل قدر هذا العود ، ثم قال لهم: اذهبوا فأنتم آمنون بأرض من سبكم غرم ، ثم قال للوفد المشرك ، لو أعطيتموني جبلا من ذهب ما سلمتهم إليكما ، ثم أمر فردت عليهم هداياهما ، ورجعا يجران أذيال الخيبة والفشل والخذلان.

وكتب الله لأولئك المؤمنين بعد النصر والتمكين والأجر: والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذي صبروا وعلى ربهم يتوكلون.

أما لماذا كانت الهجرة إلى الحبشة بالذات ولم تكن إلى بلد غيرها ؟

فلعل سر الاختيار أيها الاخوة ،لأن بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، كما وصفه النبي وكذلك تيسر السفر إليها في تلك الظروف التي كانت تحيط بهم ، وكما أنه سيمت بصلة إلى ما كان موقف حسنٍ لبعض أهل الكتاب من النصارى الذين وقفوا موقفا إيجابيا من الدعوة الإسلامية.

وقد يكون مما يخطر بالبال: أن يكون من أسباب اختيار الحبشة النصرانية ذلك الأمل في وجود مجال للدعوة فيها، ولعل فيما روي عن إسلام النجاشي وغيره من الأحباش ووفادة لبعضهم على النبي مسلمين مستطلعين ، ما يستأمن به على صحة هذا المخاطر ، إذ يرى أثر الفجاج لهذه الدعوة في هائل الديار: ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت