فهرس الكتاب

الصفحة 2555 من 5777

ارتباط الأخلاق بالعقيدة

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

أخلاق عامة, خصال الإيمان

عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي

المجمعة

الجامع القديم

1-دعوة القرآن لتحقيق الإيمان الصحيح. 2- تعدد وكثرة شعب الإيمان. 3- الأخلاق من لوازم الإيمان الصحيح. 4- أهمية الأخلاق وارتباطها بالإيمان كما في كثير من النصوص. 5- تحذير النبي من ضعف الإيمان المتمثل بضعف الأخلاق. 6- بعض الصور السيئة في مجتمعاتنا.

أما بعد: فاتقوا الله ربكم أيها المؤمنون، تجدوا غِبَّ ذلك راحة في البال وسعة في الرزق وسكينة في النفس.

عباد الله، أرأيتم لو أن أبًا نادى ابنه، ألا يلبي النداء على عجل؟ ولو طلب منه شيئًا ألا يسرع بالامتثال؟ بلى والله، فحق الأب عظيم، وطاعته واجبة، ومعروفه لا ينسى، فما الحال إذن إذا ناداك يا عبدالله سيدُك ومولاك وخالقك ورازقك سبحانه وتعالى، ألا تبادر بالسمع والطاعة حبًا وتعظيمًا وإجلالًا وخوفًا ورجاءً؟ فحق الله تعالى أعظم الحقوق،وامتثال أمره آكد الواجبات، وترك معصيته أكبر الفرائض.

إذا علمت هذا أيها المسلم وأيقنت به، فاسمع قول الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ءامِنُواْ بِ?للَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء:136] ، واسمع ما أُمر به النبي: قُلْ ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ?للَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ?لَّذِى لَهُ مُلْكُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ لا إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ فَئَامِنُواْ بِ?للَّهِ وَرَسُولِهِ ?لنَّبِىّ ?لامّىّ ?لَّذِى يُؤْمِنُ بِ?للَّهِ وَكَلِمَـ?تِهِ وَ?تَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: 158] ، إن ربنا سبحانه ينادي عباده ويأمرهم أن يؤمنوا به حق الإيمان، وقد وعد سبحانه أهل الإيمان بالجنة والمغفرة والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، وَعَدَ ?للَّهُ ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ جَنَّـ?تٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ?لانْهَـ?رُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا وَمَسَـ?كِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْو?نٌ مّنَ ?للَّهِ أَكْبَرُ ذ?لِكَ هُوَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ [التوبة:72] .

والإيمان بالله تعالى شعبه كثيرة، ومقتضياته عديدة، وحقيقته لا تخفى، فالإيمان بالله تعالى اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح، وليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، كما قال سلفنا الكرام رحمهم الله.

عباد الله، إن من لوازم الإيمان بالله تعالى أن يتحلى المسلم بالخلق الحسن ويعامل الناس بمكارم الأخلاق، والتحلي بحسن الخلق جزء رئيس من الإيمان بالله تعالى لا ينفك عنه، وكلما قوي إيمان العبد كان التزامه بالخلق الحسن أقوى، هكذا يرشدنا كتاب ربنا وسنة نبينا، فالله تعالى يقول: لَّيْسَ ?لْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ?لْمَشْرِقِ وَ?لْمَغْرِبِ وَلَـ?كِنَّ ?لْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِ?للَّهِ وَ?لْيَوْمِ ?لاْخِرِ وَ?لْمَلَئِكَةِ وَ?لْكِتَـ?بِ وَ?لنَّبِيّينَ وَءاتَى ?لْمَالَ عَلَى? حُبّهِ ذَوِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْيَتَـ?مَى? وَ?لْمَسَـ?كِينَ وَ?بْنَ ?لسَّبِيلِ وَ?لسَّائِلِينَ وَفِي ?لرّقَابِ وَأَقَامَ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتَى ?لزَّكَو?ةَ وَ?لْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـ?هَدُواْ وَ?لصَّابِرِينَ فِى ?لْبَأْسَاء و?لضَّرَّاء وَحِينَ ?لْبَأْسِ أُولَئِكَ ?لَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ ?لْمُتَّقُونَ [البقرة:177] ، فانظر رعاك الله كيف أصبح الإحسان إلى القريب واليتيم والمسكين والوفاء بالعهد من خصال الإيمان، وذكرها الله تعالى قرينة للإيمان به سبحانه وباليوم الآخر، بل قال: (( البر حسن الخلق ) )مسلم، ويقول: (( أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله) ) الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وأخرج البخاري قوله: (( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه ) )والبوائق هي الشرور. وعنه أنه قال (( ليس المؤمن بالطعان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء ) )أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، وفي صحيح مسلم عن أنس عن النبي أنه قال: (( والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو قال لأخيه ما يحب لنفسه ) )وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم ) )وقال حديث حسن صحيح. وسئل النبي أي الإسلام خير؟ قال: (( تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) )أخرجه البخاري. وعن أبي هريرة عن رسول الله قال: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) )مسلم.

فانظر يا عبد الله كيف أصبح التحلي بالخلق الكريم من أهم خصال الإيمان ولوازمه، ونفهم من هذا أن من حسنت أخلاقه وطابت فعاله مع الناس كان أقرب إلى الإيمان وأكثر تحقيقًا له ممن ساء خلقه وشان طبعه.

وفي مقابل ذلك نعلم أن انهيار الأخلاق وضعف التحلي بالخلق الكريم مرده إلى ضعف الإيمان أو فقدانه، يقول ـ ـ تقريرًا لهذه المبادئ الواضحة في صلة الإيمان بالخلق القويم: (( ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال: إني مسلم، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان ) )رواه مسلم.

ولا ريب أن النفاق أخطر ما يناقض الإيمان.

نخلص من ذلك يا عباد الله إلى أن للإيمان حقيقة، وكل حقيقة لها علاة، وعلامة الإيمان: العمل به وتحقيق أركانه والتزام لوازمه، ومن لوازم الإيمان بالله تعالى التحلي بمكارم الأخلاق والإحسان إلى الخلق، ومن كان مؤمنًا حقًا فلتحسن أخلاقه ولتطب فعاله، طاعةً ومحبةً لله تعالى ولرسوله.

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

أقول قولي هذا...

أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون.

عباد الله، إذا كان ارتباط الخلق والسلوك بالإيمان بالله بهذه المثابة، وإذا كان لزوم الخلق الحسن من لوازم العقيدة الإسلامية فلماذا نرى في واقع المسلمين الآن المخالفة والمناقضة لهذه المسلمات، لقد أصبحت الشكوى مريرة لما أصاب الناس في العصور المتأخرة من انهيار في الأخلاق، واضطراب في الموازين، فالقريب يتذمر من قريبه، والجار يشكو جاره، والأمانة ضاعت بين الناس، والمراوغة راجت سوقها، والغش في المعاملات قائمة سوقه، وتضييع حقوق العباد وتأخيرها مما ألفه كثيرون، مما اضطر الناس إلى البحث عن صديق أو رفيق يسهل أمر تلك المعاملة أو يعجل بالموعد، بل ربما تطلع موظف إلى رشوة كي يؤدي عمله الواجب عليه، وإنه لخطر عظيم ينذر بالشرور والفوضى، وإن ذلك لدلالة واضحة على فساد التصور وضعف الإيمان، فظهر بسبب ذلك انفصام نكد وازدواجية بين مفهوم الإيمان ومقتضياته، حين يشعر المسلم أنه غير مطالب بأداء الحقوق أو إحسان الخلق مع الناس، ويرى أن ذلك عمل ثانوي لا يؤثر تركه في دينه وعقيدته.

فلنتق الله أيها المسلمون، ولنعلم أنه لابد من تمثل العقيدة وتشرُّبها، وأن تتحول إلى واقع عملي في الحياة والتعامل بين الأنام، تأسيًا بأصحاب رسول الله ـ ـ الذين تحولوا إلى نماذج فريدة سلوكًا وإخلاصًا، بل وتأسيًا بالنبي الذي كان خلقه القرآن، وكان أحسن الناس خلقًا، وهو أكثر الخلق إيمانًا بالله وخشية له.

اللهم اجعلنا من عبادك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت