فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فقه
النكاح
عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي
عنيزة
جامع السلام
1-الزواج سنة من سنن الحياة لا تستقيم الحياة بدونه. 2- ضرورة تيسير الزواج وخطورة
وضع العراقيل في طريقه. 3- الآثار السلبية للإعلام ووسائله المرئية والمسموعة والمقروءة
على تأخير الزواج. 4- دعوة للمصلحين وأولياء الأمور للتخفيف من عبء الزواج وتكاليفه.
أما بعد:
فيا عباد الله اتقوا الله تعالى وتوبوا إليه ، أيها الأخوة المؤمنون: أمرٌ شرعه الله ويسره وجعل إتمامه حربا على دعاة التهتك وردعا لكل من أراد سوءا بأخلاق المجتمع أو عدوانا على الأعراض أو إهدارا للأخلاق والحياء. واقتضت حكمة ربنا جل وتبارك بقاء النسل البشري ، وحفظ النوع الإنساني من أجل إعمار الكون ، وإصلاح الأرض ، وإقامة الشرع ، والقيام بشؤون الحياة ، فَشَرَع بحكمته ما ينظم العلاقة بين الجنسين الذكر والأنثى من بني آدم ، فسن الزواج بأحكامه وآدابه ، علاقة شرعية تدعو إليها الفطرة السليمة ، وتنظمها أحكام الشرع القويمة.
بقيامه تنتظم الحياة ويحفظ الحياء ، وينعم البال ويستقيم الحال بالزواج المشروع يتحقق العفاف والحَصَان ، الذي يضمن وفاق العلاقات وأمن البيوتات ، النسل الصالح والجيل الخيُّر ، لا ينبت ولا يتربى إلا في أحضان زوجية شرعية بين أبوة كادحة ، وأمومة حانية ، في الذرية الصالحة ، والاستكثار منها في الأمة ، العز والفخار للدين والأسرة والمجتمع واذكروا إذ كنتم قليل فكثركم [الأعراف:86] ويقول جل وعز ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرًا [الاسراء:6]
عباد الله:
إن نعيم الحياة ومتعتها لا تكون إلا في بيت سعيد ، وسعادة البيت لا يحققها إلا دين صحيح ، وخلق سمح ، وأدب رفيع ينضّم إلى ذلك صفاء الود ، والحفظ المتبادل بين القرينين في الحضور والغيبة ، بيت سعيد ظاهره الحشمة والمهابة وباطنه العفاف والصيانة ، الزواج السعيد ينشر السعادة في المودة والصلاة بين الأقارب والأصهار وينشر بين الآل والأرحام وشائج القربى وعلائق المصاهرة.
ولهذه المصالح ولغيرها كان للزواج الأهمية العظمى في الكتاب والسنة حيث يجب على المسلمين أن يهتموا بشأنه ، ويسهلوا طريقه ، ويتعاونوا على تحقيقه ، ويمنعوا من يريدوا تعويقه أو تأخيره.
أيها الأخوة المسلمون:
إذا كانت عظيمة حكَِم الزواج وأسراره ، ومنافعه وآثاره فما بالنا نرى مجتمعاتنا الإسلامية تشكو العنوسة وتأخر سن الزواج في الفتيان والفتيات ، تتقدم السنين بهم ، والعراقيل تزداد أمامهم، والمشكلات تتفاقم في وجوههم ، كل ذلك نراه خلافا لما قضى من وقت وتاريخ لم يبعد، حيث كان الزواج يتم بأيسر الطرق وأقل التكاليف.
إن تضييق فرص الزواج علة خراب الديار ، به يُقتل العفاف ، وتوءد الفضيلة ، وذلك التضييق هو طريق الفساد ، وهتك حجب الستر والصيانة ، إنها سوءات وخبائث لا تظهر إلا إذا افتعلت الحواجز ، وتنوعت العوائق أمام الراغبين من البنات والبنين.
لقد أصبحنا ونحن نجد في مجتمعنا نساءً كبرن أو تجاوزن سن الزواج دون زواج، ولا شك أن ذلك مأساة كبيرة، وخطر عظيم، يواجهه العالم أجمع لكنها غريبة على مجتمع يعيش تعاليم شرعية، وأحكامًا إسلامية، وعادات وتقاليد سامية، بل إن هذه الظاهرة تنتشر لدى الشباب أيضا فترى بعضهم ممن يتقدمون إلى الأسر فيُردون عن الزواج لأسباب واهية تسببت في تأخير زواج كثير منهم أو زواجهم من غير مجتمعهم وبيئتهم.
إنها مشكلات وعوائق راجعة إلى خلل في التصور ، وزعزعة في الفكر ، وراجعة إلى ضعف في العقيدة ، وخلل في تطبيق الشريعة ، إنه التفكير المشوش حول المستقبل إنه تعلق بالشهادات وتأمين فرص العمل والاشتغال بالترقي في سلالم التعليم حتى يفوت الجميع قطار الزواج ، ومشاركة الوالدين وتأييدهما وقبول المجتمع له يؤكد هذا الخلل في التفكير والانقلاب في الموازين ، وتزعزع الثقة في الله ، إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله [النور:32] ويقول رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه (( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) )رواه الترمذي وقال حسن غريب ، لقد اضطربت المقاييس ، وطاشت الموازين فالوظيفة والشهادة والمرتب والوجاهة هي السوق الرائجة وهي وحدها المقومات العالية، ولذلك فمن الخطر على الأب أو الولِي أن يترك الأمر مطلقا بيد النساء في المنزل بحيث تقرر البنت أو أمها مصيرها، بدعوى الحرية وعدم الإجبار وتقرير المصير، لأن البنت لا تدرك الخطر الكبير عليها من رد المتقدمين إليها لأسباب واهية إلا حينما يتقدم بها السن إلى عمر يعافها فيها المتقدمون فترى تأخرها ذلك كان شؤما عليها ولا تستطيع تعويض ما فاتها ، ولعل في المجتمع أمثلة تثبت ذلك ، ومن معوقات الزواج لدينا: الإفراط والدقة في وضع الشروط والمواصفات لزوج أو زوجة المستقبل التي قلما تُحَقق في أحد.
أيها المسلمون:
إن ما يتلقفه الناس والشباب من معلومات وأخلاقيات في المقالات والمسلسلات والصحف والإذاعات له أثره البين في اختلال النظرة إلى الحياة فانقلبت المفاهيم وفسدت الأمزجة وبُنَِيتْ علاقات الناس وروابطهم على منافع ذاتية مادية بحتة.
إن أخطر ما يتهدد الزواج ويواجهه من تحديات في عصرنا يتمثل في دعوات مشبوهة ، من جهات شتى ومنابر كثيرة إلى علاقات محرمة خالية من الضوابط الشرعية لتحل بالتدريج محل الزواج الشرعي بوصفه صمام الأمان لأمن المجتمع القيمي والأخلاقي، ويتمثل في الإعلام الهابط من الفضائيات وما يطفح في كثير من وسائل الإعلام بعرض أفكار ومواقف وندوات وأفلام ، تُهَّون من شأن الاتصال المحرم ، وتقوض من مؤسسة الأسرة ، وتجعل من العفاف الحياء والفضيلة والشرف كلمات لا معنى، لها أو ذات مضامين مهلهة تتسوغ للذين يتبعون لتندفع الشهوات فسقهم، وتزين باطلهم، وتوجه في أعين وقلوب الشباب والفتيات، فينكسر باب الحياء من خلاله شرور وآثام أخلاقية. وينبينا التاريخ أنه أيما أمة اهتز فيها جيل الأخلاق وهان فيها أمر الفضيلة فإن أمن المجتمع وتماسكه سينهار، ويُعْصف بمرتكزات دينه ودنياه.
أيها الآباء المربون:
من معوقات الزواج: المصاريف الباهظة والمظاهر الزائفة ، إذا انحدر الناس في المقاييس المادية وحكموها في علاقاتهم فقد فسد الزمان وتعطل أمر الشرع لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله [الطلاق:7] لقد اشتط الناس في النفقات ، وسرت بينهم في الحطام المنافسات ، فارتفعت المروءات في كثير من البيئات ، فزادت الحواجز ارتفاعا ، وامتدت السدود طولا حتى أن كثيرا من المقدمين على الزواج لا يستطيع إلا بمساعدة أهل الخير ومال الزكاة أو الدَّيْن وإثقال الكاهل ، قال عمر بن الخطاب:"لا تغلوا في ُصُدق النساء ، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة كان أولاكم بها النبي ما أصدق عليه الصلاة والسلام امرأة من نسائه، ولا أُصْدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتا عشرة أوقية"أي مائة وعشرين ريالا. رواه الخمسة وصححه الترمذي.
أيها الناس:
إن جميل الُخُلق أبقى من جمال الخَلْق، وغنى النفس مقدم على غنى المال ، والعبرة كل العبرة في كريمَ الخصال لا في زين الأجسام وكثرة الأموال ، سُئل سعيد بن المسيب رحمه الله عن قوله e: (( خير النساء أيسرهن مهورا ) )فقيل له: كيف تكون حسناء ورخيصة المهر ؟ فقال: يا هذا ، انظر كيف قلت أهم يساومون في بهيمة لا تعقل أم هي بضاعة طمع صاحبها يغلب على مطامع الناس ثم قرأ هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها: إنه إنسان مع إنسانة ، وليس متاعا يطلب مبتاعا ، ا.هـ. كلامه رحمه الله.
من الخطأ الداهم التمسك بالجمال والمنصب والمال والمَرْكز للمزايدة في الثمن والمغالاة في المهر ، فصاحب الجمال والجاه قليل الدين والخلق رجلا أو امرأة ،لا يغني عنه كثرة المال شيئا. إنَّ نسب الطلاق والفراق ، وأسباب الانفصال والشقاق باتت متقدمة في هذا العصر نراها عالية عن مجتمعات سلمت من رياح هذا التقدم البائس وغباره الخانق ومادياته ومظاهره ومما نراه معوقا للزواج ما يتعارف عليه المجتمع من عادات عقيمة ذات آثار أليمة ، تحكم تلك العادات كثيرا من الناس يصعب عليهم التخلي عنه كعادة تأخير الزواج حتى سن متأخرة أي بعد الدراسة الجامعية مثلا ومن خالف ذلك لقي اللوم والتأديب ، ومن العادات مثلا تأخير زواج الأصغر أو الصغرى حتى زواج الأكبر أو الكبرى بحجة المجاملة والإحراج وخشية العيب ، ومن العادات الغريبة أن يستنكر المجتمع تعدد الزوجات وزواج الرجل الثانية أو الثالثة أو الرابعة دونما سب بالرغم من تقدمه إلى امرأة قد لا يتقدم إليها أفضل منه.
أيها الأخوة المؤمنون:
حق على أصحاب القدوة من الوجهاء والعلماء والرموز والأغنياء، أن ينشروا في الناس خلق القناعة بما يسر الله ورزق ويرسموا ذلك بفعالهم قبل أقوالهم ، إن الاغتباط والسعادة والتوفيق لا يكون إلا بالدين وحسن الخلق والاهتمام بغرس المودة ونعمة البال ، يجب أن يكون التوجيه وصرف الهم والهمة في اختيار الفتى المهذب والفتاة المهذبة، من أجل أن تستجلب راحة الضمير والإعانة على نوائب الحياة ، والتهيئة لكسب شريف وسعي كريم ، الصلاح والتقى والعفة والأمانة ، وكرم العنصر وطيب الأرومة ، كل أولئك تورث حسن الطباع ، وعزة النفس واحترام البعل.
إن الجمال ونضارة الشباب تزيلُهما السنين ، وإن المال غادٍ ورائح ولا يبقى إلا الدين القويم والخلق الكريم (فاظفر بذات الدين تربت يداك) .
عباد الله:
إن منع الزواج وتأخيره، يسبب عارا وخزيا يهدد بإنهاء المجتمع، ولنقلَّب النظر عبرة في مجتمعات من حولنا عطلت الزواج، أو قللت الاهتمام به كيف انتشر فيها فساد الأخلاق وانتهاك الأعراض، وتفكك الأسر وفساد التربية وخواء البيوت من الزوجات والصالحات وكثرة العوانس حتى صارت النساء كالرجال ربات أعمال لا ربات بيوت ولا مربيات أطفال ، والسعيد من وعظ بغيره والشقي من لم تنفعه المواعظ ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم [النور:32]
بارك الله لي ولكم في الفرقان العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات...
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله وساهموا في بناء مجتمعكم بناءُ صحيحا، عبر تشجيع الزواج فيه ودعمه، وتخفيف عبئه وتكاليفه، وإن على الأب والولي أن يبحث لابنته عن الرجل الصالح ولو عرضَها عليه، فقد عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصَه رضي الله عنها على عثمان بن عفان وأبي بكر ثم تزوجها رسول الله ، كذلك على الآباء والأولياء دعم أبناءهم وبناتهم ماديا ومعنويا في الزواج حتى يسهل عليهم كذلك دعمهم بتسهيل حصول الخاطب على ما يحتاج من معلومات عن مخطوبته في حدود الشرع.
وإن مسالك العقل والحكمة تقتضي التوجيه إلى حسن المعاشرة، وفقه إدارة المنزل وبناءه على التقوى والخلق ، وإلى ما يوثق العلاقات بين الزوجين الجديدين ، ولن يكون ذلك إلا بتكاتف المجتمع، وإجماعه على دفع مسيرة الزواج بين أفراده، ورفع العقبات وتسهيلها عن طريقه.
نسأل الله أن يوفق المسلمين والمسلمات لكل ما فيه خيرهم وصلاحهم.
وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه...