فهرس الكتاب

الصفحة 5471 من 5777

دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام(3)

العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ

القصص, قضايا دعوية

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-دعوة إبراهيم قومه إلى التوحيد. 2- إبراهيم عليه السلام يحطّم أصنام قومه. 3- محاجة إبراهيم قومه عن آلهتهم. 5- توكل إبراهيم عليه السلام على ربه.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

لقد سبق الكلام في الخطبتين السابقتين عن دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه وللطاغية في زمانه النمرود، واليوم نحن في دعوته لقومه أجمعين، وإن كانت دعوته تلك خاصة فهذه عامة للقوم جميعهم، ومنهم أبوه وغيره، وقد جادلهم عليه السلام، والجدال مشروع لإقامة الحجة على المشركين والمبطلين والمعاندين لعلهم يهتدون ولبيان ضلال عقولهم وما هم فيه وإظهار الحق على الباطل.

لقد كان إبراهيم عليه السلام دائبًا في الدعوة إلى الله لا يفتأ يذكّر قومه وعشيرته بعبادة الله وترك عبادة الأصنام، دعا أباه للإيمان فأبى وامتنع، ثم دعا قومه وتنكّروا لدعوته وسخروا من رسالته، ولكنه كان رحيمًا رفيقًا وبرًا تقيًا، فلم تعطه نفسه أن يتركهم في ضلالهم يعمهون دون دعوة وإرشاد ونصح وتوجيه إلى ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة، فعزم عليه السلام أن يمحو ويزيل عنهم تلك العقائد الباطلة، ويردهم إلى رشدهم وصوابهم ولو ناله ولحقه منهم من الأذى الشيء الكثير أو تعرضت حياته للخطر الجسيم.

ولقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذكيًا صائب الرأي، وقد علم أن الحجة والبرهان اللَّفظِيَيْن وإن وضحا وضوح الشمس لا ينبتان نباتًا حسنًا في تلك الأرض الجرز في العقول والقلوب المقفلة ما لم تقترن الحجة والبرهان بالحس والبصر فلن تؤتي أكلها، لذلك عزم على أن يشرك أبصار القوم مع بصائرهم ويقرن حواسهم مع أفئدتهم؛ لعلهم يرجعون عن غيهم، لعلهم يدركون بأنفسهم تفاهة ما هم عليه من عبادة حجارة لا تنفع ولا تضر ولا تشفع ولا تسمع ولا تغني عن عابديها شيئًا.

كان لقوم إبراهيم عليه السلام يوم عيد كبير يخرجون فيه خارج المدينة، ولما اقترب وقت ذلك العيد قال له أبوه: يا بني، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا، ولكنه تظاهر بالسقم والمرض ولم يصحبهم، وقد عزم من قبل وأسمع بعض القوم عزمه على تحطيم آلهتهم وتكسيرها، وتظاهره بالسقم والمرض لم يكن للمرض الجسدي المتعارف عليه وإنما لتعبه النفسي والقلبي من عبادتهم من تلك الأصنام، وفعل ذلك وقاله لِيَخْلُوَ له الجوُّ لِينَفِّذَ ما أراد للأصنام، وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (( لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله عز وجل: قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا ) )، وقال: (( بينما هو وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل: إن ها هنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة قال: يا سارة، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني، فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأُخِذَ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرّك، فدعت الله فأُطْلِق، ثم تناولها الثانية فأُخِذَ مثلها أو أشدّ، فقال: ادعي الله لي فلا أضرك، فدعت وأطلق، فدعا بعض حَجَبَتِه فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان إنما أتيتموني بشيطان، فأَخْدَمَهَا هاجر، فأتت إلى إبراهيم وهو قائم يصلي فأومأ بيده: مَهْيَمْ؟ قالت: ردّ الله كيد الكافر ـ أو: الفاجر ـ في نحره وأخدم هاجر ) )، قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء، يعني العرب الذين ولدوا من نسلها ونسل إسماعيل عليه السلام، وماء السماء أي: ماء زمزم، والله أعلم.

وعندما ذهب القوم إلى عيدهم وخلا الجو لإبراهيم عليه السلام حطمها وكسرها بفأسه حتى جعلها جُذاذًا، أي: قطعًا صغيرة محطمة متناثرة هنا وهناك، وترك صنمًا لم يكسره ليقيم الحجة به عليهم وعلّق في عنقه الفأس الذي كان قد حطّم به تلك الأصنام، ورجع القوم من عيدهم وأسرعوا نحو المعبد كعادتهم ليركعوا ويسجدوا ويقدموا فروض الولاء والطاعة والطقوس الجاهلية المعتادة لأصنامهم، ولكنهم ذُهلوا وبُهتوا من هول ما رأوا، لقد رأوا آلهتهم ركامًا وهشيمًا متناثرًا في أطراف المعبد، يعلوها الذلُّ والصغار والهوان، وصاحوا بصوت واحد: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 59] ، وسكت الجميع وقتًا يسيرًا وهم في غمرة الذهول والخشوع والتساؤلات التي تدور في أفئدتهم وعقولهم بشأن هذه الآلهة المحطمة، ومن حطمها وتجرأ على ذلك؟! وهل ذلك أمر معقول أن الآلهة لم تستطع عمل شيء حتى الدفاع عن أنفسها؟! ثم انطلق صوت بعضهم عندما تذكروا توعُّدَ إبراهيم عليه السلام لأصنامهم بقوله: وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [الأنبياء: 57] ، واستقر في نفوسهم بأن إبراهيم هو المحطم إذًا للأصنام، وعزموا على أن يوقعوا عليه وبه أشدّ العذاب ويجعلوه عبرة لمن يعتبر جزاءَ ما صنعت يداه، وقالوا: لا بد أن يؤتى به على أعين الناس ليشهدوا مقالته واعترافه، فإن كان هو الذي فعل فسوف يلقى أشدّ العذاب، قال الله تعالى عما ورد على ألسنتهم: قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [الأنبياء: 61] .

ويجدر بنا أن نتدبر من خلال الآيات عظمة الإعجاز في القرآن الكريم وأسلوب الاختصار وعموم الألفاظ وشمولية الاستدلال واحتواء المعاني الكثيرة في أوجز الكلمات والعبارات والألفاظ، ولنتدبر الانتقال من موقف إلى موقف ومن قصة إلى أخرى وحادثة إلى غيرها وإن كان بينهما زمن طويل، ولكنها تأتي الآيات القرآنية بها كأنها متعاقبة ومتتالية في الحال، وهذا سر عظيم يدل على تحدي الله عز وجل للجن والإنس جميعًا من أولهم إلى آخرهم حتى لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بعشر سور أو سورة واحدة من مثله فلن يستطيعوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا. قال الله تعالى: قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88] ، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء: 82] ؛ لذلك نجد الانتقال الذي مثَّل هذه الحالات في كثير من آيات القرآن الكريم مِثْل مجيئهم لإبراهيم عليه السلام بعد أن رأوا مشهد آلهتهم المحطمة ومجادلته لهم، ثم بعد تقريرهم جميعًا وإجماعهم على إلقائه في النار وحرقه مع أنهم مكثوا مدة طويلة لجمع الحطب وبناء البنيان المرتفع القريب من الحطب وإشعال النار ومن ثم إلقاؤه في النار، وجاء أمر الله عز وجل بأن تكون النار بردًا وسلامًا على إبراهيم عليه السلام، ولنتدبر هذا من خلال الآيتين الكريمتين المتتاليتين: قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: 68، 69] .

ونعود إلى إرادة القوم بالإتيان بإبراهيم عليه السلام أمام الناس المجتمعين والذين يعيشون في ذلك البلد، ومما لا شك فيه أن اجتماعهم ذلك وبتلك الصفة في صعيد واحد أمنية كبيرة وعظيمة يتمناها إبراهيم عليه السلام ليبلِّغ دين الله عز وجل ويقيم الحجة على بطلان ما يعتقده القوم على مرأى ومسمع من الجميع، ولكي يريهم البرهان على فساد ما هم عليه عاكفون، وابتدأت المحاكمة على رؤوس الأشهاد وشخصت الأبصار وتفتحت الآذان واشرأبت الأعناق وتطاولت ووعت القلوب والأفئدة تلك المحاكمة وتَمَّ عَرْضُ الأسئلة، وكان أول سؤال قولهم: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء: 62] ، ولقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام داهية حكيمًا آتاه الله الحجة والرشد والبرهان، فسار بهم في الجدال إلى ناحية أخرى ليبلغ مقصده وهدفه ويبلغ رسالة ربه للناس مهما كانت النتائج، وجرّهم بطريقة الحكمة إلى جواب لم يقصدوه وليقعوا فيما يتنصلون عنه ويبتعدون عن الاعتراف به ليلزمهم الحجة لعلهم يرجعون إلى صوابهم، فقال: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ [الأنبياء: 63] ، وصفعهم بهذه الحجة الدامغة التي نَبَّهتهم من غفلتهم وأيقظتهم من رقدتهم وأوقعتهم في الاعتراف بالحق وبطلان ما هم عليه، وأقبل بعضهم على بعض كل يلوم صاحبه كما قال الله عنهم: فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ [الأنبياء: 64] ، وأصبحوا في حيرة من أمرهم وعقدت ألسنتهم وتنكست رؤوسهم وقالوا له: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ [الأنبياء: 65] ، أي: أن تلك الأصنام لا ترد على سؤال ولا تسمع كلامًا فكيف تأمرنا بسؤالها فهي حجارة صماء جامدة عاجزة قاصرة عن معرفة ما يجري حولها مجردة من القدرة على دفع العدوان عليها؟! حينئذٍ ظهرت حجة إبراهيم عليه السلام واضحةً جلية، وأُتِيحَتْ له الفرصة لإلزامهم المنطق السوي السليم، ووبَّخهم على تمسكهم بباطلهم بعد أن اتضح الحق وسطع كالشمس في رابعة النهار، قال تعالى فيما ورد على لسان إبراهيم عليه السلام: قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ [الأنبياء: 66-70] .

الحمد لله الحليم، الملك البر الرؤوف الرحيم، القائل للشيء: كن فيكون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.

أما بعد: فلما غُلب القوم على أمرهم وخافوا من افتضاح حالهم وعجزهم عن مقابلة الحق واندحارهم أمام الحجة والبرهان ولم تبق لهم حجة أو شُبَهٌ يكابرون ويعاندون بها عندما أصابهم العجز عمدوا إلى القوة يسترون بها هزيمتهم ويخفون معها باطلهم، وهذه سنة فيمن تكون حاله كحالهم مع الرسل والأنبياء والدعاة والمصلحين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن الله لهم بالمرصاد في العاجل والآجل في الدنيا والآخرة، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: 14] ، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه: 127] ، فعزموا على حرق إبراهيم عليه السلام في نار تتلظى مقابل الحقد والغل الذي يتأجج في صدورهم من جراء تحطيمه لآلهتهم، فشرعوا يجمعون الحطب من هنا وهناك، وجعلوا ذلك التجميع قربانًا لآلهتهم برًا بها وتقربًا إليها كما يزعمون، حتى إن المرأة المريضة تنذر إن عوفيت لتحملن وتجمعن حطبًا لحريق إبراهيم، ومكثوا مدة يجمعون الحطب، وأشعلوا النار واضطرمت وعلا لهيبها وسطع ضوؤها ورموه في النار بواسطة المنجنيق أو البنيان المرتفع الذي بنوه قريبًا منها كما ورد في آية أخرى من آيات القرآن الكريم، قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات: 97] ، والآية وإن كانت نصًا صريحًا في إثبات البنيان إلا أن التفصيل لم يرد في السنة المطهرة، وسواء كان ذلك البنيان للحطب لتجتمع قوة النار ولهيبها وجحيمها ولتمكث زمنًا طويلًا للتأكد من حرق إبراهيم حتى إن الطير التي تمر في الهواء لتحترق من شدة حرارتها، أو كان ذلك البنيان المرتفع لإلقاء إبراهيم في النار، فالمهمُّ أنه أُلقي في تلك النار سواء بواسطة المنجنيق أو البنيان.

ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: (بنوا حائطًا من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعًا، وملؤوه نارًا وطرحوه فيها) ، لكن الله عز وجل اللطيف الخبير القائل للشيء: كن فيكون جعلها بردًا وسلامًا على إبراهيم وأبطل مفعولها من حيث الحرارة والتحريق، وَرَدَّ كيد الكافرين في نحورهم، وجعل ذلك من الآيات العظيمة الدالة على وحدانيته تبارك وتعالى لو أن القوم يعقلون ويعتبرون ويتعظون، ولكن أنى لهم ذلك؟! قال تعالى: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت: 24، 25] ، وقال تعالى: قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: 68، 69] .

روى البخاري رحمه الله من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل... الحديث. وقال رضي الله عنهما: (لولا أن الله عز وجل قال: وَسَلاَمًا لآذى إبراهيمَ بردُها) . قال بعض العلماء: جعل الله فيها بردًا يرفع حرها وحرًا يرفع بردها، فصارت سلامًا عليه، قال أبو العالية:"ولو لم يقل: وَسَلامًا لكان بردها أشد عليه من حرها، ولو لم يقل: عَلَى إِبْرَاهِيمَ لكان بردها باقيًا على الأبد"، وورد أن مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت: دخلتُ على عائشة رضي الله عنها فرأيت في بيتها رمحًا، فقلت: يا أم المؤمنين، ما تصنعين بهذا الرمح؟ قالت: نقتل به هذه الأوزاغ، إن رسول الله قال: (( إن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفيء النار غير الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم ) )، فأمرنا رسول الله بقتله. ويستفاد من هذا الحديث أن البنيان لم يكن من جميع الجهات، وأنه بُني لإقحام إبراهيم في النار، والله أعلم.

ومن شدة توكل إبراهيم عليه السلام على الله رب العالمين ومن قوة إيمانه وتوحيده لله أنه في تلك الحالة الحرجة واللحظات والثواني القليلة عن إلقائه في النار يعرض عليه جبريل عليه السلام مساعدته كما ورد في الحديث يقول له جبريل: هل لك إليّ حاجة؟ ويقول إبراهيم عليه السلام: أما إليك فلا، وأما إلى ربي فبلى، أي: نعم لي حاجة في كلّ لحظة ومع كل نفس من أنفاسي. إنه الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع كالجبال الصم الشوامخ.

ولنستمع إلى هذه الآيات في سورة الأنبياء، قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنْ اللاَّعِبِينَ قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء: 51-73] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت