الإيمان
أشراط الساعة
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-من علامات الساعة تقليد المسلمين للكفار. 2- من علامات الساعة انتشار الأمن. 3- من علامات الساعة ظهور النار في أرض الحجاز. 4- من علامات الساعة الزنا وكثرة النساء. 5- من علامات الساعة فشو الربا. 6- وقوع وتحقق جميع هذه العلامات.
أما بعد: فلا زال الحديث موصولًا عن أشراط الساعة وعلاماتها التي أخبر بها رسولنا محمد التي تدل على صدق نبوته وأنه لا يتكلم بذلك إلا بوحي من الله وإلهام له عن المغيبات التي يخبر عنها وتأتي بعده بأزمنة قصيرة أو طويلة؛ ليزداد المؤمنون إيمانًا، وليرتاب الذين في قلوبهم الزيغ والشك من المنافقين والكافرين، ولتقوم الحجة وتتضح المعجزة ويكون الإيمان على بيّنة والكفر على بيّنة، ولا حجة لكافر بعد ذلك لأنه سوف يبلغ هذا الإسلامُ مشارقَ الأرض ومغاربَها ولا يبقى بيت مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا بَلَغَهُ هذا الدين الإسلامي بِعِزِّ عزيز أو ذلِّ ذليل.
ومن الفتن العظيمة التي أخبر الرسول بوقوعها فتنة التشبه والتقليد للكفار من يهود ونصارى وغيرهم، والتخلق بأخلاقهم والإعجاب بهم وبأفعالهم والتشبه بهم في الأحكام العرفية وفي مأكلهم ومشربهم وتعاملهم ونومهم ويقظتهم وبناء المساكن على هيئة مساكنهم، حتى المساجد لقد فُتِنَ المسلمون بكنائس النصارى ومعابد اليهود من حيث تنفيذ المساجد على أشكالها وهيئاتها وانتشر ذلك في بلاد المسلمين عمومًا، والتقليد والتشبه الأعمى خاصة في الملابس والميوعة وغير ذلك مما انتشر بين الغلمان والفتيات والنساء عمومًا من ملابس فاضحة مختلفة الأسماء والمسميات تظهر معها السيقان والأفخاذ والأيدي والنحور والرقاب، تظهر بها بنات المسلمين في الزواج والأسواق والأحياء والشوارع والمتنزهات، وهذا مصداق ما أخبر به النبي محمد حيث قال: (( لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع ) )، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: (( وَمَنِ الناس إلا أولئك؟! ) )وفي الحديث الآخر: (( لتتبعن سَنَنَ مَنْ كان قبلكم حَذْوَ القُذَّةِ بالقذة حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتموه ) )، قال الصحابة: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: (( فمن؟! ) )أي: هم اليهود والنصارى، مع أن رسول الله قال: (( من تشبه بقوم فهو منهم، ومن أحب قومًا حُشِرَ معهم ) ).
ومن العلامات التي أخبر عنها الرسول خروج كذابين يدَّعُون النبوة، وقد خرجوا ولا زالوا حيث يخرج بين فترة وأخرى من يدّعي النبوة مع أنه لا نبي بعد نبينا ورسولنا محمد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( لا تقوم الساعة حتى يُبْعَثَ دجَّالون كذَّابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله ) )، وفي نهاية الحديث الآخر: (( كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي ) ).
ومن أشراط الساعة وعلاماتها انتشار الأمن ورغد العيش، وقد حصل في زمن الصحابة رضي الله عنهم حينما عمَّ الإسلام والعدل البلاد التي فتحها المسلمون، وكذلك في هذا الزمن، وأيضًا يكون في زمن المهدي وعيسى ابن مريم عليه السلام، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: بينما أنا عند النبي إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة ـ أي: الفقر والحاجة ـ ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: (( يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ ) )قلت: لم أَرَهَا وقد أُنْبِئْتُ عنها، قال: (( فإن طالت بك حياة لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ ـ أي: المرأة ـ ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى ) )، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: (( كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخْرِجُ مِلْءَ كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه ) ). قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز... إلى آخر الحديث. لذلك فقد كان الأمن في زمن الصحابة في جزيرة العرب بعد الخوف، وفي هذا الزمن ولله الحمد انتشر الأمن وعم بفضل الله وكرمه بعد أن كان قَطْع الطريق كما شكا ذلك الرجل إلى رسول الله قطع السبيل من قطّاع الطرق الذين يعرضون للمسافرين وينهبون ما معهم وقد يقتلونهم، فها هن النساء يرتحلن من العراق أو غيرها لا يخفن من شرور الطرق وأهلها لانتشار الأمن كما أخبر في الحديث الآخر: (( وليسيرنّ الراكب إلى عدن ـ أو قال: حضرموت ـ لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ) )أو كما قال.
ومن الأشراط أيضًا ظهور النار التي حصلت في منتصف القرن السابع الهجري من وراء الحرة في المدينة النبوية بأرض الحجاز، وتُشَاهَدُ أعناقُ الإبل في ظل تلك النار العظيمة في بُصْرَى من أرض الشام، وبُصْرَى غير البَصْرَة التي في العراق، وقد أخطأ من فسرها بأنها النار التي حصلت في آبار البترول بعد الاعتداء على الكويت من قِبَلِ العراق، فالحديث واضح لا إشكال فيه، وقد حصلت النار قبل أكثر من سبعمائة سنة كما جاء في النص النبوي كما هو فعلًا، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل بِبُصْرَى ) ).
ومن العلامات أيضًا انتشار الزنا حيث فشا وانتشر في العالم بأكمله في هذا العصر حتى بين المسلمين وفي مجتمعاتهم بشكل مخيف ومذهل، حتى غدا شيئًا عاديًا لا غبار على من يرتكبه ممن ينتسب للإسلام فضلًا عن الكفار الذين أصبحوا أحطَّ من البهائم في ذلك وغيره إلى درجة أن الرجل يغشى المرأة على قارعة الطريق وفي الحدائق العامة ولا يرون في ذلك بأسًا وحرجًا، فتلك هي الحرية البهيمية التي تترفع عنها بعض الحيوانات ومنها الجمال؛ حيث إن الجمل من شدة غيرته واستتاره لا يحب أن يراه أحد من البشر وهو يقضي شهوته مع الناقة، فلو حصل أن رأى أحدُ الجمالِ شخصًا يطالع فيه ويشاهده أثناء عمله ذلك فإنه لا يلبث أن يلحق بالشخص حتى يدركه ويقضي عليه ولو بعد حين، فهل الحيوان هنا أعقل وأكمل من أولئك المنتسبين للبشر؟! وهل أولئك البشر أضل من الأنعام؟! اللهم نعم، قال تعالى: إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: 44] .
والذي يعرف الواقع الذي تعيشه المجتمعات الآن ممن هم في موقع المسؤولية والذين يهمهم أمر عامة الناس يدرك تمامًا صدق خبر الرسول في هذا وفي غيره، وما هذه المؤتمرات العالمية التي تدعو إلى الإباحية البهيمية عن مسامع الناس بغائبة أبدًا، فمعظم البشر يعرفون تلك الدعوات الشيطانية. أما الزنا في بلاد المسلمين فالموانع والعوائق التي وُضِعَتْ وحالت أمام الراغبين في العفاف كثيرة، حيث التكاليف الباهظة والاشتراطات الفاسدة التي تحول دون وصول الشباب والشابات إلى الحلال، وكذلك انحراف بعض النساء وإيقاع الشباب والمتزوجين للوقوع في حبائلهن وشباكهن لوجود وسائل الفساد المختلفة والمغريات المفضية إلى الوقوع في الفاحشة ولغفلة الرجال وقلة غيرتهم أو لعدم معرفة حيل النساء وطرقهن المشينة لقلة خوفهن من الله، وما تلك السياحة إلى البلاد الموبوءة في كثير من الأقطار ومن ثم الرجوع بالأمراض المعدية ونقلها إلى أصحاب العفة وانتشار ذلك مع التَّكَتُّم عليه إلا أحد الأدلة الدامغة على صدق كلام رسول الله من حيث انتشار الزنا، وكذلك الأمراض التي لم تكن فيمن مضى، وصدقه أيضًا في كل ما أخبر به من الغيبيات وغيرها مما ثبت عنه ، ومعلوم أن انتشار الزنا يكثر فيه أولاد الزنا، ولكن هل من المعقول أن يكثر حتى مع استعمال موانع الحمل المتعددة؟! نعم يحصل ذلك لأنه إِخْبَارُ من لا ينطق عن الهوى ، وانتشاره وفشوه في الناس لم يكن متعلقًا ببلد دون آخر كما هي العلامات الأخرى للساعة، بل تكون العلامات في الأرض عمومًا، وها هي دور الرعاية والملاجئ في العالم قد ملئت بهم حيث يرمي بهم الجناة الزناة في الطرقات وفي صناديق القمائم أو بجوارها أو جوار المنازل أو حتى المساجد في كثير من بلاد المسلمين ومعهم مستلزماتهم من الحليب والحفائظ والملابس لساعات لئلا يموتوا حتى يجدوا من ينقذهم، هذا لمن يرى في نفسه شيئًا من الخوف من الله لئلا يُقْدِمَ على جريمة القتل فيرتكب بذلك جريمة أخرى.
ومع بعض أحاديث رسول الله حول هذا، قال رسول الله: (( إن من علامات الساعة وأشراطها أن يكثر أولاد الزنا ) )، وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ذكر أشراط الساعة فقال: (( وأن يُرفعَ العلم ويَظهرَ الجهل ويَفْشُوَ الزنا ويُشْرَبَ الخمرُ ويَذهبَ الرجال وتبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قَيِّمٌ واحد ) ). فالشاهد من الحديث (( ويفشو الزنا ) )، وفي رواية: (( ويظهر الزنا ) )، وفي الحديث الأول: (( يكثر أولاد الزنا ) ). وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه سمع النبي يقول: (( لَيَكُونَنَّ من أمتي أقوامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ والحرير والخمر والمعازف ) ). والْحِر المقصود به هنا استحلال الزنا، وقد وقع ذلك وأشدّ منه حصل أيضًا في زمننا هذا في غير بلاد المسلمين حيث تُغْشَى المرأةُ على قارعة الطريق كما أخبر رسولنا محمد ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( والذي نفسي بيده، لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذٍ من يقول: لو وارَيتها وراء هذا الحائط ) ). فهذا الحديث وغيره علم من أعلام النبوة حيث أنَّ أعْدَلَ الناسِ وأغْيَرَهُم إذا رأى تلك الحالة الشنيعة يقول لمرتكبها: لو اسْتَتَرْتَ وراء هذا الجدار.
ومن العلامات أيضًا ظهور الربا وانتشاره بين الناس وعدم المبالاة بأكل الحرام، وعن هذا فكما يقال: حدّث ولا حرج، فقد كثر الربا وتعددت صوره وأشكاله وقلّ من يسلم من ذلك من المسلمين، وكذلك أكل المال الحرام من أي طريق وخاصة ممن له سلطة ومسؤول عن مال في أي بقعة من الأرض، يستغل أموال الناس في مصارف الربا لتدرَّ عليه أموالًا حرامًا لحين تسليمها إلى أصحابها، وهذا منتشر ومعلوم في مجتمعات المسلمين، أو من التجار أيًّا كانوا أو من أصحاب المهن والحرف مهما كانت مهنته إلا من وفقه الله للتَّحَرُّز من ذلك؛ حيث يحاول أحدهم الإيقاع بأخيه المسلم واصطياده ويعتبره فريسة وسلعة رخيصة وقعت بين يديه لا يمكن تفويتها لينقضَّ عليه ويأخذ ما لديه بالطرق الملتوية والحيل الشيطانية والغَرَر والغشِّ والخداع في المعاملات، والجميع يعلمون ذلك، الذين يذهبون إلى الأسواق ويتعاملون مع التَّاجر والصَّانع والنَّجَّار والحدَّاد وأصحاب المهن الأخرى. وهذا مصداق ما أخبر عنه رسول الهدى في الحديث الصحيح حيث قال: (( ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أَمِنْ حلال أم من حرام ) ).
أما عن الربا فلا يبقى بيت إلا ويناله غبار الربا إذا لم يتعاملوا مع المرابين أو يكونوا منهم، عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي أنه قال: (( بين يدي الساعة يظهر الربا والزنا والخمر ) )، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( ليأتينَّ على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره ) ). وهذا الحديث مطابق لأحوال المسلمين اليوم مع المصارف الربوية وهذا الانتشار العظيم لها في ديارهم ومحاربتهم لله عز وجل، مع أن آيات الربا وأحاديث الرسول في ذلك تقرع آذانهم ومسامعهم بين الحين والآخر، ولكن لا حياة لمن تنادي، وانتشرت خديعة البنوك والمصارف التي تحتال على الربا لكي ينال كلَّ مسلم غبارُ الربا حيث استصدروا الفتاوى من بعض العلماء الذين أقنعوهم بمعسول كلامهم وأن معاملاتهم شرعية وبعيدة عن الربا مع أنهم يشترون ويبيعون أسهم البنوك الربوية الأخرى ويتعاملون بالربا الصريح وغيره من المعاملات المشبوهة، ومع أن المصارف التي لا تتعامل بالربا موجودة في دول الكفر وهي غير موجودة في بلاد المسلمين إلا في أماكن قليلة جدًا. وفي كل يوم يُفْتَتَحُ فرعٌ لمصارف الربا في ديار المسلمين ليقع ما أخبر به رسول الله من كثرة الربا وانتشاره في آخر الزمان، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: (( لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ) )، وقال أيضًا: (( درهم من الربا أشد من ست وثلاثين زنية ) )، وقال عز وجل: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 275] ، وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة: 278، 279]
فيا أيها المسلمون، علينا أن نتقي الله تعالى ونبتعد عن الربا في جميع صوره وأشكاله وعن جمع المال الحرام بأي أسلوب كان قبل أن تأتي ساعات الندم، قال الله جل جلاله: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: 158] ، وقال تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [النحل 111] ، وقال سبحانه: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: 30] .
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر شهادة له بصدقه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي بلغ ما أنزل إليه من ربه على أكمل وجه وأتَمِّه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعه في هديه وسلم تسليمًا.
أما بعد: فمن العلامات الظاهرة الآن في العالم بأسره وفي مجتمعات المسلمين خاصة انتشار الخمور والمخدرات واستعمالها وتسميتها بغير اسمها، سواء يسمونها بالنبيذ أو القهوة أو الوِسْكِي أو أي شيء يسمونه بالمشروبات الروحية على حد زعمهم، مهما اخترعوا له من الأسماء فتلك التسمية لا تخرجها عن الخمور والمخدرات المحرمة شرعًا.
وهذا ما أخبر عنه الرسول بأنه سوف يقع في هذه الأمة، وليس وقوعهم في شربه واستعماله فحسب بل يستحلونه ويعتبرونه حلالًا مباحًا لا شيء فيه، وكذلك يسمونه بغير اسمه ظنًا منهم أنه يخرجه عن دائرة الخمر المحرمة شرعًا أو هم لا يعرفون حكمه. وهذه بلية عظيمة شملت العالم كله ولم تسلم منه بقعة من بقاع الأرض، وقد رصدت الدول العظمى وغيرها مبالغ طائلة لمحاربة المخدرات التي أصلها هذا الداء الخطير الذي هو أم الخبائث لأنه يجمع الشر كله، وقد يرتكب الذي يستعمل الخمر والمخدرات الموبقات إذا شربها أو استعملها على أي صفة كانت، فقد يقع في الزنا واللواط والقتل وغير ذلك من الأمور المحرمة نتيجة ذلك الوباء الخبيث. ولا أستطرد في الحديث عنه فله مجاله وخطبة خاصة به إن شاء الله، ولكن لنزداد إيمانًا على إيماننا بخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: قال رسول الله: (( لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه ) )، وفي الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ) )، وقال رسول الله: (( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فيبيّتهم الله ويضع عليهم العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ) ).
وهذا شيء موجود الآن في العالم وخاصة بين المسلمين الذين لا يعرفون الإسلام حق المعرفة، فهم يستحلون الزنا والخمر والغناء، وهذه محرمة على الذكور والإناث، والحرير حرام على الرجال إلا من كان به حكَّةٌ ـ مرض الحساسية ـ، والاستحلال لهذه المحرمات المذكورة في هذا الحديث وغيره منتشر في ديار الإسلام وبين المسلمين إلا من رحم الله ومن هداهم سبحانه. أما الْعَلَمُ المذكور في الحديث وهو الجبل الذي يضعه الله ويهدمه على من بجانبه فقد وقع قبل أكثر من ثلاث عشرة سنة في زماننا هذا ونعلمه جميعًا في الشمال الغربي من إفريقيا قرب البحر المتوسط، والله أعلم وأحكم وهو اللطيف الخبير.
نسأل الله أن يجنبنا ويجنب جميع المسلمين والمسلمات الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن يعصمنا جميعًا من الوقوع فيها ويبعدنا عنها وعن كل ما يسخط الله علينا وأن يحفظنا بحفظه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله...