سيرة وتاريخ
السيرة النبوية
محمود بن عمر مشوح
الميادين
أبو بكر الصديق
1-أهمية دراسة سيرة النبي. 2- حديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه البخاري في
بدء الوحي. 3- وقفات مع هذا الحديث. 4- ما كان عليه رسول الله من الأخلاق والصفات قبل
البعثة.
أما بعد:
أيها الأخوة المؤمنون,إن الحديث عن سيرة النبي ليس أمرًا هينًا, فنحن نملك في موضوع السيرة أقدم نص وأوثق نص هو النص الذي جاءنا عن طريق ابن هشام, والمعروف بسيرة ابن هشام, وسيرة ابن هشام هذه هي تلخيص لمغازي ابن اسحق ـ رحمة الله عليه ـ وهذه المغازي ضاعت فيما ضاع أثناء النكبات التي حلت بالمسلمين على مدى تاريخهم الطويل.
ثم هناك ما هو أوثق من هذا ولكنه أضيق مدى وأقل شمولًا وهو ما يتناثر من وقائع السيرة في ثنايا مجاميع الحديث النبوي الشريف.
ثم بدأ الناس يكتبون في سيرة النبي واختلفت درجات الغلو في هذه الكتابة, ويكفيك أن تنظر في كتب المتأخرين لترى كم ترك الخيال الشعبي من آثار على هذه السيرة الإنسانية العالية وكم ألحق في السيرة النبوية من خرافات وأباطيل مع أن النبي صلوات الله عليه وآله كان يحصر باستمرار وفي كل مناسبة على تأكيد بشريته ونفي أي صفة زائدة على هذه البشرية.
وفي منهجنا الذي نأخذ به أنفسنا إن شاء الله سوف نعني عناية خاصة بتجديد حياة صلى الله عليه وآله مما ينبغي أن لا يضاف إليها من الخرافات والأضاليل والأباطيل فحسبنا منه عليه الصلاة والسلام أنه البشر الكامل المكمل قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي.
اعرف تمامًا أن كثيرًا من العوام وأشباه العوام سيضيقون ذرعًا بهذا لأنهم يرون عن جهل أن أي مساس بجملة الأباطيل التي يروج لها ويسمعونها شيء لا يطاق, ولكننا نحترم العلم ونحترم الحقيقة ونحترم الحقيقة البشرية المتمثلة في محمد , هذه ملاحظة.
وملاحظة أخرى: إن الميدان الذي نرده الآن ميدان بكر أو شبه بكر, أنا لا أهتم بالخير من حيث هو خير, لا أهتم له من حيث هو واقعة تاريخية, فالتاريخ معلومات لكني أهتم بالسيرة برمتها من حيث هي حركة, من حيث هي تحرير للإرادة البشرية, من حيث هي إغناء للمسيرة الإنسانية, من حيث هي رفع لسوية الإنسان, يهمني أن أعرف وأن تعرفوا كيف كان النبي صلوات الله عليه وآله وسلم يدعو ويتصرف, وتحت أية قوانين وقواعد كان يسير في هذه الدعوة؛ لأن اجتهادات المجتهدين في عمل المسلمين اختلفت ضرورة , لاختلافهم في فهم هذه القواعد, فالسيرة تهمنا من حيث هي صورة لتيار حركي استهدف تغيير الواقع البشري بالدعوة وبالقول وبالعمل ثم هو لم يكن عملًا عشوائيًا غير مبني على قواعد ولا خاضع لقوانين ولا هو غير مقيد بمناهج, وإنما هو بالفعل كان يخضع لقوانين صارمة ودقيقة للغاية.
وواجب المسلمين أن يتعرفوا على هذه القوانين ليقيموا حركتهم وفقًا لها, لماذا؟ لأن الله جل وعلا اختصر لنبيه الطريقة التي توصل إلى الهدف المقصود من أقرب طريق, وبأقل التضحيات الممكنة على الإطلاق.
فنحن إذن سوف ندرس السيرة في هذا الإطار وسوف نعاملها تبعًا لضعف أو قوة المصادر التي بين أيدينا على ضوء القرآن, لأن القرآن هو الوثيقة الأولى التي لا يمكن الطعن فيها وهو الوثيقة الوحيدة التي تحوي هذه الحركة بكل زخرفها وبكل اشعاعاتها, هذه ملاحظة ثانية.
نعود إلى ما كنا فيه منذ أسبوعين, رويت لكم الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمة الله عليه في أوائل كتابه الجامع الصحيح وفي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله , واقتصرت من الحديث على ما دعت الحاجة إليه آنذاك, الآن سأروي لكم الحديث بتمامه إن شاء الله وأرجو أن نمرن أنفسنا على قراءة ما بين السطور.
قال الإمام البخاري ـ رحمة الله عليه ـ: حدثنا محمد بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت:"أول ما بُدِءَ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء أي العزلة, وكان يخلو في غار حراء ويتحنث ـ وهو التعبد الليالي ـ ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ـ يعني يرجع ـ ويتزود لذلك, يعني: ينقطع أيامًا يأخذ أثناءها ما يلزمه من زاد ثم يعود إلى خديجة رضي الله عنها فيتزود لمثل ذلك أي أن تحنثه, كان يستمر على فترات كلما فني زاده وانتهت نفقته عاد إلى بيته فتزود ثم رجع إلى الغار يتحنث هناك."
قالت: جاءه المَلك وهو في حراء فقال له: اقرأ, فقال: ما أنا بقارئ, قال ـ يعني رسول الله ـ فأخذني فغطني أي اعتصرني حتى بلغ مني الجهد أي أتعبني جدًا ثم أرسلني وقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ, قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ بسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم , قالت: فرجع بها ـ يعني بهؤلاء الآيات ـ رسول الله يرجف فؤاده أي داخله شيء كثير من الرعب, والتجربة جديدة على الإنسان تدخل الرعب إلى نفسه حقًا فجاء إلى خديجة فقال: زملوني. فزملوه فلما ذهب عنه الروع أي زايله الخوف قال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي خشي أن يكون قد تلبسه شيطان أن يكون قد أصابه مس قالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا, إنك لتصل الرحم, وتقري الضيف, وتحمل الكل, وتعين على نوائب الحق, ثم انطلقت به إلى ورقة بن نوفل بن عبد العزى وكان ابن عم خديجة رضي الله عنها وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية أي دخل دين النصرانية وقرأ الكتاب العبراني وكان يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب فقالت له: يا بن عم اسمع من ابن أخيك قال ورقة: يا ابن أخي ـ يعني للنبي ـ ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بخبر ما رأى فقال: لئن كنت صدقتني إنه الناموس الذي نزل الله على موسى وإنك لنبي هذه الأمة, وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. قال له قبل ذلك: يا ليتني أكون حيًا إذا يخرجك قومك فدهش النبي قال: أومخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل قومه بمثل ما جئت به إلا عودي, وإن يدركني يوم أنصرك نصرًا مؤزرًا.
ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي قال ابن شهاب وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال وهو يحدث عن فترة الوحي قال رسول الله بينما أنا في حراء إذ سمعت صوتًا فرفعت رأسي فإذا المَلك الذي جاءني في حراء جالس على كرسي بين الأرض والسماء فرعدت فرقًا ـ خوفًا ـ فرجعت فقلت: دثروني فأنزل الله تعالى: يا أيها المدثر قم فأنذر ـ إلى قوله تعالى ـ والرجز فاهجر ثم حميّ الوحي وتتابع, هذا نص حديث الإمام البخاري رضي الله عنه رويت لكم جانبًا منه منذ اسبوعين ورويت لكم نصوصًا أخرى في الموضوع.
قال ابن هشام قال ابن إسحق في السيرة ابتدأ رسول الله بالتنزيل في شهر رمضان أي أن بداية الوحي كانت في شهر رمضان, قال الله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان , وقال الله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر وقال الله تعالى ـ بسم الله الرحمن الرحيم ـ: حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرًا من عندنا إنا كنا مرسلين , وقال الله تعالى: إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان , وذلك ملتقى رسول الله والمشركين ببدر.
قال ابن إسحق وأخبرني أبو جعفر محمد بن علي بن حسين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التقى هو والمشركون في بدر صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان فالمقطوع به أن التنزيل وأن الدعوة بُدأت في شهر رمضان المبارك.
نحاول الآن وأرجو أن تعيروني أسماعكم أن نتنبه إلى الحديث سآخذ منه موضوعات:
أولًا: الوقت الذي وصفت به خديجة رضوان الله عليها رسول الله.
ثانيًا: الإنذار الذي أنذر به ورقة رسول الله أنه سيعادى وسيؤذى وسيطارد وسيخرج وعلل ذلك أن رجلًا لم يأت قومه بشيء مثل الذي أتى به محمد إلا كان نصيبه العداء من الناس.
ثالثًا: الدهشة الغريبة والاستغراب الذي قابل به رسول الله هذا الانذار أوَ مخرجيَّ هم.
سنبدأ بما تيسر لنا:
خديجة رضي الله عنها حينما جاءها رسول الله يحمل أوائل الوحي هذه الآيات القصار اقرأ باسم ربك الذي خلق وأخبرها خبر ما رأى وخبر ما سمع, ماذا قالت له؟ قالت له: والله لا يخزيك الله أبدًا, النبي أوجس في نفسه خيفة خشي أن يكون أصابه شيءٌ من المس تجربة غير عادية كلام يسمعه الإنسان يخالط منه اللحم والعظم من مخلوق لا عهد له به ولا عهد للناس به يأمره وينهاه ويعتصره ويرسله ويكلفه بأن يحمل للناس رسالة الله شيء يروع القلب ويدخل الرعب إلى النفس جاء خائفًا لها الزوجة الوفية فقالت له بدون تلكأ وبدون تساؤل: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا, لماذا؟ هل هي ثقة الزوجة بالزوج؟ هل هي محبة الزوجة لزوجها وحسب؟
أحسب أن الأمر على خلاف ذلك إن خديجة رضوان الله عليها عللت هذا الموقف بماذا؟ عللته بما اشتهر عن رسول الله من خلالٍ فضيلة وخصائل الاستقامة والشرف: إنك لتحمل الكل, وتقري الضيف, وتصل الرحم, وتعين على نوائب الحق. خلال غالية, وفضائلُ عظمى لا تجتمع إلا في نفس عظيم من العظماء, أو في نفس أعظم العظماء.
هذه الشهادة التي جاءت عفو الخاطر لم تأت في معرض أمر من ورائه مطامع ولا مكاسب جاءت في مواجهة أي شيء, في مواجهة تأكيد من قبل رجل مارس الكتب وقرأها وعلم أخبار الأولين واطلع على سيّر كثير من المرسلين, فأنذر هذا المتوجس , هذا المرتعش الخائف من التجربة التي شهدها ومر بها أنه سَيُؤذى, وأنه سيعادى, وأنه سيطارد, وأنه سيخرج من بلده.
أية زوجة من الزوجات العاديات لو سمعت هذا من زوجها في مواجهة هذه النُذر والمخاطر لكانت عاملًا في تثبيط همة الزوج, لكانت عاملًا يدعو زوجها إلى القععود ونفض اليد من هذه المهمة القاسية, المهمة الغير مأمونة النتائج.
ولكن خديجة رضي الله عنها بالفطرة السليمة, بالخُلق الفاضل, بالطبع الكامل رأت أن امرأ مثل محمد صلوات الله عليه وآله لا يمكن أن يصاب من قبل رب العزة بالخذلان, طالما أن الله جمله وكمله بهذه الفضائل وزانه بهذه الأخلاق الرفيعة فلم يك ذلك قطعًا لكي يهدر ويضيع هذه المعاني السامية المتمثلة في شخص محمد , ولكن الله سيحفظ بحفظه رسوله ولن يعرضه للخزي والخذلان, ولهذا آمنت خديجة رضي الله عنها لأول ما أخبرها رسول الله أن الله ابتعثه للعالمين بشيرًا ونذيرًا.
علامَ يدلنا هذا؟ ما هو الدرس الأول البدهي الذي يمكن أن نستخلصه من هذه الشهادة, من هذه الواقعة الجزئية؟ وتعودوا معنا يا اخوة على قراءة ما بين السطور.
هذا يدل على أن شخصية الداعي ـ وهنا موضع الأهمية ـ لها الأثر الحاسم والنهائي في نجاح الدعوة أو فشلها, لو أن الرسول كان على غير ما هو عليه, ماذا يكون الحال؟! إن محمدًا ولد في مكة وعاش في مكة, واختلف فيما يختلف فيه الناس واضطرب فيما يضطرب فيه الناس من شئون الحياة أخذ وأعطى وتزوج, وأقصى وأكل وشرب ورآه الناس لم تكن حياته الشريفة صفحة مطوية, وإنما كانت شيئًا ظاهرًا يعلمه الناس ويرونه بأم أعينهم, ويسمعونه بآذانهم ويلمسون آثاره بأيديهم فما تعلقوا عليه بريبة قط, عاش العمر الطويل بينهم أربعون سنة مرت والنبي لا يلفت أنظار من حوله من الناس بشيء خارق للعادة, كل ما هناك أنه كان بشرًا كاملًا, وكان إنسانًا رفيعًا, وكانت طباعه سليمة, وكانت فطرته مستقيمة, أما أنه كان هناك شيء خارق للعادة قبل أن يفجأه الملك بما فجأه به في غار حراء , فلا.
هذه الحياة التي مرت ـ أربعون عامًا ـ بلغ فيها النبي وآله أشده واستوى وأخذ فيما يأخذ الناس فيه لم يجربوا عليه كذبًا قط, ثم أعلن لهم بأنه مرسل إليهم من قبل الله جل وعلا, فلم يتهمونه بالكذب؟ أبعد أن جلل الشيب فوديه يكذب على الله, وهو الذي لم يجز لنفسه أن يكذب على أحد, هذا شيء غير مقبولٍ في بديهة العقل الإنساني كان عليه الصلاة والسلام منذ الطفولة وبواكير الصبا مثالًا للإنسان المهذب المستقيم, قال عليه الصلاة والسلام: (( ما هممت بشيء من أمر الجاهلية إلا مرتين كنت أرعى غنمًا لأهلي فسمعت صوت غناء فسألت صاحبي ـ كان معه شخص آخر يرعى الغنم ـ ما هذا الغناء؟ قال: عرس لآل فلان, قلت له: احفظ عليّ حيثما أذهب لأسمع فلما جئت جلست خارج الدار لأسمع الغناء فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس, فلم أسمع شيئًا, فلما كانت الليلة المقبلة صنعت مثل الذي قبلها ـ طلب إلى صاحبه أن يحفظ عليه غنمه ليسير ويلهو كما يلهو صبيان مكة ـ قال: فجئت فجلست قريبًا من الدار فضرب الله على أذني فنمت فما استيقظت إلا مع الصباح ) ).
هاتان الحادثتان فقط هما اللتان همّ بهما ـ مجرد إرادة رغبة لم يصنعها ـ من أمر الجاهلية, وأما ما كان يتقرب به قومه إلى الله من عبادة للأوثان ففي حديث بحيرا الراهب أن بحيرا أراد أن يستخبر خبر النبي فاستدعاه واستدناه وقال له: أنشدك باللات والعزى قال: لا تنشدني باللات والعزى, فوالله ما أبغضت شيئًا كما أبغضت اللات والعزى, كان قومه يتقربون إلى اللات والعزى ويرونها تشفع لهم عند الله, وكان عليه الصلاة والسلام يرى أن هذا سخفًا لا يليق بعاقل.
وأمانته ماذا عنها؟ عمل بالتجارة فكان مثال التاجر الصدوق الأمين, اتجر لخديجة رضي الله عنها, فلما رأت ما رأت من صدقه وأمانته ووفائه طلبت منه أن يتزوجها وهي التي رغب أشراف قريش لو ينالون شرف الزواج منها لما تتمتع به من كمال ومنزلة بين نساء قريش فرفضتهم وردتهم برغم ما بذلوا لها من الأموال وقطعوا لها من الوعود, واختارت عليهم هذا اليتيم المقل محمد.
ثم ماذا؟ اشُتهر بالصدق الذي لا صدق بعده أبدًا, اختلفت قريش وكانت قريش تثق به ثقة العمياء لأمانته ولصدقه ولعفافه, اختلفت قريش حين هدمت الكعبة لتجديدها في رفع الحجر الأسود وحمي الأمر وأنذر الشر وتداعوا للقتال, فقام رجل مسن منهم وقال لهم: رويدكم يا قوم اجعلوا الأمر حكمًا في يد أول داخل من باب الصفا فرضوا فلما كان من الغد كان محمد أول داخل فلما رأوه فرحوا واطمأنوا واستبشروا, قالوا جميعًا: هذا محمد, هذا الأمين, رضينا به وبحكمه فسألهم فأخبروه فقال: هلم إليّ ثوبًا فجاؤوه بالثوب, فحمل الحجر بيديه الشريفتين ووضعه في الثوب ثم دعا رؤوساء القبائل وأمرهم أن يحمل رئيس كل قبيلة طرفًا من أطراف الثوب, حتى إذا ساوى الحجر المكان الذي يوضع فيه حمله بيديه الشريفتين فوضعه في المكان الذي هو فيه الآن, لو أن أي رجل من سادات قريش وزعمائها جاء ليكون في مكان محمد لأثار نزاعًا ولأثار لغطًا شديدًا؛ لأنه ما من رجل منهم إلا وله هناتٌ وهناتُ وله سقطات وسقطات, ولكن محمدًا ماذا يقولون فيه؟ بأي شيء يتعلقون عليه؟ لهذا من غير تردد وبلا مجادلة وبلا نقاش قبلوا به وبحكمه, أكثر من ذلك لما جاءت الدعوة وأنذر وبشر ودعا إلى الله واشتد الأمر بينه وبين قريش وتدابرت قريش فيما بينهما فوصلت الأمور إلى حد التآمر على قتله ؟ هل فكر أحد من القرشيين أن يسترد ما كان عند محمد من أمانات؟ لا, حين أراد الهجرة في وقت المؤامرة وفي ساعة التنفيذ ـ زعموا ـ خلف رسول الله عليًا رضي الله عنه في مكانه لكي يرد الأمانات إلى أصحابها.
يا سيدي يا رسول الله, أية أمانة, أية ثقة هذه التي كنت تتمتع بها من خصومك, من الذين يطلبون دمك, من الذين يسعون ليقتلوك, أو يثبتوك أو يخرجوك, ما فكروا بأن أموالهم في خطر عند محمد في أشد الأوقات وفي أحرجها كانوا يثقون بمحمد , هذه الثقة العمياء التي لا تتقبل المناقشة ولا الجدال.
ولهذا نجد الله سبحانه وتعالى يعزي نبيه حين ووجه بالصد وأُعلن تكذيبه, ورفضت قريش سماع ما يقول, يقول له الله: فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون , حينما تكون شخصية الداعي بهذه المثابة من الطهارة والاستقامة, والثقة, والأمانة, تكون دعوته بمنجاة من كل الركام الذي يلحق الدعوات التي يقوم بها أناس عليهم بعض الشوائب وبعض المآخذ, ولهذا نجد أن الأمور يسرت لمحمد كان طريقه إلى قلوب الناس مفتوحًا ومعبدًا ومذللًا, فهو الموصوف في الجاهلية وفي الإسلام بالوفاء والصدق والأمانة, هو الموصوف بالوفاء.
لما وضع أهل الحديبية وأثناء المفاوضات جاء أبو بصير رضي الله عنه فرفض سهيل أن يسمح لرسول الله بقبوله وقال: لجت القضية بيني وبينك يا محمد, أي تم العقد, قال: صدقت يا أبا بصير ارجع مع القوم, قال: أرد إلى قريش, إلى الكفار يعذبوني ويفتنوني عن ديني.
يا معشر المسلمين قال: يا أبا بصير إنا أعطينا القوم عهودًا وإنه لا يصلح في ديننا الغدر. الغدر وسيء الأخلاق وردئ الطباع قد يوفر لك مكسبًا عاجلًا رخيصًا, لكن ثق أنك ستخسر الجولة الأخيرة.
الاستقامة,الوفاء, الطهر العفاف, صدق الحديث قد يعرضك للمتاعب لكن ثق أنك ستكسب الجولة الأخيرة, ما معنى هذا؟ معنى هذا أنني أطلب إلى كل داعٍ إلى الإسلام أن يكون بصدق محمد وبوفاء محمد وبطهارة محمد, ذلك شيء لا سبيل إليه لكني أطلب واشترط في كل متصدٍ للدعوة إلى الله جل وعلا أن يكون صادقًا مع الله, صادقًا مع نفسه, صادقًا مع الناس بمجرد أن يتوفر هذا يكون طريقه سهلًا, لابد من المتاعب, ذلك ثمن يجب أن يدفعه كل متصد ومتقدم لتغيير الأوضاع المهترئة الفاسدة, ولكن العواقب مضمونة بإذن الله تعالى, قد يحرض الإنسان في موطئة يقال له كنت كيت وكان منك كذا وكذا, وهذا حصل ولابد أن يحصل لكني أريد أن أبشر يا أحبابنا أن مدار الأمر على الصدق مع الله تعالى, فالانسان مهما يكن ملوث الماضي, مهما تكن عليه من سقطات وشواغر يجب أن يعلم أن الصدق مع الله والتزامه بحدود الشريعة ووفاءه لهذه الدعوة والتحاقه بجمهور المسلمين من أجلهم ولخدمتهم يهون عليه متاعب الطريق.
إن الله جل وعلا تكفل وهو الصادق الذي لا يأتي كلامه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لهؤلاء الناس الذين يصدقون معه أن يبدل الله سيئاتهم حسنات بل أكثر من ذلك إن الله جل وعلا أخبر على لسان المصطفى أن الرجل الصادق مع الله , المتلزم بأوامر الله جل وعلا وينسى الله جل وعلا الحفظة ذنوبه ويمحو عن أذهان الناس سيئاته بلى ويسنى الأرض التي عصى عليها معصيته, إن الله جل وعلا لم يطلب منك أيها المسلم إلا أن تكون صادقًا معه فإن صدقت معه فالبقية على الله.
أيها الأخوة أيها الراغبون في سيادة كلمة الله, أيها الداعون إلى الله أبشركم بهذا الحديث: (( إن الله إذا أحب عبدًا قال: يا جبريل فأحبه فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله قد أحب فلانًا فأحبوه ثم ينزل له القبول في الأرض, وإذا أبغض الله عبدًا نادى جبريل فقال لجبريل إني قد أبغض فلانًا فأبغضه فينادي جبريل في أهل السماء إن الله قد أبغض فلانًا فأبغضوه ثم ينزل له البغضاء في الأض ) ), فمدار الأمر كما ترون على الصدق وعلى الوفاء لنهج النبوة وتعهد هذا الدين فإذا كنت صادقًا فثق أن الله جل وعلا بيده كل شيء وبيده مفتاح كل شيء.
إن الله كلف إبراهيم عليه السلام فقال له: وأذن في الناس بالحج, فقال يا رب, وماذا تبلغ دعوتي من الناس, أقف في منى وأقول: إن الله كتب عليكم الحج من الذي يسمعني قال الله جل وعلا: أذن في الناس وعلينا البلاغ, فأذن إبراهيم عليه السلام, وسمعت الدنيا أسلافًا وأخلافًا دعوة إبراهيم عليه السلام في الحج إلى بيت الله الحرام.
لماذا تعجبك أيها المسلم إن النبي حج حجة الوداع وحج معه من أصحابه مئة ألف وعشرة آلاف عدا الأعراب ومن جاء مما لا يبلغه الاحصاء ولا يتناوله العد, وكان النبي والمسلمون منتشرين في منى وخطب النبي ببلاغه العرب بوصاتة الأخيرة بخطبة الوداع, لم تكن هناك مكبرات للصوت ولا كانت هناك وسائل تبلغ الكلام إلى الناس وكان النبي عليه السلام يتكلم وكان الصوت يبلغ المسلمين وهم في خيمهم بقدرة الله جل وعلا وبإرادة الله جل وعلا, فإذا كان الأمر كذلك فإياك أيها المسلم أن يردك أو أن يجعلك في تردد ما تشعر به من ماضيك, اصدق مع الله فأنت تنسى ماضيك, وينسى الناس كلهم ماضيك, وتنسى الحفظة ماضيك, وتنسى الأرض التي عصيت عليها هذا الماضي.
شخصية الداعي إذًا لها الأثر الحاسم في إنجاح الدعوة, فليحذر كل إنسان يدعو إلى الله جل وعلا متمثلًا بالنبي آخذًا الدرس والعبرة من هذه الشهادة التي رويناها لكم والتي هي كلمات قلائل ولكنها تترجم عن حياة النبي , هذه الحياة الطاهرة النقية التي فتحت أمام محمد عليه السلام مغاليق القلوب والأسماع والأبصار, فأبلغ دعوة الله إلى الناس قاطبة.
يا أحبابنا استعينوا بالله واعلموا أنكم في زمن يطلب من كل واحد منكم أن يجند نفسه لخدمة هذا الإسلام, هذا الإسلام أهمل طويلًا والمؤامرات عليه, وهذا الإسلام تكسرت عليه النصال فوق النصال, وآن لكل مسلمٍ أن يعرف واجبه وأن يعرف أنه موقوف بين يدي رب لا تخفى عليه خافية, فمسئول عن كل كلمة وعن كل, وعن كل تصرف, بلى وعن كل همٍ ونية وإرادة تحركت في خلجات الضمير, فاتصلوا بالله واعتصموا به هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير.
هذه يا أحبابي فكرة واحدة احفظوها وعوها, وفي المستقبل سوف نحاول أن نعاج بقية الأفكار لا نخرج من المسجد إلا بشيء حقيقي قد تعلمناه.
شيء أخير أريد أن أقوله لكم, هذا الكلام الذي أقوله لكم ليس كلامًا من قبل اجتهادي خير ما عندي, وأنا أكره ما أكره موقف الأستاذ موقف الموجه, أنا واحد منكم, قد أكون أقلكم عزمًا وحولًا وقوة, فأنا أطلب من كل واحد منكم أن يعينني بالرأي وأن يناقش, وأن يفكر, أنتم هنا لتسمعوا ولتفكروا, وأنا هنا لأقول ولأسمع أراءكم, والقضية قضية تعاون نحن نقول رأيًا قد يكون صوابًا وقد يكون خطأً, وأنا لست من هؤلاء الذين يتأذون من رد الرأي ثقوا أنني أفرح من أعمق أعماق قلبي حينما أرى ولدي الصغير يصحح لي خطئي, نحن جميعًا إذًا باحثون عن الحقيقة نبحث عنها, البحث عنها يقتضي الجد في النظر والتفكير والمناقشة, وخطبة الجمعة تعليم وتعاون بين المسلمين فلا تكونوا سلبيين, من رأى رأيًا لا يعجبه, ولا ينطبق على ما نفكر فيه فليقل لي لا يستح أنا ربما أغفل, وربما أنسى, ومن الراجح أنني أخطىء, وأنا محتاج إلى رأي كل واحد منكم لنعاونه على التعرف على الحق فلا خير في حياة لا يسود فيها الحق.
أسأل الله جل وعلا أن يعيننا وإياكم والمسلمين.
لم ترد.