فهرس الكتاب

الصفحة 4991 من 5777

السرقة

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

الحدود, الكبائر والمعاصي

ناصر بن عمر العمر

المدينة المنورة

جامع جابر الأحمدي

1-رسالة إلى الكفلاء الظالمين. 2- انتشار جريمة السرقة. 3- السرقة من كبائر الذنوب. 4- ذم السارق. 4- علاج الإسلام لجريمة السرقة. 5- من يتحمل مسؤولية هذه الجريمة؟ 6- واجب المجتمع تجاه هذه الجريمة.

إلى ذلك الرجل الذي يسرق عرق عمّاله، ذلك العامل الذي تحمّل الغربة عن أهله وبلده، وكم في قلبه من لوعة، يأتي إلى هذا البلد فيظن الخير، والخير إن شاء الله موجود، ولكن يصادف بكفيل تجرَّد عن الرحمة، فيسلبه راتبه الذي لا يتجاوز 250 ريالًا، ثم يفاوضه على التنازل مقابل نقل كفالته. ألا خسئت مثل هذه الأخلاق.

أما بعد: فنقف اليوم مع مشكلة اجتماعية عانى ويعاني منها المجتمع اليوم بشكل واضح، ومع تزايدها واستفحالها، ومما دعاني للالتفات لهذه المشكلة رغم وجودها سابقًا ما تعرض له هذا المسجد من حادث سرقة لبعض أجهزة التكييف فيه، بل تعدّدت الشكوى لسرقة بيوت الله في أكثر من مكان، هذه المشكلة التي عانى منها كثير من البيوت بشكل أو بآخر هي مشكلة أكبر من مشكلة سرقة مكيّف أو ذهب، بل تكبر المشكلة لتكون سرقة أشياء أكبر وأعظم حتى تتعدّى لسرقة الأراضي والممتلكات العامّة وأموال الدولة وإلى الغش في المواصفات أو تقديم تنازلات وتسهيلات غير مستحقة.

نقف اليوم لأنّ منبر الجمعة منبر وعظ وإرشاد وترغيب وترهيب وتنبيه وتحذير، والسؤال المطروح والذي يجب أن نسأله جميعًا: لماذا يسرق فلان؟! لماذا احترف بعض الشباب سرقة البيوت والسيارات والمحلات التجارية؟! ولماذا قبل ذلك الموظف المؤتمن استغلال منصبه في أخذ أو تسهيل شيء لا يستحق؟!

المشكلة ـ يا عباد الله ـ لا يرتبط حلها بالجهات الأمنية فقط، فالجهات الأمنية والرقابية هي جزء من الحل، والمشكلة لها جوانبها الشرعية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية.

فظهور مشكلة كالسرقة في المجتمع فإن المجتمع مسؤول بأكمله عن حلّها، ومن الخطأ والظلم أن يتنصل أحد من المسؤولية وإن كانت المسؤولية بشكل غير مباشر.

أيها المسلمون، إنّ جريمة السرقة جريمة من كبائر الذنوب، جاء الشرع المطهّر بقطع يد السارق مهما كان وضعه أو مكانته أو منصبه، فأعلنها رسول الأمة مدوية: (( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) ).

فالسرقة خلق ذميم وجريمة لا يتصف بها إلا خسيس الطباع.

السارق عضو فاشل في مجتمعه، لا يعوّل عليه ولا يطمأَن له، عطّل سمعه وبصره وعقله عن الإنتاج، وسخرها في أخذ ما عند الناس بالخسة والدناءة واللآمة.

السارق ما يأكله من سرقة فهو سحت وحرام وظلم وعدوان، السارق ملعون على لسان رسول الله ، السارق يأتي يوم القيامة وقد أعرض الله عنه من سوء فعاله اللئيمة، السارق مهما رفع يديه بالدعاء لا يستجيب الله له، كيف يستجاب لدعوة سارق ويداه قد تلوثت بسرقة وغصب ما عند الناس؟! سارق البيوت وسارق الأراضي وسارق الأموال العامة لا ينبت جسده إلا من الحرام، ولا يضع في فم أولاده إلا الحرام.

السارق لا يقتنع بالحلال ولا يرتاح له، بل لو خيّر بين الحلال والحرام لاختار الحرام على الحلال؛ لأن فطرته قد انتكست وانعكست والعياذ بالله، أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا.

إن تطبيق حد الله على السارق لهو لضمان المجتمع بإذن الله، قال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. فحدود الله رحمة للمجتمع وتطهير للسارق في آن واحد. إنّ الناس إذا رأوا الرجل مقطوعة يده اليمنى فقيل: ما السبب؟ قيل: إنه سرق، فتحدّث الناس عن جريمته، فكانت هذه رادعة لغيره من الناس.

وسبحان من أكرم هذه اليد اليمنى يوم تكون عاملة منتجة، حتى كان الاعتداء عليها فيه نصف دية الرجل، ولما أهانها صاحبها بالسرقة هانت عند الله فقطعت.

أيها المسلمون، لقد جاء الإسلام بحلول كثيرة من المشاكل، وجعل إقامة الحدود هي الحلّ النهائي لها. مشكلة التربية التي نعاني منها اليوم ومنذ سنوات هي لا تزال تظهر لنا اليوم هذا الكمّ الهائل من المشاكل، مشكلة سوء التربية هي التي تظهر لنا المسلِم السارق، هي التي تظهر لنا المسلم الذي يتعاطى المخدرات، هي التي تظهر لنا المسلم الديّوث، هي التي تظهر لنا المسلم الخائن، هي التي تظهر لنا المسلم الغشاش والزاني والمرابي والعاق، كلّ هذا سببه سوء التربية، وما يحصل داخل البيوت في سنوات الطفولة والتربية والغرس يخرج خارج البيوت حينما تشتد السواعد، ما يحدث داخل البيوت من انصراف الأبوين أو أحدهما عن أبنائه ومن عدم اتفاق الأبوين على كلمة سواء في تربية الأبناء أو ما يشهده البيت من قسوة الأب على أبنائه حينما يقعون في الخطأ، ما تشهده بعض البيوت من انفصال الأبوين عن بعضهما وتبعات ذلك، ما يشهده البيت من تأخر الأب عن البيت لساعات متأخرة للسمر واللهو، ما تشهده البيوت من إعطاء توكيل بالتربية إلى قنوات التلفزيون الفضائية إلى ما تبثه في أخلاقهم من السموم، فماذا فعلت الأفلام التي جلها إجرام وسرقة وسطو مسلح ومخدرات وانتهاك أعراض؟! من الطبيعي أن يتأثّر المشاهد خاصة المراهق بما يشاهده في كل يوم، وهذا الأمر قد أثبتته جميع الدراسات المحلية والعربية والعالمية. جهاز التلفزيون يشكل اليوم أكبر خطر على الأخلاق واللعب بالعقول والأفكار.

ومن يتحمل المسؤولية اليوم؟! المدرسة التي انصب دورها على التعليم أكثر من التربية، فأصبحت بعض المدارس للأسف محاضن لتعلّم الأخلاق السيئة من الأقران، فالواجب اليوم العمل على إرجاع دور المدرسة الحقيقي في التربية والتوجيه السليم، فالمدرسة هي البيت الثاني لأبنائنا، فعلى العاملين في حقل التعليم استشعار عظم المسؤولية التي تحمّلوها، وأن يتقوا الله في أبناء المسلمين.

وممن يتحمّل المسؤولية في جريمة السرقة الفراغ والبطالة التي يعيشها بعض الشباب اليوم، نتيجة خلل في تربية الأسرة وتربية المجتمع، فنشأ الشاب على الراحة والترفيه وحبّ التقليد، جعل من بعض شبابنا نموذجا سيئًا للشباب المسلم، فلا صنعة يعرفها، ولا مهارة يتعلمها، ولا وقت يهتمّ لضياعه. يعجبك ذلك الشاب الذي ليس لديه وقت للفراغ، فبعضهم انهمك في خدمات خيرية واجتماعية، وبعضهم ذهب إلى بعض المعاهد فأخذ دورة في الكهرباء أو في الصيانة، فتعلم مهارة نفعته أو عنده موهبة فصقلها ونمّاها، فعادت عليه بالفائدة والخير، أما ذلك الشاب العاطل الذي لا يتعلّم ولا يريد أن يتعلم فيريد المال تلو المال، وعند غياب المال عند البعض ربما جرّه قرناء السوء إلى باب السرقة وأبواب أخرى من الجريمة.

وقرناء السوء حدِّث عنهم اليوم ولا حرج، فكم أغوى صديق السوء من مستقيم، وكم دمّر صديق السوء من أسَر، إنهم شياطين الإنس الذين لا يوحون ولا يوسوسون إلا بالسوء، وصدق الله إذ يقول: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا.

فحذار ـ أيها الشباب ـ من أصدقاء السوء، وصديق السوء له صفات واضحة وظاهرة، من أهمها أنه لا يفعل الخيرات ويأتي المنكرات، بل ربما يشجع صاحبه عليها، صديق السوء لا يعلّمك الخير ولا يشجع على الخير، مثل هذا لا خير فيه ولا بركة فيه، والبعد عنه غنيمة.

ومن الأسباب أيضا ـ يا عباد الله ـ الفقر الشديد وقلة ذات اليَد، وهي إن لم تكن سببا مباشرا ولكنها عامل مساعد على الجريمة، فكم من فقير ـ وهم الأكثر ـ لم يفكر مجرد التفكير في الانحراف، ولكن أحيانًا مع قلة الدين أو تفكك الأسرة أو إغراء أصدقاء السوء أو الوقوع في مصيبة أو الرغبة في المتعة وحتى لا يكون أقلّ من فلان وفلان، فيلجأ إلى الاختلاس والنصب والاحتيال والرشوة.

فواجب المسلمين اليوم أن يكونوا يدًا واحدة، فالغني لا بد له من إعطاء الفقير، هذا حقّ، وحينما لا يؤدي هذا الحق تظهر المشاكل في المجتمع، فلا بد للمسلين اليوم التنبيه إلى هذا المعنى كثيرًا، لا بد أن تنفق الأموال ولا تتوقف عن زكاة ونذور وكفارات كلها تعود على الفقراء لسدّ عوزهم وحاجتهم.

السرقة في المجتمع مصيبة تحصل على بعض الناس ويسلم منها آخرون، وكل ذلك في كتاب من قبل أن يبرأها سبحانه.

وعلى المسلم الأخذ بالأسباب الشرعية والحسّية في الوقاية من السرقة، فتحصين المسلم لنفسه وأولاده وبيته بالأذكار والأوراد الشرعية في الصباح والمساء من أقوى الأسباب في دفع مثل هذه المصائب وغيرها. وليعلم العبد أن ما سرق منه فهو صدقة محتسبة بإذن الله. ومن الأسباب التي يجب أن نقف صفا واحدا فيها هو عدم تسهيل السرقة، فالمال إذا لم يكن في حزر أمين كان ذلك تفريطًا وغفلة من صاحبه، فكم من إنسان ترك سيارته ومحرّكها يدور ثم عاد ولم يجدها، وكم من إنسان وضع مالا في سيارته ثم عاد ولم يجده.

ومن الأمور التي يوجه إليها الناس هو عدم شراء الأموال المسروقة، فبعض البضائع التي يشك في أمرها وتباع في قارعة الطريق بأسعار غريبة تكون مسروقة، والسارق يبيع في العادة بأيّ ثمن، فشراء مثل هذه البضائع تشجيع بشكل غير مباشر على تصريفها.

ومما يوجّه له الآباء الالتفات إلى أبنائهم، وأن يكونوا صدورًا واسعة تحتضنهم، فيأخذهم بالرّفق فيربوهم على الدين وتعظيم الله جل جلاله في قلوبهم وتبجيل وحب نبيهم ، تربيتهم على الاستقامة والعفة واحترام حقوق وملك الآخرين وبيان شناعة التعدي على أملاك الآخرين، تربية الأبناء على القناعة بما قسمه الله لهم من الرزق، وتربيتهم على تحمل المسؤولية من صغرهم وعلى قدر أعمارهم، تربيتهم على حبّ الخير للناس كما يحبونه لأنفسهم، تربيتهم بمحاسبتهم على أخطائهم وتوجيههم التوجيه السليم وإبعادهم عن رفاق السوء ومحاولة تقريبهم إلى أهل الخير والصلاح، تربيتهم على حبّ العلم والقراءة والمعرفة والثقافة. مثل هذه التربية تحتاج إلى جهاد وعمل حتى تثمر ثمارا يانعة صالحة. نعوذ بالله من العجز وسوء العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت