فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الديون والقروض, الزهد والورع
خالد بن محمد الشارخ
الرياض
اللحيدان
1-فتنة الناس بالدنيا. 2- حقيقة الدنيا. 3- ظاهرة تحمل الديون والقروض من أجل الكماليات. 4- حرمة الربا ومفاسده وأضراره. 5- رسالة إلى المدين وصاحب الدين.
أما بعد: فيا أيها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.
أيها الإخوة في الله، إنه مع انفتاح الدنيا وتنوع زخرفها وخاصة في هذه الأيام أصبح الناس ـ وللأسف ـ يتهوكون في ظلمات هذه الدنيا، ويلهثون وراء سرابها، ويبذلون كلّ غال ونفيس في سبيل الحصول ولو على الحقير القليل من متاع هذه الدنيا، وهي دنيا مهما ازدان متاعها وكملت خيراتها فهي دنيا حقيرةٌ صغيرة، والذي يدلك على حقارتها وهوانها على الله أنك ترى الكفار فيها يتنعمون وبمتاعها يتلذذون، ولذلك يقول المصطفى: (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء ) )رواه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح".
ولعظم الفتنة بالدنيا حذرنا الله منها في كتابه العزيز فقال: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ [يونس:24] ، وقال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف:45] ، وقال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا [الحديد:20] ، وقال تعالى: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64] .
ويقول النبي وهو يخاطب أصحابه: (( فوالله، ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم ) )متفق عليه. وما زال النبي يحذر أصحابه من خطر الفتنة بالدنيا، فقد كان يقول وهو على منبره والصحابة جلوس حوله: (( إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ) )متفق عليه.
بل كان الرسول يذكر أصحابه بحقارة الدنيا في كل وقت وفي كل فرصة تسنح، فعن جابر بن عبد الله أن رسول الله مرّ بالسوق والناس كنفين ـ عن جانبين ـ فمر بجدي أسك ـ صغير الأذن ـ ميت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: (( أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟ ) )فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟! ثم قال: (( أتحبون أنه لكم؟ ) )قالوا: والله، لو كان حيًا كان عيبًا أنه أسك، فكيف وهو ميت؟! فقال: (( فوالله، للدنيا أهون على الله من هذا عليكم ) )رواه مسلم.
أيها الإخوة في الله، وكما سمعتم فالدنيا لا تساوي شيئًا عند الله، وليست هي محط الثناء أو الذم، وليس الغني فيها هو الغني يوم القيامة، أو الفقير الحقير فيها هو الفقير الحقير يوم القيامة، كلا وألف كلا، بل يقول رسول الله: (( إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا، وقليل ما هم ) )، يعني تصدق به عن يمين وشمال ومن خلفه، بل جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (( يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ) )رواه الترمذي وقال:"حديث صحيح"، ويقول عليه الصلاة والسلام: (( قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجدّ ـ أي: أصحاب الغنى ـ محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار ) )متفق عليه.
أيها المسلمون، ولكن مع علمنا اليقيني بهذا الأمر واستقراره في نفوسنا نجد الكثير من المسلمين ـ وأقول: الكثير منهم وللأسف ـ من يحاول جاهدًا أن يعيش عيشة الأغنياء المترفين حتى ولو كلفه ذلك كل شيء، فتجده يدخل في متاهات من الديون ومن القروض والتقسيطات في سبيل أن تكون له سيارة فارهة، وأن يكون له منزل فاخر ذو رخام جذاب ومدخل جميل وزخارف تأخذ العقول والألباب، كل هذا وتجده أحيانًا لا يمتلك إلا مرتبه الشهري، بل ربما لا يبقى له من مرتبه شيء يعيش به هو وأبناؤه، فقسط لسيارته، وقسط للأثاث، وقسط لدين هنا أو هناك.
وهكذا أثقلت كواهل الناس وأدخلت ذمَمهم بحقوق مالية كانوا في غنى عنها، وما ذلك ـ أيها الإخوة ـ إلا بسبب انفتاح الدنيا وتتابع الناس وراءها، واستجابتهم لكل جديد يحدث وكل موضة يطير بها الناس، وإلا ففي السابق كان الناس يكفيهم أن يعيشوا ببيت يكنفهم عن الناس، ويكنفهم عن حر الشمس وبرد الشتاء، أما الآن فأصبحت الناس تتساقط في هذه الهوة السحيقة، وتقع فيها دون وعي أو إرشاد، وبالمقابل فإن المستفيد من الشركات والمؤسسات وغيرها أصبحت هي الأخرى تدعو الناس لذلك، وأصبحت تمتص دماء هؤلاء المساكين في سبيل أن يوفروا لهم مركبًا فارهًا ومنزلا فاخرًا.
وربما تجد شبابًا وفي زهرة شبابهم متورطين بديون وأقساط وقروض، ولكن نحن ـ أيها الإخوة ـ قد نكون مشاركين في تكليف هؤلاء الشباب وإجبارهم في الدخول بأقساط وديون، ربما لا يخرجون منها إلا بعد دهر من الزمان، وربما نكون نحن المتسببين في ذلك من حيث نشعر أو لا نشعر، فها هي العوائل تغالي في المهور، فمهرٌ باهظ الثمن للزوجة، وعطية للأم، وعطية للأخ وهكذا، وربما يجبر الشاب على توفير سكن خاص لزوجه الميمون، وأن يكون المنزل مؤثثا بأجمل الأثاث وأحسنه. وهكذا يتكلف الشاب ويدخل في متاهات من الديون والأقساط، وما ذنبه إلا أنه أراد العفاف والزواج.
أيها الإخوة، وها نحن نسمع سويًا ونرى ما يعلن في الجرائد وغيرها عن عروض القرض الذي تفتحه هذه البنوك الربوية، وها هم لما علموا أن الناس سقطوا في متاهات الديون والأقساط فتحوا بابًا جديدًا من الشر، فالقرض لك من البنك مع فائدة سنوية مقدرة يأخذها منك البنك، وإذا تأخرت بالسداد فإن الفائدة تضاعف عليك. هذا أيها الإخوة، هذا بعينه ربا الجاهلية الذي قال عليه الصلاة والسلام في خطبة الوداع: (( ألا إن ربا الجاهلية تحت قدمي، ألا إن ربا العباس تحت قدمي ) )، بل هو أشد من ربا الجاهلية، سبحان الله.
أرأيتم ـ أيها الإخوة ـ ومع تطور العالم وصعوده في أجواء الرقي كما يزعمون ها هم يعودون مرة أخرى إلى الجاهلية الأولى، إن ربا الجاهلية الأولى قائم على أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل، فإذا حلّ الأجل قال له: أتقضي أم تربي؟ فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد هذا في المال، فيتضاعف المال في ذمة المدين، فحرم الله ذلك بقوله: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280] ، ولكن البنوك هذه الأيام وبعرضها الأخير قد زادت على ربا الجاهلية؛ فهم يأخذون فائدة على القرض حتى ولو سددت في الأجل المحدد، لكن الفائدة تزاد عليك إذا أخرت المال أكثر من ذلك.
إنه الربا أيها الإخوة، الربا الذي لعن النبي آكله وموكله وشاهديه وكاتبه، ويقول جل وعلا: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ [البقرة:275] ، وقال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276] ، بل أخبر النبي أن درهمًا واحدًا من الربا أشد من ست وثلاثين زنية، وقال عليه الصلاة والسلام: (( إن الربا اثنان وسبعون بابًا، أدناها كأن يأتي الرجل أمة ) ).
فالربا أنانية وجشع وقهر وهمجية وتخلف ومنبت ضغائن وحقد وكراهية، تهدم العُرَى الاجتماعية والروابط الإنسانية، وتضعف المروءة، بل وتقتلها.
يقول أحد العلماء:"والربا الملعون من أقدم عصوره وليد اليهود، وقد فشا في الجاهلية الأولى بسبب مجاورة اليهود، وما زال اليهود السبب في هذا العصر، وذلك بسبب سيطرة اليهود على البنوك والاقتصاد العالمي، مع ما يبثونه من تحبيبه وتزيينه بشتى الدعايات، وبواسطة عملائهم من النصارى المستشرقين والعرب المتفرنجين، ولذلك يقول الله تعالى عن بعض صفات اليهود، والتي منها أكل الربا والتي استحقوا عليها اللعنة الخالدة والمتواصلة، قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:160، 161] ."
أيها الإخوة، إني من هنا من على هذا المنبر أناصح إخواني المديونين أن يستغيثوا بالله في سداد دينهم، وليعلموا أن الله سيعينهم، وأنهم إذا اتكلوا على الناس واعتمدوا عليهم فإن الله لن يعينهم، قال رسول الله: (( من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل ) )رواه أبو داود والترمذي وقال:"حديث حسن"، وأن لا يثقلوا كواهلهم بديون لا قِبَل لهم بها، وليعلموا أن ما لا يقدرون عليه اليوم سوف يقدرون عليه غدًا، ولا يستبطئوا رزقَ الله عليهم، فإن كل إنسان مكتوب له رزقه وأجله، ولكن توكّل على الله، (( ولو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا ) ).
وأما أنت ـ يا صاحب الدّين ـ فأذكرك بقول الله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280] ، فعليك بالصبر على دينك، وأن لا تكلف أخاك المسلم ما لا يطيق، فقد تبتلى أنت أيضًا بدَين، فكما تحبّ أن يَصبر عليك الناس فاصبر على الآخرين.