العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ
السيرة النبوية, محاسن الشريعة
حمزة بن فايع الفتحي
محايل
جامع الملك فهد
1-تميّز التاريخ الإسلامي. 2- فضل أمة الإسلام. 3- من فوائد قراءة التاريخ الإسلامي. 4- العرب بين الجاهلية والإسلام. 5- رجال غيروا وجه التاريخ.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ [الأنفال: 29] .
أيها الناس، تأمل متأملٌ تاريخ أمتنا العريق، فإذا هو تاريخ لم تحصِّله أمة، ولم تنله نحلة، ولم يحققه شعب من الشعوب، احتُشي بالبذل والتضحيات، وسما بالبطولات الصحيحات، وارتوى بالمعالي والمكرمات، تاريخنا المجد والسيادة والبطولة، وتاريخنا النبل والشرف والرجولة.
ما ظنكم بتاريخ رفع أهلَه من مهاوي الضلال إلى نور الإسلام، وطهرهم من براثن الأوثان إلى عز الإيمان؟! إن أصحابكم السابقين عندما حققوا العبودية لله تعالى واعتصموا بحبله شيّد الله لهم تاريخًا مجيدًا، عجبت له الأمم وحارت منه الشعوب.
أحسن المسلمون الأوائل أعمالهم مع الله تعالى، فأورثهم سماء العز والمجد؛ لذا فإن تاريخًا أسس حضارته رسول الله لهو التاريخ المشرق المنير بحق، وإن تاريخًا يحوي مآثر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي لهو التاريخ الذي تتطلع إليه الأمم والشعوب.
فهل يحق لنا بعد ذلك تجاهل التاريخ وما فيه من جليل الأخبار وجميل الآثار؟! وهل يحق لنا إغفال تاريخ كُتب أكثره بمداد الأشلاء والأوصال والتضحيات؟! لا ارتياب أن ناسي التاريخ معدوم الهوية والنسب والشرف.
أنا من بدَّل بالكتب الصِّحابا لَم أجد وافيًا إلا الكتابا
مثل القوم نسوا تاريْخهم كلقيطٍ عِيَّ في الناس انتسابا
إن أمتكم ـ أيها المسلمون ـ أمة الخير والنور والهداية، في تاريخها الأمجاد والأبطال والآمال، سلوا عنها ديار الشام ورياضها والعراق وسوادها والأندلس وأريافها، سلوا مصر ووديانها والجزيرة وفيافيها، سلوا الدنيا ومن فيها: هل روى رياض المجد إلا دماؤها؟! وهل زانت جنات البطولة إلا أجساد شهدائها؟! ما عرفت الدنيا أنبل منها ولا أكرم، ولا أرق ولا أرحم، ولا أرقى ولا أعلم.
إن تذكر ذلك التاريخ المجيد يمحو شيئًا من معرّة الذل والهوان الذي تتذوّقه الأمة في هذه الأعصار، وإن العقلاء لينفطروا كمدًا على أمجاد مضت أصبحت تطوى فلا ذكرى ولا معتبر، كأن الأمة بواقعها المرير ليس لها مساس من قريب ولا بعيد بذلك التاريخ! ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: 11] .
إني تذكرت والذكرى مؤرقة مجدًا تليدًا بأيدينا أضعناه
أنى اتجهتَ إلى الإسلام في بلد تَجده كالطيْر مقصوصًا جناحاه
كم صرفتنا يد كنا نصرفها وبات يَملكنا شعب ملكناه
أين الرشيد وقد طاف الغمام به فحين جاوز بغدادًا تحداه
ماضٍ تعيش على أنقاضه أمم وتستمدّ القوى من وحي ذكراه
بالله سل خلف بَحر الروم عن عربٍ بالأمس كانوا هنا واليوم قد تاهوا
وإن تراءت لكم الْحمراء عن كثَبٍ فسائل الصرح: أين العز والْجاه؟!
وانزل دمشقَ وسائل صخر مسجدها عمن بناه لعل الصخر ينعاه
هذى معالم خرص كل واحدة منهن قامت خطيبًا فاغرًا فاه!
إني لأشعر إذ أغشى معالِمهم كأني راهب يغشى مصلاه
والله يعلم ما قلَّبت سيرتهم يومًا وأخطأ دمع العين مجراه
وفي حديثنا عن التاريخ الإسلامي تبرز قضيتان مهمتان:
أولاهما: حاجتنا إلى هذا التاريخ للرجوع إليه وقراءته وتعلمه والتماس الدروس والعبر منه، فلا يشك إنسان أن قراءة التاريخ محفّزة للهمم وملهبة للنفوس مربية للجيل.
القضية الثانية: أن قراءتنا للتاريخ لا تعني الاعتماد عليه كلية، حيث الأمجاد انقضت والمفاخر ولت، كلا، لأن أمتنا لا يزال لها مجد سام متى ما رجعت إلى ربها واعتصمت بذكره، فإن شرف الأمة ليس في إنشاء المدن وعمارتها وزخرفتها، وإنما شرفها في رجوعها وتوبتها إلى ربها عز وجل الذي شرفها بالرسالة، فأثمرت تاريخًا مكللًا بالذهب والياقوت، فإن الأمة العربية ليس لها فضل ولا تاريخ يذكر بغير الإسلام، وتأملوا أحوالهم في الجاهلية كيف كانوا يغوصون في ظلمات التيه والضياع والهلاك، حتى جاء نور الإسلام، ويأتي التاريخ، ويزرع المجد نبينا محمد حيث أحدث لها نقلة عظيمة لم يُرَ مثلها في الوجود، قال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [آل عمران: 164] .
ففي الجاهلية كانت تراق دماء لعرق ونسب ومال وتراب، فيصبح مصيرها إلى الضنك والبوار، وفي الإسلام أريقت دماؤهم في سبيل الله، فكان مأواها إلى نعيم الجنات، ولنعم دار المتقين. وفي الجاهلية كانوا همجًا رَعاعًا يقتل بعضهم بعضا، وفى الإسلام دولة عدل وميزان، حفِظَ الحرمات، وأقامَ العدل، وطمس المظالم والنعرات.
فاعلموا ـ يا مسلمون ـ أن تاريخ الأمة الزاهر إنما هو بارتباطها بربها الذي هداها ورعاها وكرمها على سائر الأمم.
وها هنا خبر رجل عرف الشركَ والجاهلية وعبادة الأوثان، ويعلق المجد والفخر بالإسلام، ويشير إلى فضل أهل الإسلام، وهو ضرار بن الخطاب القرشي رضي الله عنه، كان من فرسان قريش وشجعانهم، وقاتل المسلمين أشدَّ القتال يوم أحد، وقد اختلف الأوس والخزرج فيمن كان أشجع يوم أحد، فمر بهم ضرار فقالوا: هذا شهِدَها هو عالم بها، فسألوه عن ذلك فقال: لا أدري ما أَوسُكم من خزرَجِكم؟ ولكني زوجتُ مِنكم في يومٍ واحد أحدَ عشر رجلًا من الحور العين. وقال ضرار يومًا لأبي بكر الصديق: نحن خيرٌ لقريش منكم، أدخلناها الجنة، وأنتم أدخلتموها النار؛ يريد أنه قتل المسلمين لما كان مشركًا فدخلوا الجنة، وقتل المسلمون الكفار فأدخلوهم النار.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك...
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد: أيها الناس، تشرق وتتلألأ في سماء مجد الإسلام أسماء رجال غيَّروا وجه التاريخ، كان الرجل منهم أمة لوحده وقوة ضاربة وجيشًا كاسحًا، أبقوا مفاخر، ما نرى منهم في سائر الأبواب والمجالات، حتى إنهم لم يتركوا بابًا في الخير إلا طرقوه، وأتعبوا من جاء بعدهم.
أخرج الحاكم في المستدرك عن جابر رضي الله عند بسند صحيح أن النبي قال: (( لصوتُ أبي طلحة في الجيش خير من فئة ) ). وفي يوم بدر قال: (( أشيروا عليَّ أيها الناس ) )، فقام سيد الأنصار سعد بن معاذ رضي الله عنه بعد كلام المهاجرين فقال: والله، لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: (( أجل ) )، فقال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامضِ بنا ـ يا رسول الله ـ لما أردتَ فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضتَ بنا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، وإنا لصُبُرٌ في الحرب صُدْقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تَقَر به عينك، فسر على بركة الله، وفى لفظ قال: امضِ يا رسول الله، فصل حبل من شئت، واقطعْ حبلَ من شئت، وعادِ من شئت، وسالمْ من شئت، وخُذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحبَّ إلينا مما تركت، وما أمرت به من أمر فأمرنا تبَعٌ لأمرك، فوالله لئن سِرتَ حتى تبلغ البِرك من غِمدان لنسيرنَّ معك.
معاشر المسلمين، اقرؤوا التاريخ، وعلموه أبناءكم ونساءكم بصدق. ويا معلمي التاريخ، قوموا بواجبكم تجاه تاريخ أمتكم، واغرسوه بحرارة في قلوب الناشئة، واعرضوا منه الصور المشرقة، لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى [يوسف: 111] .