التوحيد
الشرك ووسائله, نواقض الإسلام
حسين بن شعيب بن محفوظ
صنعاء
غير محدد
1 ـ الحكمة من خلق الإنس والجن. 2 ـ معنى العبودية. 3 ـ لا يعلم العيب إلا الله.
4 ـ النهي عن إتيان العرافين وتصديقهم. 5 ـ من هو العراف ومن هو الكاهن.
6 ـ ما هو التنجيم. 7 ـ التحذير من كاهن باليمن. 8 ـ خطورة الشرك. 9 ـ التوحيد
طريق الجنة، والشرك طريق النار.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإن الله تعالى ما خلقنا إلا لعبادته، وكان حقًا على المسلم أن يحقق وحدانية الله في أرضه؛ أن يعبد الله وحده لا يشرك معه غيره كان من كان، كما قال الله سبحانه وتعالى في بيان الحكمة من خلق الجن والإنس: وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] قال علي بن أبي طالب: أي لآمرهم بعبادتي وأدعوهم إلى ألوهيتي، وقال قتادة:"أي لآمرهم وأنهاهم، فهذه هي الحكمة التي لأجلها خلقنا الله ولذلك كان الواجب على كل مسلم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله أن يجرد التوحيد لله."
فإذًا الله سبحانه وتعالى لا يقبل من العبد عملًا إلا إذا كان مخلصًا لله عز وجل بالقول والعمل ظاهرًا وباطنًا قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذ?لِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ?لْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 162، 163] ، معنى العبودية لله عز وجل وعبادته أنك تعبده في كل شيء: أنك لا تركع إلا لله، ولا تسجد إلا لله، كذلك اجعل سائر أمورك، اجعل توكلك على الله، خشيتك لله، إنابتك لله، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، كل عمل تفعله من حياتك إلى مماتك يجب أن يكون لله، هذا هو التوحيد.
ومنها كذلك تسليم الأمر لله، أن يؤمن بأنه هو الذي استأثر بالغيب عنده فلا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى، ما جعل علم الغيب يعلمه أحد من البشر كائنًا من كان إلا من ارتضى سبحانه وتعالى عَـ?لِمُ ?لْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى? غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ?رْتَضَى? مِن رَّسُولٍ [الجن: 25، 26] ويقول الله تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ?لْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ?لْبَرّ وَ?لْبَحْرِ [الأنعام: 59] ويقول الله تعالى آمرًا نبيه أن يقول للناس قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء ?للَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ?لْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ?لْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ?لسُّوء إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 188] . وقال تعالى قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ?لسَّمَـ?و?تِ و?لأرْضِ ?لْغَيْبَ إِلاَّ ?للَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [الأنعام: 65] . ولذلك لما جاء جبريل على صورة أعرابي لم يعرفه أحد إلا النبي وسأله عن الساعة فأجاب النبي فقال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ولكن سأخبرك عن أشراطها (( إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها وإذا تطاول رعاة البهم في البنيان فذاك من أشراطها في خمسٍ لا يعلمهن إلا الله ثم قرأ: إِنَّ ?للَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ?لسَّاعَةِ وَيُنَزّلُ ?لْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ?لاْرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ?للَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: 34] ) )،أخرجه الإمام مسلم وهو جزءٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
هذا هو الواجب في معرفة التوحيد إن الإنسان إذا وحد الله يعلم أنه ليس هناك من يعلم الغيب ويدعي معرفته، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، إلا من ارتضى الله له ذلك، فقد يرتضي الله لبعض عباده شيئًا من الغيبيات كالمرسلين والأنبياء فإنهم لا يعلمون إلا ما أعلمهم الله من أمور الغيب أو بعضها، وإن تعجب فعجب أن تسمع كثيرًا ممن يدعون معرفة الغيب فيأتوننا في كل زمان وفي كل سنة وفي كل مكان ليحضروا لنا كتيبات يدعون فيها معرفة الغيب، وما يجري في السماء، وما يجري إلى قرن من الزمان، وهؤلاء كذبوا وزعموا وهؤلاء كذبوا وزعموا أنهم يعلمون الغيب، فكيف علموه هل جاءهم وحي من الله أعلمهم بذلك، أم أنه وحي شيطاني، وليعلم هؤلاء أنهم عرافون دجالون كهانون كذابون سحرة مشعوذون وجب على كل مسلم أن يكفر بهم ولا يؤمن بهم قط، فإن من آمن بهم كفر. واسمعوا إلى قوله عليه الصلاة والسلام (( من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين يومًا ) )أخرجه الإمام مسلم من حديث بعض أزواج النبي.
هذا إذا أتاه ولم يصدقه في شيء واحد لا تقبل له صلاة أربعين يومًا أما من أتاه وآمن به وصدق به كفر بما أنزل على محمد فعن أبي هريرة:أن رسول الله قال: (( من أتى كاهنًا فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) )أخرجه أبو داود بإسناد صحيح.
من هو العراف ومن هو الكاهن؟.
العراف: هو الذي يدعي معرفة الغيب الأمور الغائبة يستدل بها على أشياء كأن يدعي معرفة المسروق أين هو؟ والأمر الذي ضل على صاحبه أين هو فهذا هو العراف، فإنه مشتق من اسم معرفة أي عرف يعرف معرفة فهو عراف.
وأما الكاهن فإنه هو الذي يتكهن أي يدعي معرفة الأمور المستقبلية ويحدث الناس أنه سيحصل في يوم كذا وكذا، وفي عام كذا وكذا وهذان الحديثان دليلان على كفر العراف والكاهن ودليلان على كفر من صدق بهما لأن التصديق هو اعتقاد فلا يصدق الإنسان شيء إلا وهو موقن معتقد اعتقادًا جازمًا على صدق ذلك الشيء الذي صدق به.
أما التنجيم فإنه ضرب من السحر كما جاء في الحديث عن قتادة قال: (خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدي بها، أي يهتدي بها المسافرون في البر والبحر، فمن تقول فيها غير ذلك فقد أخطأ أو أضاع أي أضاع دينه، وكلف ما لا علم له به ) ) أي تكلف ما ليس له علم به أخرجه البخاري في صحيحه، ولذلك جاء في الحديث عن عمران بن حصين أن النبي قال: (( ليس منا من تطير أو تطير له ) )أي من تشاءم أو تشوئم له (( ومن تكهن أو تكهن له، ومن سحر أو سحر له ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) )أخرجه البزار بإسناد جيد.
وإنك لترى في بلادنا كثيرًا من الناس يشترون أرطالًا من الكتب التي أنهكت رجالًا على الله وعلى عباده ومن تلك الكتب الفلكية التي تسمى بفكلية صاحب بيت الفقيه فإن هذا رجل أفاك أثيم دجال كذاب أشر، يدعي أنه يعرف أمور الغيب ففي كل فلك يطلع لنا بفلكية جديدة يحدثنا أولًا بأخبار اليمن، وماذا سيحصل فيها من صفر إلى صفر، ثم يحدثنا عن أخبار الجزيرة العربية وما سيحصل فيها من صفر إلى صفر، ثم يحدثنا عن أحوال الدول العربية الأخرى ويحدثنا عما يحصل فيها من صفر إلى صفر ثم يحدثنا عن الدول الإسلامية الأخرى الدول الإسلامية فيخبرنا عن أحداثها وما سيحصل في الهند في بلاد فارس في أيمان وما سيحصل في البنيان أهو نبي أو ملك أوحى الله إليه هذه الأمور فمن أين له؟ ولكن العجب أن تجد كثيرًا من المسلمين يصدقونه ويتركون الحق الذي بين أيديهم.
وما علم هؤلاء المساكين أنهم بشرائهم هذه الكتب واقتنائهم لها وتصديقهم ما فيها أنهم يقعون في الكفر من حيث لا يعلمون فليتق الله المسلمون وليعلموا بأن التوحيد هو أساس الإسلام وأساسه الذي لا يصح عمل إلا به، وكل الأنبياء ما بعثهم الله إلا لدعوة الناس إلى التوحيد ويجردوهم من الشرك ويجروهم لله سبحانه في القول والعمل والمعتقد وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَ?جْتَنِبُواْ ?لْطَّـ?غُوتَ [النحل: 36] وقال سبحانه وتعالى مبينًا عظم الشرك وأنه يحبط عمله حتى لو كان محمدًا وقع في الشرك أن الله يحبط عمله فقال تعالى وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ?لْخَـ?سِرِينَ بَلِ ?للَّهَ فَ?عْبُدْ وَكُن مّنَ ?لشَّـ?كِرِينَ [الزمر: 65، 66] .
فعلينا أن نتقي الله وأن نتمسك بلا إله إلا الله محمد رسول الله ولنعرف مدلولها هذه الكلمات ولنفهم لازمها وما هو الواجب علينا تجاهها ولندرس مقتضاها فإن كثيرًا من المسلمين يتلفظون بها دون أن يعرفوا معناه،ا فمن لم يعرف معناها ربما وقع في الشرك من حيث لا يعلم ونعوذ بالله من الخذلان ونسأل الله عز وجل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.
أقول ما تسمعون، ادعو الله واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
أما بعد:
فإن تحقيق التوحيد أمر أوجبه الله سبحانه وتعالى على عباده الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وآمنوا بجملة الأمور الغيبية التي جاء الإخبار عنها في كتاب الله وسنة رسوله فإن من آمن بكل ذلك وحقق التوحيد دخل الجنة فعن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله: (( من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ) ). أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
لكن هذا المراد به تحقيق التوحيد إقرارًا باللسان واعتقادًا وتصديقًا بالقلب وعملًا بالجوارح والأركان، هذا الذي بينه حديث معاذ رضي الله عنه حين كان رديف النبي على حمار فقال له النبي: (( يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ ) )أي ما هو الواجب الذي فرضه الله على العباد وما الواجب الذي فرضه الله على نفسه تجاه عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (( حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا ) )أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما.
إن أساس الدنيا يجب أن تكون لأجل التوحيد فإننا عبيد لله، إن لم نخضع ولم نستكن ولم نذلّ لله عز وجل لا خير فينا ولا كرامة لنا، فإذا اتخذ الناس الأنداد والأوثان والطواغيت والكهان والسحرة والعرافين والأحبار والرهبان أربابًا من دون الله كفروا بدين الله الذي رضيه لعباده، وأما يوم القيامة فإن الناس فريقان فريق في الجنة وفريق في السعير، فالذين يدخلون الجنة مهما عظمت أعمالهم إلا إذا صلح توحيدهم فإن صلح توحيده وأتى الله سبحانه وتعالى ولم يشرك به شيئًا وآمن به إيمانًا جازمًا دخل الجنة من تفاضل بينهم بالإيمان في الدنيا وعلى قدر تفاضلهم في الدين يتفاضلون برتبهم في الجنة، وأما من لم يجرد التوحيد ولو أتى بأعمال كجبال تهامة فإنه لا خير له ولا كرامة وكان من أهل النار، وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي قال: (( يؤتى يوم القيامة بالمشرك فيقال له وهو يساق إلى النار وهو موقن أنه يدخل النار، فيقول الله: يا عبد الله لو كان لك مثل الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها ) )أي كتب تدفعها لتنجيك من عذاب الله، قال: (( بلى يا رب أي كنت أدفعها لنفسي لأنجيها من عذاب النار فقال الله سبحانه وتعالى له: لقد أردت منك أهون من ذلك، أردت منك أن لا تشرك بي شيئًا فأبيت إلا الشرك ثم يلقى في النار ) )ولذلك الذي ينجي الإنسان هو التوحيد، فلنسمع إلى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله قال: (( يصاح يوم القيامة على رؤوس الخلائق برجل أي ينادى فيأتي به، فتعرض عليه أعماله فتعرض له الملائكة ، أو قال: ينشر له تسعة وتسعون سجل أي صحيفة كل سجلٍ مد البصر أي إلى منتهى البصر كلّ من السيئات، فتوضع في كفة السيئات ، هو يعلم الآن أنه هالك، فيقول الله سبحانه وتعالى: يا عبدي هل ظلمك كتبتي؟ هل انتقصاك من عملك شيء فيقول: لا، فيقول الله سبحانه وتعالى: ألك عذر عندنا؟ أو قال: هل لك حسنة عندنا ؟ فيقول يائسًا متعجبًا: لا يا رب، وأي حسنة بعد هذه السيئات؟ فيقول الله سبحانه وتعالى له: بلى إن لك عندنا حسنة، إنك لا تظلم اليوم أبدًا فيأمر الله الملائكة أن يأتي له ببطاقة، فتنشر له بطاقة ، الآن تنشر له تسعة وتسعون سجل أمام بطاقة صغيرة فإذا أن فيها أنه يومًا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله مخلصًا ، فتوضع في كفة الحسنات، فثقلت تلك البطاقة حتى طاشت بتسعة وتسعين سجلًا، فقال عليه الصلاة والسلام: (( وهكذا لا يثقل مع لا إله إلا الله شيئًا ) )أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي والحاكم في المستدرك بإسناد صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وهو كما قال، إسناده صحيح لكن هذا ما انتفع بلا إله إلا الله إلا حينما عرف معناها، وعمل بمقتضاها، لا إله إلا الله تريد منك عملًا فمن قال: لا إله إلا الله فليأت بلازمها ما هو لوازمها ما أمرك الله به فأتمر وما نهاك عنه تنتهي وتنزجر.
ومما نهانا الله عنه ونهانا عنه رسوله تصديق المنجمين والعرافين والكهنة فإن من صدقهم ولو بشيء واحد كفر بدين محمد فالبدار البدار جرد التوحيد إلى الله وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنين لعلكم تفلحون.