فهرس الكتاب

الصفحة 5395 من 5777

أشراط الساعة(3): المسيح الدجال

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

أشراط الساعة, الفتن

مهران ماهر عثمان نوري

الخرطوم

خالد بن الوليد

1-حديث تميم الداري عن الجساسة والدجال. 2- معنى المسيح والدَّجال ولماذا سُمِّي بهما؟ 3- صفة الدجال. 4- ابن صياد والدجال. 5- أتباع الدجال. 6- فتنة الدجال. 7- الرد على منكري الدجال. 8- مدة لبثه بعد خروجه. 9- سبل الوقاية منه. 10- هلاك الدجال.

أما بعد: فقد ثبت في صحيح الإمام مسلم عن فاطمة بنت قيس قالت: سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ يُنَادِي: الصَّلاةَ جَامِعَةً، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِي تَلِي ظُهُورَ الْقَوْمِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: (( لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلاهُ ) )، ثُمَّ قَالَ: (( أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟ ) )قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (( إِنِّي ـ وَاللَّهِ ـ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلا نَصْرَانِيًّا فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلاثِينَ رَجُلا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِمْ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَؤُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: أَيُّهَا الْقَوْمُ، انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ، قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنْ الْعَرَبِ رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا وَفَزِعْنَا مِنْهَا وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ؟ قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لا تُثْمِرَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ، قَالُوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ، قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنْ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ، قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي، إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الأَرْضِ فَلا أَدَعَ قَرْيَةً إِلا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ؛ فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً ـ أَوْ: وَاحِدًا مِنْهُمَا ـ اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلائِكَةً يَحْرُسُونَهَا ) )، قَالَ رَسُولُ َ وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ: (( هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ ـ يَعْنِي الْمَدِينَةَ ـ أَلا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟ ) )فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، قال: (( فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وَعَنْ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ ) ).

عباد الله، لفظ المسيح من الأضداد، يُطلق على الصِّدِّيق والضِّليل، وسُمِّي المسيح مسيحًا لأنه ممسوحُ العين، قال: (( المسيح الدجال ممسوح العين ) )رواه مسلم. وسُمي دجالًا لأنه يُلبِّس على الناس بما معه من الشبهات، فالدَّجل تغطية الشيء، والدجَّال المموِّه الكذاب.

وصفة المسيح الدجال بينها النبي في أحاديث كثيرةٍ في الصحيحين وفي غيرهما، فبين النبي أنَّ شعره قَطَطٌ أي: شديد الجُعودة، جُفال أي:الغزير الكثير، وأنه شاب أحمر جسيم قصير، أجلى الجبهة أي: ينحسر الشعر عن مقدمة الرأس، عريض النَّحر، فيه دَفَأ والدفأ: الانحناء، أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافئة أي: بارزة، وأعور اليسرى، ولكن العور في اليمنى أظهر، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤها الكاتب وغير الكاتب. وبيَّن النبي ذلك لئلا يغتر الناس به، وليعلموا إذا خرج عليهم أنه الدجال الذي حذر منه، ومبالغة في الحرص منه على عدم التباس أمره قال: (( وإن ربَّكم ليس بأعور ) )أخرجه البخاري ومسلم.

وقد اختلف علماؤنا رحمهم الله في ابن صياد الذي قابله النبي هل هو المسيح الدجال؟ ولعلَّ في التوقف في أمره اقتداءً بالنبي ، فإنه قال لعمر بن الخطاب لما أراد قتله وكان عمر يرى أنه الدجال: (( إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ ) )أخرجه البخاري ومسلم. ونحن نقول: سواء أكان ابن صياد هو المسيح الدجال أم لم يكن فلا شكّ في خروجه آخر الزمان كما أخبر بذلك رسولنا.

عباد الله، من أين يخرج الدجال؟ يخرج الدجال من جهة المشرق، قال النبي: (( الدَّجَّالُ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا: خُرَاسَانُ ) )رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وقال: (( يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ، مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ التِّيجَانُ ) )رواه أحمد. فإذا خرج طاف الأرض إلا مكة والمدينة كما جاء في حديث الجساسة.

فمن أتباعه؟ أتباعه اليهود، قال: (( يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمْ الطَّيَالِسَةُ ) )أخرجه مسلم. وكثير من أتباعه من النساء، يقول نبينا في ذلك: (( يَنْزِلُ الدَّجَّالُ فِي هَذِهِ السَّبَخَةِ بِمَرِّ قَنَاة، فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْجِعُ إِلَى حَمِيمِهِ وَإِلَى أُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ فَيُوثِقُهَا رِبَاطًا؛ مَخَافَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ ) )رواه أحمد.

أيها المؤمنون، إنَّ فتنة الدجال لا عاصم منها إلا الله؛ لما معه من الشبهات والأمور العظام، فللدجال جنة ونار، يقول: (( الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ، مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ ) )أخرجه مسلم، وقال: (( مَعَه ـ أي: الدجال ـ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ، أَحَدُهُمَا رَأْيَ الْعَيْنِ مَاءٌ أَبْيَضُ، وَالآخَرُ رَأْيَ الْعَيْنِ نَارٌ تَأَجَّجُ، فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا، وَلْيُغَمِّضْ ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ ) )أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له.

ومن فتنته أن يأمر الأرض فتخرج كنوزها، ويمر على القوم يؤمنون به فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، ويمر على من يردون قوله ويكذبون حديثه فيصيبهم القحط؛ ابتلاء واختبارًا من الله تعالى. يقول النبي: (( فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ وَالأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ ) )أخرجه مسلم.

ومن فتنته ما جاء في خبر الصادق المصدق المصدوق: (( ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ ) )أخرجه مسلم. ولهذه الفتن العظام ما من نبيٍّ إلا وأنذر أمته الدَّجال.

عباد الله، كثير ممن تخرج في المدرسة العقلانية أنكر هذه الأحاديث بحجة أن العقل لا يقبلها! وتالله، إن عقلًا لا يقبل ذلك لهو عقل عليل قاصر، وإن التصديق بهذه الأخبار الثابتة دليل على صحة تصور أصحابها ورجاحة عقولهم واتساع أفقهم وخصوبة مداركهم؛ ذلك لأنهم أدركوا أنَّ الله على كل شيء قدير، وأنَّ رسول الله لا ينطق عن الهوى، وفي الأثر: (أَلا وَإِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِكُمْ قَوْمٌ يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ وَبِالدَّجَّالِ وَبِالشَّفَاعَةِ وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ، وَبِقَوْمٍ يُخْرَجُونَ مِنْ النَّارِ بَعْدَمَا امْتَحَشُوا) أخرجه أحمد. فعلى المسلم أن يختار أقوم الطريقين وأحسن السبيلين، أعني سبيل التصديق والإيمان عوضًا عن التكذيب والنكران.

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمؤمنين، فاستغفروه إنه غفور رحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: كم يلبث المسيح الدجال في الأرض؟ سؤال سأله الصحابة للنبي فكانت الإجابة: (( أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ ) )، فقالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: (( لا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ ) )أخرجه مسلم.

وهذا الحديث يدل على كمال تصديق الصحابة لنبينا ، ولولا هذا السؤال منهم والإجابة عليه لأنكره كثير من المفكرين والمنظرين، كأني بهم وقت ذاك يقولون: هذا دليل على الشدة والكرب! وأن أول يوم من ظهوره يشق أمره، تمر الساعات بطيئةً حتى يكون اليوم كسنة! ولكن الله سلَّم بطرح هذا السؤال والإجابة عليه، فهو يوم تطلع الشمس فيه ولا تغرب إلا بعد أربعين وستمائة وثمانية آلاف ساعة؛ ولذا سأل الصحابة: أتكفي صلاة يوم واحد؟ فبين أنه لا بد في كل أربع وعشرين ساعة من خمس صلوات، وهكذا التقدير في اليومين اللذين كشهر وأسبوع.

عباد الله، كيف يتقي المسلم هذه الفتنة؟ تُتقى بأمور:

الأول: بتصحيح المعتقد في الله، فمن علم أسماء الله وصفاته علم أن لله عينين وأنه ليس بأعور والدجال أعور، وعلم أن الله تعالى لا يأكل ولا يشرب والدجال يأكل ويشرب، والله لا يُرى في الدنيا والدجال يُرى.

الثاني: بالاستقامة على دين الله وسلوك سبيل الصالحين، فإن النبي قال: (( إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ) )أخرجه مسلم، أي: والله يتولى المسلم، والمسلم الذي يحظى بحفظ الله هو الصالح، قال تعالى: وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف: 196] .

وقد ثبت في سنن ابن ماجه أنَّ شابًا صالحًا لا يقدر الدجال على زعزعة إيمانه بشبهاته، قال: (( وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يُسَلَّطَ عَلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، فَيَقْتُلَهَا وَيَنْشُرَهَا بِالْمِنْشَارِ، حَتَّى يُلْقَى شِقَّتَيْنِ ثُمَّ يَقُولَ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا، فَإِنِّي أَبْعَثُهُ الآنَ ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرِي، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ وَيَقُولُ لَهُ الْخَبِيثُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَأَنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ، أَنْتَ الدَّجَّالُ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ بَعْدُ أَشَدَّ بَصِيرَةً بِكَ مِنِّي الْيَوْمَ ) ). إن الإيمان إذا تمكن من القلب لهو أرسخ فيها من رسوخ الجبال في الأرض.

الثالث: أن يُتعوَّذ بالله بعد التشهد في الصلاة من فتنته، قال: (( إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ) )أخرجه البخاري ومسلم.

الرابع: حفظ عشر آيات من أول الكهف؛ لقول النبي: (( مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنْ الدَّجَّالِ ) )وفي راوية: (( من آخر ) )أخرجه مسلم. وقال: (( من أدركه فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف ) )أخرجه مسلم. وحري بالمسلم أن يحفظ هذه السورة كلها ويرددها كل جمعة؛ لقول النبي: (( إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين ) )أخرجه الحاكم.

الخامس: الفرار منه؛ لقول النبي: (( مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ ) )أخرجه أحمد وأبو داود.

وأما هلاك الدجال فعلى يد عيسى ابن مريم عليه السلام عند باب لد، فإذا قُتل خنس أتباعه من اليهود، فاختبؤوا وراء الحجر والشجر، فيُنطق الله الحجر والشجر، قال: (( فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ الدَّجَّالُ ـ أي: إلى عيسى ـ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، وَيَنْطَلِقُ هَارِبًا، وَيَقُولُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلام: إِنَّ لِي فِيكَ ضَرْبَةً لَنْ تَسْبِقَنِي بِهَا، فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ اللُّدِّ الشَّرْقِيِّ فَيَقْتُلُهُ، فَيَهْزِمُ اللَّهُ الْيَهُودَ، فَلا يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ يَتَوَارَى بِهِ يَهُودِيٌّ إِلا أَنْطَقَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ لا حَجَرَ وَلا شَجَرَ وَلا حَائِطَ وَلا دَابَّةَ، إِلا الْغَرْقَدَةَ فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرِهِمْ لا تَنْطِقُ، إِلا قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ الْمُسْلِمَ، هَذَا يَهُودِيٌّ فَتَعَالَ اقْتُلْهُ ) )أخرجه مسلم.

نسأل الله أن يقينا عذاب جهنم والقبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت