فهرس الكتاب

الصفحة 1434 من 5777

صفات المفتين وخطورة الطعن في العلماء

العلم والدعوة والجهاد

العلم الشرعي

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

1-الموقف السلبي الذي وقفته حاشية الملك. 2- النهي عن أن يتكلم في المسائل الهامة كل

أحد. 3- يشترط فيمن يتكلم في الأمور الهامة أن يكون معروفًا صادقًا عالمًا. 4- من لا يصلح

مصدرًا للعلم ولا للعمل. 5- خطورة الفتوى ، وتهيّب السلف منها. 6- اجتراء الناس على

الفتيا في هذا الزمان.

أما بعد:

فقال الله تعالى: وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون [يوسف:45-46] .

نستعرض اليوم هذا المشهد من مشاهد تلك القصة القرآنية العظيمة الشريفة، قصة يوسف عليه السلام، ونستجلي ما فيه من الدروس والعبر، وهو مشهد سبقه آخر، تجلى في الذي قبله؛ الموقف السلبي الذي وقفته حاشية الملك، فحاولت أن تصرفه عن الاهتمام بتلك الرؤيا التي رآها وطلب منهم تفسيرها أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين.

انظروا كيف جرهم موقفهم السلبي إلى الوقوع في التناقض، إلى ادعاء العلم وادعاء الجهل في آن واحد، ادعوا العلم أولًا فحكموا على المسألة بأنها أضغاث أحلام ثم ادعوا الجهل بتأويل الرؤى وهذا تناقض، وهكذا يكون حال الحاشية عندما تكون فاقدة للأهلية مفتقرة للنية الصحيحة والمقصد السليم، وفي هذا المشهد والذي قبله نلحظ أن المسألة من المسائل الهامة المتعلقة بالأمة بالرعية بالمصالح العامة وليست مجرد رؤيا عابرة بل كانت تلك الرؤيا لمحة من الضوء لتنبه المسؤول الأول عن تلك الأمة إلى خطورة الحال وإلى خطورة الاستمرار عليه فالبقرات السمان ستأكلهن البقرات العجاف، والسنبلات الخضر ستبتلعهن السنبلات اليابسات إذا لم يتم تدارك الحال، ولابد أن صاحب الرؤيا شعر بأن فيها علمًا يجب استكشافه لذلك قال: أفتوني بينوا لي علمًا استفيد منه ثم تأملوا قول ذلك الذي نجا من السجينين اللذين كانا مع يوسف في السجن، وادكر بعد أمة، تذكر صاحبه يوسف، بعد زمن طويل بمناسبة هذه الرؤيا التي رآها الملك، ماذا قال ليوسف عندما أقبل إليه في السجن يطلب منه تأويل تلك الرؤيا: يوسف أيها الصديق أفتنا ، يوسف أيها الصديق أفتنا إذًا، فالمسائل الهامة المتعلقة بالأمة بالرعية بالمصالح العامة ومن باب أولى ما كان متعلقًا منها بالدين لا يتكلم فيها كل أحد، كما لا يتصرف فيها كل أحد، لا يتكلم فيها المجهولون، فمن كان مجهول الحال، مجهول المقاصد، مجهول العقائد، مجهول الولاء، لا نعرف ولاءه لمن، لله أم لغيره، لا يصلح من كان هذا حاله أن يكون مصدرًا لا للعلم ولا للعمل، لا يصلح أن نأخذ عنه أمر ديننا، ولا أي مصلحة من مصالحنا العامة، لا يتكلم في مثل هذا المقام إلا من كان معروفًا كما كان يوسف معروفًا لذلك السائل أنه يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، سليل الأنبياء والمصلحين، وهل نسي ذلك السائل قول يوسف عندما كان معه في السجن واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب [يوسف:38] . إذًا فقد كان معروفًا لديه، كان معروفًا لديه، وهذا هو أول شرط، لا نأخذ ديننا ولا مصالحنا عن المجهولين.

الشرط الثاني: أن يكون محلًا للصدق، أن يكون أمينا على الدين والدنيا، أن يكون صادقًا في مقاصده، وأهدافه، صادقًا في أقواله، صادقًا في أفعاله، أتسلّم مالك لأحد لا تعرف أمانته ولا أهليته ليستصلحه لك؟! فكيف تسلم دينك لمن لا تعرف أمانته وصدقه، الصديق هذا هو الوصف الثاني من أوصاف يوسف الذي نوّه به ذلك السائل، والصديق في اللغة مبالغة من الصدق.

والشرط الثالث: أن يكون من أهل العلم، الذين هم أهل الذكر، والذين هم أولو الأمر، فحيثما جاء في القرآن أولو الأمر فالمقصود بهم أولو العلم أهل الذكر، أن يكون من أهل العلم، فإنهم الذين يتكلمون في الملمات، ويفتون في أمور الأمة، إنهم الذين يتكلمون باسم الدين، ويوقعون عن رب العالمين.

يوسف أيها الصديق أفتنا لا تطلب الفتوى إلا من أهلها، أي بيِّن لنا مما آتاك الله من العلم، أوَينسى ذلك السائل قول يوسف له ولرفيقه الآخر الذي صلب بعد ذلك، قوله لهما عندما كانا في السجن: لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي [يوسف:37] .؟؟!

أفتنا بيِّن لنا من ذلك العلم الذي علمك ربك، بين لنا من ذلك العلم الذي علمك ربك، إذًا لا يحل أن يتكلم في الفتوى ولا في أمور العلم ولا في أمور الأمة، ولا ينطق باسم الدين، لا يجوز أن يتكلم في شيء من هذا المقام إلا من تحققت فيه هذه الشروط الثلاثة، لا نأخذ ديننا ولا ما يهمنا من مصالحنا العامة إلا من العلماء المعروفين الصادقين، الذين تعرف الأمة كلهم صدقهم وأمانتهم وعلمهم وشجاعتهم، وأنهم يقولون الحق لا يخافون في الله لومة لائم.

أما المجاهيل، أما الذين فسدت نيتهم، وضاعت أمانتهم، وأخرسهم النفاق عن قول الحق، وأنطقهم حب التزلف والتقرب إلى السلاطين والحكام، أنطقهم بالباطل فهؤلاء لا يصلحون مصدرًا لا للعلم ولا للعمل، حتى ولو كانوا علماء، فإنهم إن كانوا علماء فهم أشباه أحبار اليهود، فأحبار اليهود علماء، سماهم القرآن علماء بني إسرائيل، لكنهم لم يكونوا أمناء، وأما إن كانوا جهالًا فحشفا وسوء كيلة، فقد ضموا آفة الجهل إلى الآفتين السالفتين، ضياع الأمانة، وفساد النية.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا [الإسراء:36] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

روي مرسلًا عن النبي أنه قال: (( أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ) ) [1] ، وعن البراء قال: (( أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله يسألون عن المسألة وما من رجل منهم إلا ويودّ أن أخاه كفاه ) ) [2] وفي رواية: (( فيرده هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى يرجع إلى الأول ) ).

يدل هذا على عظم هذا الأمر، وعظم هذه المسؤولية، فما تصدى للفتوى، وللتكلم باسم الدين، فقد تصدى لأمر عظيم، والمفتي، من نصب نفسه للمفتوى فإنه نصب نفسه للتوقيع عن رب العالمين. التوقيع عن أمره ونهيه عز وجل، ولذلك كان السلف يتهيبون من هذا المقام ويفرقون منه أشد الفرق والخوف، كان محمد بن سيرين وهو من أجلاء التابعين إذا سئل عن مسألة تغير لونه وتبدّل كأنه ما كان الذي كان، وكان الإمام مالك رحمه الله إذا سئل عن مسألة تغيّر حتى كأنه واقف بين الجنة والنار، وكان النخعي إذا سئل واستفتي ظهرت الكراهة على وجهه، وقال للسائل قبل أن يفتيه: ما وجدت أحدًا لتسأله غيري؟.

هكذا كان السلف يتهيبون من هذا المقام لأنهم يعلمون عظم المسؤولية فيه، وأنهم موقوفون بين يدي رب العالمين ومسؤولون عنه قبل الخلائق أجمعين. ولكن الناس اليوم يتسابقون إلى الفتوى، ويتكلمون باسم الدين، وقد اجترؤوا على العلم واستباحوا حماه، وأخذ كل من هب ودب يفتي ويوقع عن رب العالمين، وتصدى لهذا المقام العظيم من ليس من أهله فصار يقول: هذا حلال، وهذا حرام، وهذا فاسق، وذاك كافر، وهذا مبتدع، وذاك خارجي.

وأعظم وأشد علامة على الزيغ وسوء النية، وخبث الطوية تكفير الأئمة والطعن في العلماء حاضرهم وسالفهم، فإذا رأيت الرجل هذا حاله ففر منه كما تفر من المجذوم، فإن من هذا حاله فهو خبيث الطوية، سيئ النية والمقصد، وقدْ يندس بين المسلمين من ليس منهم، ليفرق جماعتهم، ويشوش حالهم، وأعظم وسيلة وأخطر وسيلة لتمزيق الأمة هو بلبلة أفكارها وهدم عقائدها والتشكيك في قادتها وأئمتها وعلمائها.

لماذا أصبحنا نرى اليوم هذه الظاهرة متفشية فيما بيننا، يتكلم باسم الدين ويوقع عن رب العالمين، كل من هب ودب، كل من شاء يتكلم عن الدين وباسم الدين، إنها لظاهرة خطيرة، تنذر بعواقب وخيمة، تنذر بعواقب وخيمة، فإن العلم والفكر والعقائد من أقوى الحوافز على الحركة وعلى العمل، على التصرف على الفعل لو كانوا يعلمون.

فتجب حماية العقيدة، يجب حراسة الدين، يجب حراسة حمى العلم، لا يتطفل عليه كل من هب ودب، وإن لم يتم تحقيق ذلك فستكون فتنة لا يعلم مداها إلا الله.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

[1] أخرجه الدارمي في سننه (1/69) عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. وهذا إسناد معضل ، عبيد الله وإن كان تابعيًا رأى الصحابي عبد الله بن الحارث بن جزء إلا أنه ليس له رواية عن الصحابة ، وقد ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (4/294) [1814] .

[2] أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم [2199 ، 2201 ، 2202] من كلام عبد الرحمن بن أبي ليلى وليس من كلام البراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت