فهرس الكتاب

الصفحة 4717 من 5777

أبي لا تسافر

موضوعات عامة

الترفيه والرياضة, السياحة والسفر

صالح بن عبد العزيز التويجري

بريدة

جامع الرواف

1-حوار بين فتاة وأبيها. 2- ميل النفوس إلى الاستجمام. 3- من فوائد الأسفار. 4- شروط السفر وآدابه. 5- الترفيه في الإسلام.

هند فتاة صغيرة، تحبّ الحياة، يلفعها الحياء وتكسوها الحشمة، متعلقة بوالدها الذي ملأ عليها الدنيا، إخوتها صالحون، متفوّقة في دراستها، وفي أيام امتحاناتها خطف سمعها تلك الأخبار السيئة التي تلوكها فتيات أضعن الحياءَ والحشمة يتحدّثن: متى تنتهي الاختبارات حتى ينطلق بنا آباؤنا إلى بلاد الشرق والغرب نلقي عنا الحجاب ونلبَس أضيق الثياب ونحضر أرقى الحفلات والسهرات؟ وتسمع هند بعض الهمسات من فتيات بائسات يتحدّثن عن آبائهن ممن يسافر في الإجازات لا يلوي على رعيّة أو ذرّيّة، يقترفون أنواع المحرمات من الفجور والمسكرات، حتى إذا عادوا لم يستَتروا بسِتر الله بل جاهروا، وكلكم معافى إلا المجاهرون. وفي أول أسبوع من الإجازة إذا بها تسمع جهاز الهاتف، رفعت لتسمع: السيد فلان، رحلتك على الدولة الفلانية مؤكدة ومقعدك محجوز. هالها ما سمعت، وأعيدت على أسماعها كلمات تلك الفتيات البائسات اللاتي تحدّثن عما يقترفه آباؤهن. هرولت هند إلى غرفة أبيها، قرعت الباب ليخرج أبوها وقد لبس لباسًا غريبًا، وهو يبتسم ابتسامة صفراء حيية: أهلًا هند، أبشّرك أني سأعود قريبًا، لن أتأخر، هند: إلى أين يا أبي؟ أبوها: عندي سفر ضروري مع بعض أصدقائي، هند: تنهمر دموعها وتقول: أبي، اذكرني هناك، فالأعراض محرّمة. يذهب والدها وتمسك هند بعتبة الباب فتذرف دموعًا بريئة ويتقطع قلبها حسرات: لماذا تسافر؟ وإلى أين ستذهب؟ وكم تصرف من وقت ومال؟ ومن يصحَبك في سفرك؟ وكيف تستفيد من الخبرات السابقة ممن سافروا إلى البلدان التي ستسافر إليها؟

أيّها المسلمون، وفي زَحمة التطلُّعات المتطاولةِ وفي ظلِّ التّواصل الكونيّ السّريع الموّاجِ بألوانِ السّلوك والطّبائع وعلى حين فُسحةٍ مِن الوقت ووفرةٍ وانعِطافِ الرّوح إلى جِبِلَّة التبسُّط المشروع تسعى النّفوس الكالّةُ من نمطيّة الأعمال اليوميّة ورتابَة المسؤوليّات الوظيفيّة إلى البَحث عن مواطن الإخلاد إلى الهَدأة والسّكون وارتيادِ مجالَي الاعتبار والادِّكار، إجمامًا للنّفوس واستبضاعًا لقوّتها ومتناهِي نشاطِها وزيادة معارف المسافر وعلومه، قال الخليفة المأمون:"لا شيء ألذ من السفر في كفاية، إنك كل يوم تحلّ محلة لم تحلها، وتعاشر قومًا لم تعاشرهم".

تغرب عن الأوطان تكتسب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفريج همٍّ واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد

قال الثعالبي:"من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار ومن بدائع الأقطار ومحاسن الآثار ما يزيده علمًا بقدرة الله تعالى، ويدعوه شكرًا على نعَمه"، وقال أبو الحسن القيرواني:"كتب إلي بعض إخواني: مثل الرجل القاعد كمثل الماء الراكد، إن ترك تغير، وإن تحرك تكدر".

عباد الله، ولئِن كانت أعلامُ الإجازة الصيفيّة قد رفرفت وبنودُها قد خفقَت وتفاوَتَ النّاس في اغتنامِ هذه الفرصةِ الذهبيّة بين ظالمٍ لنفسه وهم كثير ومقتصدٍ وسابِق بالخيرات بإذن الله، فينبغي أن يكون السفر في حدود بلاد الإسلام المحافظة، أما أن يكون إلى بقاعٍ وضيعة ومستنقعاتٍ محمومة وأماكن مشبوهة فلا، ما لم يكن ثَم ضرورة، مع المحافظة على شعائر الإسلام، لاسيما الصلاة، وهل يلقى بالحمل الوديع في غابات الوحوش الكاسرة والسباع الضارية؟! وقد ذكر أهل العلم شروطًا ثلاثة لجواز السفر إلى بلاد غير المسلمين: أن يكون عند الإنسان دينٌ يدفع به الشهوات، وعلمٌ يدفع به الشبهات، والضرورة الشرعية كعلاجٍ ونحوه.

فجديرٌ أيّما جدارةٍ بالمسلم الضَّنين بدينِه الشَّحيح بعمره وهو يقابل برامجَ الحياة بين الفراغ والانشغال أن تستوقفَه هذه الدرَّة النفيسة من دُرَر جوامع كلمِه، وأن تكونَ نصبَ عينَيه وملءَ روحه وشعوره، ألا وهي قوله:: (( اتَّق الله حيثما كنتَ، وأتبع السيِّئةَ الحسنة تمحُها، وخالقِ الناسَ بخلُقٍ حسن ) )أخرجه الترمذي وغيره بسند صحيح.

أيها المسافر، لا تسافر مع الذين أترعت قلوبهم بحب الشهوات، ولا ترافق الذين خلت أفئدتهم من مراقبة رب الأرض والسماوات، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27] ، ولكن رفيقًا يكون موافقًا في الطبع، راغبًا في الخير، إن نسي رفيقه ذكّره، وإن ذكر أعانه، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إذا سافرتم فاصحبوا ذوي الجود واليسر) ، وقال الأوزاعي:"لا يكون الرفيق فظًا غليظًا ضيق الأخلاق أو بخيلًا شحيحًا".

أخي المسافر، ماذا يحدث منك هناك؟ إن الكثير من السائحين يكون فتنةً للقوم الكافرين، يرون منه ضعف دين ودناءة نفس وسوء تصرُّفات، ما يُزهِّدهم في دينه، ويصدّهم عن اعتناقه والدخول فيه، وأصبح بعض المسافرين لا يهمُّه إلاَّ إشباع غرائزه الثائرة وشهواته الهائجة بما حرَّم الله عليه من خمورٍ ومخدرات ورقصٍ ومجونٍ وخلاعة وفنونٍ وتعرٍّ وسفور، وكأنما الله تعالى يُعبَدُ في وطنٍ دون وطن، وفي زمنٍ دون زمنٍ، فحسبنا الله فيمن شوَّهَ دينه وأضاعَ عِرضه وأذهل عقله ونكَّس رأسه وفرَّط في عقيدته وأساء إلى أمَّته، ألم يتأمل مثل هذا ماذا يحدث بعده، أهله وأولاده، إخوته وأخواته، زوجه ومن يعول؟! متى يستشعر المسافر أنه صورة تعبر عن بلده ومجتمعه ودينه وأسرته من خلال تصرفه وتعامله؟! متى يجسد الأخلاق السامية التي يتميز بها دين الإسلام ويتحلى بها مجتمعه؟! متى يصبح المسافر داعية إلى الله بقوله وفعله، ويستشعر أنه على ثغر من ثغور الإسلام؟!

أيها المسافر، إن كنت أبًا فلك ذرية، وإن كنت زوجًا فلك زوجة، وإن كنت ابنًا فلك أم، وإن كنت أخًا فلك أخوات وقريبات. فهل استشعرت قيمة الأعراض وقد أصبح واقعًا أن الاعتداء على العرض دَين يقضى من عرض المعتدي؟! ألم تهزك تلك الكلمة الصادقة التي خرجت من فيّ ابنتك المكلومة حين تقول: يا أبت، اذكرني هناك؛ الأعراض محرمة؟!

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الحمد لله على إحسانه، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وآله وإخوانه وأتباعه.

أما بعد: عباد الله، الترفيه لا يعني الإخلال بالقيم والثوابت، ولا الخروج على مسلّمات الدين والأعراف، فهناك الاستجمام والانبساط، وهناك الإهمال والضياع، فاختر لنفسك موقعًا يليق بك.

ولا يعني تهيئة عوامل الترفيه والترف ترك التوجيه والمتابعة، فليس الترفيه والمرح بديلا عن التربية واليقضة لفوضى العلاقات الاجتماعية وانفلات القيود والضوابط التي تحكم الأسرة.

عباد الله، تذكروا من عاد من سفره وقد علِقت به الأمراض ودبَّت في بدنه الأسقام، وربما يرجع أحدهم وقد أدمن المسكرات ووقع في المخدرات. وكم من أناسٍ عادوا في التوابيت، موتى لا حراك لهم! وعلى أيِّ حالٍ كانت نهايتهم؟ وبأي عملٍ خُتم لهم؟ وعلى أيِّ أمر طويت صحائفهم؟

إنَّ السعيدَ لهُ في غيره عِظةٌ وفي الحوادثِ تحكيمٌ ومعتبرُ

أيها الأخ المبارك، وقد وقفت الإجازةُ على الأبواب، ومهما بالغت في وسائل الترفيه والترويح فسوف تمل النفس وتتوق إلى البدائل، إذًا فالترفيه ليس آخر المشوار ولا منتهى المطالب، فهل رسمت لنفسك وأهلك الأهداف الحقيقية والطرق الموصلة؟! وهل شاركتهم في صناعة الهدف وصحبتهم إليه؟! قال السيوطي:"تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام، فينشؤون على الفطرة، وتسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة قبل تمكن الأهواء منها وتسويدها بأكدار المعصية والضلال". ثمة مناشط على الأبواب عسى أن تفرد بخطبة لاحقة تشخيصًا وإشادة، وسائل ومحاذير، تجاوز أو تحجيم.

وصلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير، أنقذ الله به من اتبعه من عذاب السعير.

اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه الأخيار ما تعاقب الليل والنهار.

اللهم احفظ علينا ديننا وأمننا، وأصلح ذات بيننا واجمع شملنا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت