فهرس الكتاب

الصفحة 1588 من 5777

دعائم البيت المسلم 1

الأسرة والمجتمع

قضايا الأسرة

سعيد بن يوسف شعلان

جدة

عمار بن ياسر

1-دور المسجد والبيت والمدرسة في عملية الإصلاح. 2- فساد نظرة الناس في مسألة الزواج

وآدابه. 3- حكمة الزواج وحث الإسلام عليه. 4- مبنى الشريعة الإسلامية على التيسير

والاقتصاد. 5- جواز استعمال الطيبات والاستمتاع بها. 6- صفات المرأة التي ينبغي أن

يخطبها المؤمن لنفسه.

أما بعد:

فإن للمسجد والبيت والمدرسة أثرًا عظيمًا في صلاح المجتمع الإسلامي واستقامة أفراده وانتشار الفضائل واختفاء الرذائل وحب فعل الخيرات وترك المنكرات، هذا إذا قام المسجد بدوره في الدعوة إلى الله وبيان الحق ونشر العلم النافع وتعريف الناس بحق الخالق عليهم وحق الخلق، وكذلك إذا قام البيت بدوره والمدرسة.

والكلام هنا أيها الأخوة الكرام على البيت بصفة خاصة، فإن كثيرًا من بيوت المسلمين قد تخلفت عن دورها المنوط بها لما أقيمت على دعائم غير راسخة وأسس غير متينة، فدعائم البيت المسلم وأسسه زوجان صالحان تقيان يعرفان ما لله عليهما وما للناس، ويعرف كل منهما ما للآخر عليه، ويعرفان ما لأولادهما عليهما من الحقوق، ويعرفان كيف يربيانهم وينشآنهم ويغرسان فيهم حب الله وحب رسوله وحب الطاعات والإقبال عليها والتأدب بالآداب الإسلامية من حسن خلق وبر وصدق وتوقير للكبير ورحمة للصغير وإكرام للضيف وحياء وتواضع وغير ذلك من الآداب الإسلامية الكبيرة.

ونظرًا لما دب في المسلمين من الضعف والهوان والذل في العصور الأخيرة فقد تغيرت نظرة كثير من أولياء الزوجين إلى ما ينبغي مراعاته في أمور الزواج وتغيرت نظرة الزوجين أنفسهما كذلك، فصار قاصرو النظر من المسلمين يقلدون ويحاكون في الزواج من يرونهم أهلًا للتقليد من وجهة نظرهم من غير المسلمين في الغرب والشرق على حد سواء، فلم يعد الزواج أصلًا يبادر إليه الشباب إذا بلغوا النكاح، فتراهم مؤثرين لما يزعمونه من الحرية، وهو التحلل في الحقيقة من كل قيد، هاربين من الزواج الذين يظنونه بل يصفونه بأنه رق وحبس.

وليس الزواج كذلك بل هو رابطة كريمة بين المسلم والمسلمة تحت راية من رضى الله تبارك وتعالى ومباركته على الزوجين. هكذا أصبحت النظرة إلى الزواج.

وساعد على احترام آراء غير المسلمين وعدم احترام هذه الرابطة الكريمة التي يرضاها الله تبارك وتعالى ما أصبح يشترط في الزواج من شروط لا دليل عليها من كتاب أو سنة كاشتراط المركز الاجتماعي والحسب والنسب، ولو تخلف الدين والخلق، وكاشتراط مهور باهظة مبالغ فيها وكاشتراط تزويج الكبرى قبل الصغرى وغير ذلك من الشروط السائدة في هذه الأيام التي أبعد بها أصحابها عن إرادة وجه الله والدار الآخرة.

ورحم الله الإمام الصنعاني إذ قال: وللناس في هذه المسألة عجائب لا تدور على دليل غير الكبرياء والترفع، ولا إله إلا الله كم حرمت المؤمنات النكاح لكبرياء الأولياء واستعظامهم لأنفسهم. ثم قال: اللهم إنا نبرأ إليك من شر ولده الهوى وسباه الكبرياء.

ومن هنا فإن على كل مسلم أن يرجع في أمور الزواج وغيرها إلى الكتاب والسنة، فتعالوا أيها الإخوة الكرام نتعرف على ما أرشد إليه الكتاب والسنة في أمور الزواج لنعرف ما السبب في تحول بيوت المسلمين عن دورها إلى مباءة فساد وتنشئة أجيال تعيث في الأرض فسادًا ولا تطلِع بالمسؤوليات الملقاة على عاتقها للتقدم بالإسلام والمسلمين نحو ما يحب الله تبارك وتعالى ويرضاه وأرشد إليه رسوله من نشر الحق في ربوع الأرض والقيام بأمر الله تبارك وتعالى.

لقد حث الإسلام أيها الأخوة الكرام على الزواج وكره تركه لمن يقدر عليه، حض عليه وكره تركه لمن يقدر عليه قال الله تعالى في سورة النساء: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وقال في سورة الروم جاعلًا الزواج آية من الآيات التي يتفكر فيها: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. والسكن هو الاطمئنان بالقلب والبدن.

وقال في سورة النحل ممتنًا على عباده بنعمة الزواج والأولاد والرزق من الطيبات والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله: (( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) ) [متفق عليه] .

(( يا معشر الشباب ) )المعشر جماعة يشملهم وصف ما، والشباب اسم لمن بلغ النكاح إلى أن يكمل الثلاثين على الصحيح، ووقع خطابه للشباب خاصة لأنهم مظنة الشهوة للنساء فأرشدهم أنه من كان منهم قادرًا على الوطء مستطيعًا لمؤنة الزواج فليتزوج فإنه أغض للبصر أي أشد غضًا للبصر وأحصن للفرج أي أشد إحصانًا للفرج ومنعًا له من الوقوع في الفاحشة، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، ذلك لما فيه من الجوع ومنع مثيرات الشهوة ومستدعيات طغيانها، وشبه رسول الله الصوم بالوجاء، وهو الاختصاء كما وقع تفسيره مدرجًا عند ابن حبان، شبه الصوم بالوجاء لأن الصوم يضعف شهوة النكاح.

وعن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها أي عدوها قليلة، فقالوا: أين نحن من رسول الله ؟ قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر أي أنه قليل القدر في العبادة لأنه قد سبقت له المغفرة ولكنا لسنا كذلك، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا،ً وقال الآخر: فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: فأعتزل النساء فلا أتزوج.

فجاء رسول الله إليهم فقال: (( أنت قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ).

أرشد صلى الله عليه وآله وسلم أن المشروع هو الاقتصاد في العبادات دون الإنهاك والإضرار بالنفس وهجر المألوفات كلها، وأن هذه الملة المحمدية مبنية شريعتها على الاقتصاد والتسهيل والتيسير وعدم التعسير يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر.

قال الطبري: في الحديث الرد على من منع استعمال الحلال من الطيبات مأكلًا وملبسًا، وأما قوله تعالى في سورة الأحقاف: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فالحق أن هذه الآية في الكفار كما قال القاضي عياض، وأول الآية يدل على ذلك قال الله تعالى: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها.

وقد أخذ النبي بالأمرين فلم يترك استعمال الحلال من الطيبات ولم يسرف في ملازمتها، والأولى التوسط في الأمور وعدم الإفراط في ملازمة الطيبات، فإنه يؤدي إلى الترفه والبطر ولا يؤمن من الوقوع في الشبهات، فمن اعتاد ذلك فلا يجده أحيانًا فلا يستطيع الصبر عنه فيقع في المحذور، كما أن من منع من تناول ذلك أحيانا قد يفضي به إلى التنطع وهو التكلف المؤدي إلى الخروج عن السنة، وخيار الأمور أوسطها.

وأراد بقوله: (( فمن رغب عن سنتي فليس مني ) )أي ليس من أهل طريقتي، ليس من أهل الحنيفية السهلة، فإن الأخذ بالتشديد في العبادات يؤدي إلى الملل القاطع لأصلها، والملازمة على الاقتصار على الفرائض مثلًا يفضي إلى عدم النشاط إلى العبادة ويفضي إلى البطالة، وخيار الأمور كما سبق أوسطها، بل الذي يتعين على المسلم أن يفطر ليقوي على الصيام، وينام ليقوي على القيام، وينكح النساء ليعف نظره وفرجه.

وقيل: إن أراد من خالف هديه وطريقته أن ما أتى به من العبادة أرجح مما كان عليه فالمعنى ليس مني أي: ليس من أهل ملتي.

إن اعتقاد ذلك يؤدي إلى الكفر والعياذ بالله، وفي أحاديث النبي الكثير مما يحث على الزواج وكراهية تركه لمن يقدر عليه اكتفيت منها بهذا القدر، وأسأل الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله فأولئك هم أولو الألباب.

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا وسيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

أيها الأخوة: بيّن النبي الصفة التي لأجلها تنكح المرأة والتي لأجلها يقبل الرجل زوجًا فقال في صفة المرأة ما أخرجه الإمام أحمد وصححه ابن حبان عن أنس قال: كان رسول الله يأمرنا بالباءة وينهى عن التبتل، وينهانا عن التبتل نهيا شديدًا ويقول: (( تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة ) ).

والتبتل هو الانقطاع عن النساء وترك النكاح انقطاعًا إلى عبادة الله، هذا قد نهى النبي وقال فيما أخرجه الطبراني عن سعد بن أبي وقاص: (( لقد أبدلنا الله بالرهبانية الحنيفية السمحة ) ).

ثم الصفة التي قالها النبي للمرأة ورغب في الزواج منها هي المرأة الولود، معناها: كثيرة الولادة، ويعرف ذلك في الأبكار بحال قرابتها، والودود هي المحبوبة بكثرة ما هي عليه من خصال الخير وحسن الخلق والتحبب إلى زوجها.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ) ) [متفق عليه مع بقية الجماعة] .

هذا الحديث بيّن فيه النبي أن الذي يدعو الرجال إلى التزوج إحدى أربع: إما الحسب وإما الجمال وإما المال وآخرها عند الرجال ذات الدين.

فأمرهم أنهم إذا وجدوا ذات الدين ألا يعدلوا عنها، ولهذا قال لمن لم يظفر بذات الدين: تربت يداك أي التصقت بالتراب من الفقر.

وفي الحديث دليل على أن مصاحبة أهل الدين في كل شيء هي الأولى لأن مصاحبهم يستفيد من أخلاقهم وبركتهم وطرائقهم، والزوجة هي أولى من يعتبر دينه لأنها ضجيعته وأم أولاده وأمينته على ماله وعلى منزله وعلى نفسه، فينبغي أن ينظر إلى دينها قبل النظر إلى ما سواه.

ثم إنه قد نهى عن نكاح المرأة لغير الدين فقال فيما رواه عنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وأخرجه ابن ماجه وغيره: (( لا تنكحوا النساء لحسنهن فلعله يرديهن ) )لعل الحسن يكون سببًا في الردى والسقوط والدلال (( ولا لمالهن فلعله يطغيهن ) )لعل المال يكون سببًا في الطغيان (( وانكحوهن للدين، ولأَمَة سوداء خرقاء ذات دين أفضل ) ).

أما إذا انضم إلى الدين صفات أخرى مرضية، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ثم بين النبي كذلك الصفة التي يقبل الرجل لأجلها زوجًا فقال: فيما أخرجه الترمذي بسند حسن عن أبي حاتم المزني قال رسول الله: (( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. قال ذلك ثلاث مرات ) ).

وعد أولياء الزوجات إذا ردوا من كان ذا دين وخلق أنهم سيتسببون في فتنة وفسادً كبير في الأرض، وهنا ينبغي أن يقال أن اعتبار الدين في الرجل أكثر أهمية من اعتباره في المرأة لأن الرجل يمكنه مفارقة الزوجة غير ذات الدين بالطلاق، ولكن الزوجة لا يمكنها مفارقة الزوج غير ذي الدين إلا بمشقة، فينبغي إذًا أن يتريث وأن يتأمل في الخاطب وأن يعتبر فيه الدين قبل كل شيء.

ولقد انصب نظر الكثيرين من الرجال عند التقدم للنساء إلى اشتراط المظهر الخارجي دون النظر إلى الجوهر والمخبر، ولهذا ما تلبث البيوت أن تقام حتى تهدم من جديد كأنها لم تكن بالأمس قائمة، والسبب في ذلك أن هذا المظهر الذي يعتني به أهل الخطاب ما يلبث أن يزول أثره وتبقى الحاجة إلى الرحمة والمودة والرعاية والأمانة وغير ذلك من الصفات التي لا يأتي بها ولا يؤدي إليها ولا يوجدها إلا الدين والالتزام بالدين.

هذا وسيأتي مزيد لبيان ذا في الخطب القادمة إن شاء الله وقدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت