فهرس الكتاب

الصفحة 5081 من 5777

مع سورة ق(3)

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

الجنة والنار, القرآن والتفسير

عبد العزيز بن أحمد الغامدي

جدة

جامع الأميرة العنود

1-طلب النار للمزيد. 2- جزاء المؤمن يوم القيامة. 3- إهلاك الله تعالى للأمم الطاغية. 4- الأمر بالصبر وذكر الله تعالى وعبادته.

وبعد: عباد الله، كلنا راحلون من هذه الدنيا، فلنتزود لهذا الرحيل، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: 197] .

إخوة الإيمان، نختم اليوم الحديث في سورة ق.

يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: 30-35] .

هذه الآيات تخويفٌ من الله لعباده، وذكرى يذكِّر بها النبيُّ قومَه وأمتَه: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ ، وذلك من كثرة ما أُلقي فيها، فتنطق وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ أي: لا تزال تطلب الزيادة من المجرمين العاصين؛ من الجن والإنس، غضبًا لربها، وغيظًا على الكافرين، وقد وعدها الله مَلأها، كما قال تعالى: لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، قال: (( تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثِرت بالمتكبّرين والمتجبّرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقَطهم؟! قال الله عز وجل للجنّة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكلِّ واحدة منكما ملؤُها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضعَ رجلَه فيها؛ فتقول: قطٍ قطٍ، فهنالك تمتلئ، وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحدا، وأما الجنة فإنّ الله عز وجل ينشئ لها خلقا آخر ) )يعني لتمتلئ.

وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ أي: قُرّبت الجنة للمتقين بحيث يشاهدونها في الموقف زيادةً في المسرة لهم، وينظرون ما فيها من النعيم المقيم والحبرة والسرور، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإنما أزلفت وقربت لأجل المتّقين لربهم، التاركين للشرك صغيرِه وكبيره، الممتثلين لأوامر ربهم، المنقادين له، ويقال لهم على وجه التهنئة: هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ أي: هذه الجنة وما فيها مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين هي التي وعد الله كل أوَّابٍ رجَّاع إلى الله، تائب مما زلّ فيه من المعاصي، منيب إلى الله في جميع الأوقات، بالفرائض والنوافل والذكر والدعاء والاستغفار والتوكل، حبًا لله سبحانه وخوفًا من عذابه، ورجاءً في رحمته وكرمه، حَفِيظٍ حافظٍ لحدود الله ومحافظٍ على فرائضه وطاعته.

والأوّاب الحفيظ هو مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ، خاف الله في الدنيا قبل أن يلقاه في الآخرة، رجاء رحمته وخوفَ عقابه؛ فلازم خشية الله في الغيب والشهادة.

وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ بقلبٍ مخلصٍ منيبٍ إلى مولاه، راجعٍ منجذبٍ إلى مراضيه، خاف الله في الدنيا ولقيه يوم القيامة من المنيبين التائبين، ويقال لهؤلاء الأتقياء الأبرار: ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ أي: دخولًا مقرونًا بالسلامة من العذاب والآفات والشرور؛ مأمونًا فيه من جميع المكاره، وبسلامة من زوال النعم، فلا انقطاع لنعيمهم، ولا كدر ولا تنغيص، وبسلام من الله وملائكته عليهم، ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ الذي لا يزولون عنه، ولا يزول عنهم.

لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ أي: لهم في الجنة كلُّ ما يريدون، مما تشتهي أنفسهم وتلذ أعينهم، من فنون النعم وأنواع الخير، ولهم فوق ذلك مَزِيدٌ ثوابٌ يمدهم به الرحمن الرحيم، من النِعَم التي لم تخطر لهم على بال، ولا مرَّت لهم في خيال، وأعظم ذلك وأجله وأفضله النظرُ إلى وجه الله الكريم، والتمتعُ بسماع كلامه، والتنعمُ بقربه، ورضوانُه الدائم، قال رسول الله: (( إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ يقول الله عز وجل: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟! ألم تدخلْنا الجنةَ وتنجِّنا من النار؟! قال: فيكشف الحجاب؛ فما أُعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ) )، ثم تلا هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ رواه مسلم.

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: 36، 37] .

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ، يخبر تعالى أنه أهلك أمما كثيرة ممن كذبوا رسلَه، هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا ، هم أشدُّ قوةً وسطوةً وآثارًا في الأرض ممن كذبوا محمدًا ، فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ ، سارَوا وتقلبوا فيها وطافوا بقاعَها، وبنَوا الحصونَ المنيعة والمنازل الرفيعة، وغرسَوا الأشجار، وأجرَوا الأنهار، وزرعوا وعمَّروا ودمَّروا، فلما كذَّبوا رسلَ الله وجحدوا آياتِ الله أخذهم الله بالعقاب الأليم والعذاب الشديد، فـ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ هل لهم من مهرب يهربون إليه؛ يتخلصون به من العذاب؟! أي: ليس لهم مفر ولا منقذ من عذاب الله، حين نزل بهم، فلم تغن عنهم قوتهم ولا أموالهم ولا أولادهم.

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى ، إن ما ذكر في هذه السورة ومن ذلك ما ذُكر من إهلاك القرون الماضية وقَصصهم لعبرة وموعظة، لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ قلب عظيم حي ذكي زكي يعقل به، فصاحب هذا القلب إذا ورد عليه شيءٌ من آيات الله تذكر بها وانتفع وارتفع، وكذلك ينتفع بالذكرى من أَلْقَى السَّمْعَ: أصغى سمعه إلى آيات الله ووحيه، واستمعها استماعًا يسترشد به، وقلبه شَهِيدٌ فهو حاضرُ القلب والفهم غيرُ غافل.

فالقرآن للمؤمنين ذكرى وموعظةٌ، وهدى وشفاء، أما المعرض الذي لم يُلْقِ سمعَه إلى الآيات والوحي فهذا لا تفيده شيئًا؛ لأنه لا قبول عنده، ولا تقتضي حكمةُ الله هدايةَ من هذه صفتُه.

اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن الكريم، وبهدي سيد المرسلين، واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين.

الحمد لله ولي المتقين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

وبعد: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [ق: 38-40] .

هذه الآيات إخبار منه تعالى عن قدرته العظيمة ومشيئته النافذة التي أوجد بها أعظم المخلوقات السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، قالت اليهود: واستراح يوم السبت، فأكذبهم الله؛ فقال: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ أي: من غير تعب ولا نصب. فالذي أوجدها على كِبَرِها وعظمتها قادر على إحياء الموتى من باب أولى وأحرى.

ثم أمر الله نبيه بالصبر: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ، بعني: من ذمٍ وتكذيبٍ، فإن الله لهم بالمرصاد، وأمر الله نبيه أن يشتغل عنهم وعن مقالاتهم الفاسدة بطاعته فقال: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي: بالصلاة والتسبيح وغيرهما، فتنزيه الله بالذكر تسبيح والقيام بالصلاة يُسمى تسبيحا؛ وذلك لما فيها من تسبيح، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ، هذا التسبيح بحمد الله يكون في أول النهار وآخره، وفي أوقات الليل، وأدبار الصلوات، فإن ذكر الله تعالى مع كونه عبادةً لله فهو مسلٍ للنفس، مؤنسٍ لها، مهونٍ للمصائب، مقوٍّ للصبر. وقيل أيضًا: المقصود: وصلِّ لربك حامدًا له صلاة الصبح قبل طلوع الشمس؛ وصلاة العصر قبل الغروب, وصلِّ من الليل , وسبِّحْ بحمد ربك عقب الصلوات، وصل مع الفرائضِ النوافلَ.

وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق: 41-45] .

وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ حين ينفخُ في الصورِ إسرافيلُ النفخةَ الثانية؛ صيحةَ البعث للقيامة، بعدها ينادي المنادي جبريل أو إسرافيل عليهما السلام: هَلُموا للحساب، ينادي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ من الخلق؛ فيصل النداء إلى كل فرد من أفراد المحشر. يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ ، كل الخلائق يسمعون تلك الصيحة المزعجة المهولة، يسمعونها بالحق الذي لا شك فيه ولا امتراء.

ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ من القبور، للاجتماع للحساب، بأمر وقدرة رب العالمين وحده، ولهذا قال: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ أي: نحيي الموتى ونميت الأحياء، وإلينا مصير جميعهم يوم القيامة للحساب والجزاء؛ فنجازي كل عامل بعمله، يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ تتصدعُ الأرضُ عن الموتى المقبورين بها؛ فيَخرجون ويُساقُون إلى المحشر، سِرَاعًا يسرعون لإجابة المنادي لهم إلى موقف القيامة، ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ بعث وجمع هيِّنٌ يسيرٌ سهلٌ على الله.

ثم ختم تعالى هذه السورة: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ، نحن ـ يا محمد ـ أعلم بما يقول هؤلاء المشركون بالله؛ من فريتهم على الله، وتكذيبهم بآياته ورسوله، وإنكارِهم قدرة الله على البعث بعد الموت، وكلِّ أقوالهم المحزنةِ للنبي ، وإذا كان الله أعلم بذلك فهو المعتني بنبيه، والناصرُ له على أعدائه، وهذا تطمين من الله لنفس النبي ، فلم يبق له إلا انتظارُ وعدِ الله والتأسي بأولي العزم من رسل الله، وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ مسلَّط عليهم فتقهرهم وتجبرهم على الإيمان؛ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ؛ ولهذا ختم سبحانه هذه الآيةَ والسورةَ: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ، وهذا أمر لنبيه وأتباعه بالتذكير بهذا القرآن، والحرص في ذلك التذكير على من ينتفعُ به؛ ممن يخاف الوعيد الذي أوعده الله من عصاه وخالف أمره، أما من عداهم فلا يُشتغل بهم عن غيرهم، وإنما يُذكَّرون إقامة للحجة عليه، لئلا يقولوا: مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَّلاَ نَذِيرٍ.

ثم بعد أن قويت دولة الإسلام في المدينة أمر الله نبيه مع الدعوة والصبر بالجهاد والقتال في سبيله ضد المعاندين المعارضين لدعوة التوحيد.

اللهم اجعلنا من أهل خشيتك الذين إذا ذُكّروا تذكروا، اللهم لا تجعلنا من الأشقياء الذين لا ينتفعون بالذكرى، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت