فهرس الكتاب

الصفحة 4323 من 5777

الإمام الراحل

الرقاق والأخلاق والآداب, سيرة وتاريخ

الموت والحشر, تراجم

محمد بن معطش آل مزوي

بيشة

جامع الدحو

1-استخلاف الله للبشر في الأرض. 2- نظرة في تاريخ البشرية. 3- لمحة عن نشأة الدولة السعودية. 4- من مآثر الإمام الراحل فهد بن عبد العزيز. 5- مبايعة الملك عبد الله. 6- أمور تخفف المصاب.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، فإن تقواه هي النجاة من المضائق والسلامة من العوائق والسلوى عند المصائب.

معاشر المسلمين، اقتضت حكمة الله تعالى أن يعيش البشر على هذه الأرض التي خلقهم منها، خلق الله آدم أبا البشر من تراب الأرض، ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه، فلما اكتمل خلقًا سويًّا أسجد له ملائكته وأدخله جنته، وبسبب المعصية أُخرِج من الجنة، وأُهبِط إلى الأرض يعمرها ويعبد الله فيها حتى يتوفّاه الله، وصدق الله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55] ، فهذه الأرض هي المنشأ وفيها العمارة وإليها القبر، هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود:61] . وهذه الأرض التي استخلفنا الله فيها تفسد بسبب ذنوب البشر، حيث ينقسم البشر فيها إلى كفار وملحدين ومؤمنين موحّدين، فهذه سنة الله كما قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ [البقرة:251] .

ولقد فسدت الأرض مرات ومرات، وكلما فسدت الأرض أرسل الله رسلًا مبشّرين ومنذرين يصلحون ما أفسد الناس، ويعيدونهم إلى الجادّة والطريق المستقيم. ولا يزال هذا أمر الله في خلقه كلّما أفسدوا الأرض أرسل لهم رسلًا يدعونهم للتوحيد، ويعلمونهم ما يصلح لهم الدنيا والآخرة.

وانظروا أين قوم نوح، وأين قوم عاد وقوم صالح وقوم لوط وأصحاب الأيكة وأصحاب الرس وثمود وقرونًا بين ذلك كثيرًا؟ لقد بادوا.

وإن الله تعالى قد نظر إلى أهل الأرض عَرَبَهم وعَجَمَهم، فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب، ثم نظر إلى أهل الأرض فرحمهم، فأرسل لهم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي، فأكرمه بالرسالة، ومَنَّ على المؤمنين ببعثته، فكانت رسالته عالمية ودعوته عامة لجميع أهل الأرض؛ يهود ونصارى ومجوس ووثنيين وعرب وعجم على اختلاف ألوانهم وبيئاتهم، فأتم الله به الدين، وأقام به معالم الملة، ثم انتقل صلوات الله وسلامه عليه إلى جوار ربه بعد أن قال الله له وفيه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] ، إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30] ، ثم توالى على نهج محمد الخلفاء الراشدون، فانتشر الإسلام في أرجاء الأرض.

ثم قامت دول وممالك وملوك وخلفاء، يخلف بعضهم بعضًا في نحو من ألف وأربعمائة سنة، وكل تلك النظم والدول التي قامت تتفاوت في اتباعها لنهج محمد ، والتاريخ يحمل في سِجِلاّته تاريخ هذه الأنظمة، إلا أن مما سجّله التاريخ بمدادٍ من ذهب على غُرّة جَبِين التاريخ ليصبح شامة في جبينه تلك المفاخر التي يزدان بها تاريخ الأئمّة الهداة أنصار الحق وبناة المجد ومحقّقي العدل والسلام في الأرض من أسرَة آل سعود الأَشَاوِس، تلك الأسرة المباركة العريقة النسب، العربية المَحْتِد، التي يرجع نسبها إلى بني ربيعة بن أسد، تلك الأسرة التي توالت على حكم الجزيرة العربية منذ أكثر من ثلاثمائة سنة، حيث لما أظلمت الدنيا وفسدت الأنظمة الحاكمة في ديار الإسلام خرج الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يدعو من قلب نجد إلى منهج محمد وإعادة الناس إلى ما كان عليه، ففاز بشرف النصر والمؤازرة مؤسس الدولة السعودية الأولى الإمام محمد بن سعود رحمه الله، فبنى دولة إسلامية تحكم بشرع الله، وتهتدي بهدي رسول الله ، وتلزم الناس به، ثم قامت الدولة السعودية الثانية على يد مؤسسها الإمام تركي بن عبد الله رحمه الله، ثم قامت الدولة السعودية الثالثة على يد مؤسسها الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل رحمه الله، الذي جمع الله له شَتَات الجزيرة، ووحّد له أهلها وأرضها، فأصبحت مملكة تستمدّ منهجها من كتاب الله وسنة رسوله.

وهذه الأدوار السعودية الثلاثة قد مر كل دور منها بظروف سياسية واجتماعية لها خصوصياتها، إلا أن الدور السعودي الثالث كان له من الظروف الحرجة والسياسات المعقّده ما يستوجب من كل مسلم أن يحمد الله تعالى على أن أوجد هذه الدولة وهذا الدور في تلك الظروف والحال.

هذا، ولئن كان الملك عبد العزيز رحمه الله قد أسس الدولة وبنى الأساس وجمع الشتات بمنّ الله تعالى فإن أبناءه الذين توالوا على الحكم بعده كان لهم ـ بعد الله ـ الفضل في الذبّ عن دين الله وأرض الله وعباد الله من عاديات الشرور التي تحيط بهم من كل جانب، وتفتح أبوابها من كل حَدَب وصَوْب؛ شيوعية حمراء ويهودية ملعونة تريد قهر الشعوب وسَحْق الإسلام وأهله. وتزامنت هذه الأنظمة الكافرة الحاقدة في زمن واحد، وإن كان بينها تباين فهدفها واحد، وهو احتلال أرض المسلمين وطَمْس هويتهم بشتى الطرق والوسائل.

فأخرج الله للأمة هذه الثُّلَّة الكريمة من ملوكِ الإسلام التي لعبت مع هذه الأنظمة بِحِنْكَة وسايَسَتْها بجدارة، مما كان له بفضل الله تعالى كسب المواقف والذبّ عن الدين والأرض، ففي الوقت الذي تعيش فيه بعض الأوطان ألوانًا من الفواجع وحالات من الزوابِع وتحلّ بهم القَوَارِع تعيش هذه البلاد استقرارًا ورخاءً وسُؤددًا ونماءً، بفضل الله تعالى ثم بفضل تمسك قادتها بالثوابت والأصول وإدارة الأحوال والظروف بما تفرضه سياسة الواقع.

غير أن مما يُذكر فلا يُنسَى ويُشهَر فلا يخفى تلك المواقف العِظَام والأفعال الجِسَام التي وقفها ملك هذا الزمان ومفخرة كل الأنام الملك الراحل فهد بن عبد العزيز رحمه الله، الذي أمسك الزمام، وكان الرُّبَّان الذي قاد السفينة بتوفيق الله إلى برّ الأمان وشاطئ السلام، وطَّدَ الأمن، ونظر إلى معاناة المسلمين في أرجاء الأرض، فجعلها موضع عنايتة، رغم ما واجهه من تحديات واعترضه من أزمات.

الشيوعية تحكم بالنار، وتهيمن سبعين عامًا على الشعوب بالقهر والنكال، وتريد الوصول إلى أرض الجزيرة، وحكام خَوَنة ومعتقدات فاسدة تساعد على انتشار هذا النظام، فأيّد الله هذا الهُمَام، وسخّر له من أنواع التسخير ما جعل ذلك النظام يندحر، حتى أصبحت بعض الدول التي لم تكن معروفة بل وعن معتقداتها وشعائرها ممنوعة تهلّل وتُجَلْجِلُ بالتكبير والتلبية، والمصحف الشريف يُطبع ويُرسل لهم، والمراكز الإسلامية والأكاديميات العالمية تفتح في تلك البلدان باسم الإسلام، وبدعم من بلاد الإسلام أرض الحرمين وخادم الحرمين.

أيها الإخوة، إن هذا الراحل العظيم يعجز اللسان من تعداد فضائله وسَرْد محاسنه، لكنّ الأمة تفخر بعظمائها، وتسطّر لأجيالها جوانب العظمة فيهم.

إني أقول: إن هذا الرجل عظيم، وقد شهدت على جوانب عظمته المواقف الجُلَّى والعَقَبات الكَأْداء التي جاوز بها بأمر الله البلاد والعباد، ووقوفه موقف الصلب أمامها. كما أن عظمة هذا الرجل تبرز في الدور البارز له في خدمة قضايا المسلمين، واهتمامه الظاهر بما يخص رموز الإسلام، حتى أصبح رحمه الله رمزًا من رموز الإسلام.

فهذا العمل النبيل الذي قام به تجاه أعظم توسعة عرفها التاريخ للحرمين الشريفين، وتذليل الصعاب للمسلمين الراغبين في القدوم إليهما. ثم ما كان يتحلّى به رحمه الله من حسن سياسته وحنكته وبُعد نظره في استعطاف أصحاب القرار في العالم لصالح قضاياه وما يهم أمته الإسلامية.

ولقد تجلّت العظمة في هذا الإمام في شخصيته حيًّا وميتًا، فيوم جنازته والصلاة عليه كانت مراسم التشييع والدفن على أساس وهدي نبوي كريم، لم يكن له كما كان لبعض القادة من طقوس بِدْعية ومواكب غير شرعية، بل كان الجثمان إلى الثرى في عظمته، كما ووري رسول الله فيه وأصحابه والخلفاء من بعدهم.

وهذا ترجمان يعبّر عن صدق العقيدة السلفية التي ينتمي لها هذا الإمام ومن معه على الشاكِلَة، لقد قال والده الملك عبد العزيز رحمه الله في ملتقى من ملتقيات الحج:"يقولون عنا: وهّابية! ونحن السلفية التي تسير على نهج السلف الصالح".

أيها الإخوة، إن الأمة اليوم في هذا الزمان المخيف تحتاج لأئمة وقادة ينهجون ذات النهج الذي نهجه هذا الإمام وأسلافه من قبله. وإن الآمال ـ بعد الله ـ معقودة بحمد الله في نائبه وخليفته الذي عاهد الله وعاهد الناس أن يكون القرآن دستوره والإسلام منهجه وإحقاق الحق والعدل سبيله، وفي ولي عهده الأمين، وهؤلاء هم أئمتنا العظماء، نعاهدهم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره.

ولقد انعقدت البيعة للملك عبد الله منذ بايعته الأسرة وأهل الحل والعقد، وهي بيعة العهد والميثاق، إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] . وأما البيعة العامة فهي التي تجلّت في صورة كتابة أو عن طريق الأمير والمحافظ ورؤساء المراكز كما صدر من توجيه كريم، فإن تعذر فيكون باستشعار عظمة البيعه، فإنها من قواعد الدين ومن مبانيه العظام، ومن بات وليس في عنقه بيعة للإمام فقد نَزَع ربْقَة الإيمان من عنقه.

رحم الله الملك الراحل والإمام الفقيد خادم الحرمين الشريفين فهد بن عبد العزيز، وبارك في أخويه خليفته ونائبه، وجمع لهما وبهما الشمل، وكتب على أيديهما صلاح البلاد والعباد، وإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين، لا راد لقضائه وقدره.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله الذي كتب الموت على كل حي، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88] ، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26، 27] ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله نبيه ورسوله، قال له ربه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30] ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فاتقو الله عباد الله.

أيها الإخوة المؤمنون، إن الحزن واللوْعَة على الإمام الراحل، يخفّفها عدة أمور:

أولها: أن الموت حق، وتحفة المؤمن الموت.

ثانيها: أن هذه الأمة أمة مِعْطَاء، أنجبت ولا زالت تنجب العظماء.

ثالثها: أن هذا الإمام قد وضع أسسًا لانتقال السلطة والإمامة من بعده، وفي الملك عبد الله إن شاء الله وفي ولي عهده عوض عمن فات.

رابعها: أن هذا الراحل العظيم يُرجَى له خير، ويُشهد له بالخير من خلال سيرته العطرة وما خلّفه من ميراث عظيم، نسأل الله أن يثقل له الميزان، ويرفع له الدرجات، ويحسن عزاءنا فيه.

كما أنه مما ينبغي التنبيه عليه أن الله تعالى قال: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:67] ، فالله تعالى قد اختار واصطفى من الأزمان أزمانًا، ومن البلدان بلدانًا، كما اصطفى من الملائكة والناس، ونحن في بلد كريم قد اصطفاه الله، وولّى عليه خيرة الحكاّم والولاة، ولن يضيع الله ما اصطفى، حيث الهدى وأرض المصطفى، فجدّوا في طاعة المولى، والتحموا صفًّا واحدًا ويدًا واحدة مع ولاة أمركم، وثقوا بنصر الله وتأييده.

ثم أكثروا من الصلاة والسلام على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت