فهرس الكتاب

الصفحة 1638 من 5777

خطبة عيد الأضحى1

الإيمان

الجن والشياطين

إسماعيل الخطيب

تطوان

الحسن الثاني

أما بعد:

فيا معاشر المسلمين يقول ربنا سبحانه وتعالى: والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجًا.

عباد الله،الإنسان جزء من هذه الأرض فآدم خلق من ترابها ثم أسكن الله ذريته في أنحائها،وأباح لهم الانتفاع بما فيها،وجعل نمو الإنسان بما يتغذى من أجزائها،وكما خلق الله الإنسان من طينها،فقد قدر الله له أن يعود مرة أخرى إلى جوفها ليختلط رفاته بترابها،ثم ليخرج منها يوم البعث: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى الله أكبر.

والصانع الحكيم لم يسكن الإنسان في هذه الأرض إلا بعد أن هيأها له قال تعالى: والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعًا لكم ولأنعامكم. وأمر عباده بالمحافظة على بيئتها،فقال تعالى: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.

لقد أصلح الله تعالى هذه الأرض بما خلق فيها من المنافع،وامتن على عباده بأن وفقهم لاستغلالها،دون الإضرار بها،قال تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا وقد نهى سبحانه عن كل فساد في هذه الأرض.

والانحراف عن منهج الرسل أعظم فساد في هذه الأرض، وبسبب المعاصي والذنوب يقع الاضطراب في الكون بإمساك الله للمطر الذي به قوام الحياة: وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقًا لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابًا صعدًا.

فالماء قوام الحياة،قال تعالى: هو الذي أنزل لكم من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون.

لذلك كانت دعوة الإسلام واضحة للمحافظة على البيئة،فأمر بالمحافظة على نظافة الماء،قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه ) ).ونهى عن الإسراف في استعمال الماء حتى في الطهارة والوضوء وأمر الإسلام بالمحافظة على النبات ودعا إلى غرس الأشجار قال نبينا عليه الصلاة والسلام: )) ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان أو طيرًا وبهيمة إلا كانت له به صدقة )) متفق عليه.

والحيوان جزء من هذه البيئة التي نعيش فيها،والإنسان مسؤول عن حمايته ورعايته والانتفاع به في الحدود الشرعية،فالحيوان كما صوره القرآن عارف بربه له تسبيحه وله سجوده قال ربنا تعالى: ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس. الله أكبر.

والقاعدة الشرعية: (لا ضرر ولا ضرار) لها تطبيقات واسعة في النهي عن تلويث البيئة وتوسيخها وإفسادها، فالضرر ما فيه منفعة لجهة، ومضرة لجهة أخرى، كالصيد الذي يتسبب في انقراض أو نقصان حيوان البر والبحر فلحماية البيئة الحيوانية منع صيد الأسماك والطيور والحيوانات في فصول تكاثرها،والإسلام وضع القاعدة لنظام حماية الثروة النباتية والحيوانية عندما حرم على الحجاج الصيد قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم وقال: (( إن هذا البلد الحرام حرام لا يعضد شوكه(أي لا يقطع) ولا يختلى خلاه )) (أي لا يقطع نباته الرطب) فيحرم على الحاج المحرم الصيد، ويحرم عليه ازعاج الحيوان, ويحرم عليه أن يقطع الشجر.

والضرار هو ما ليس فيه منفعة لأحد كرمي النفايات ورمي السموم الضارة بالبحار والوديان وبأسماكها وكاتلاف الأشجار وقطعها دون العناية بها وكاتلاف النباتات في الحدائق وغيرها،والقرآن الحكيم حدثنا عن جمال الطبيعة ونظامها وعن دور المفسدين فيها فقال: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد فالكتاب الحكيم يشنع على المفسدين لنبات الأرض وحيواناتها،ويؤكد على أنه ما من فساد يقع في هذه الأرض إلا بسب ما كسبته أيدي الناس،قال ربنا تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس الله أكبر.

عباد الله،تفقهوا في دينكم واعلموا أن دين الإسلام شدد على نظافة البيئة عندما حث على تنظيف الجسد وتنظيف اللباس،وتنظيف الأواني وتنظيف الطرقات،قال ربنا تعالى: وثيابك فطهر وأنزل الله تعالى الماء ليتطهر به الإنسان ويتنظف،قال تعالى: ونزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وحث على نظافة الطرقات:عن أبي برزة الأسلمي قال: قلت يا رسول الله،دلني على عمل يدخلني الله به الجنة،فقال: (( أمط الأذى عن الطريق ) ) (رواه مسلم) ،وإبعاد ما يؤذي الناس في طرقاتهم من شعب الإيمان،يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة ) ).

وكما حث الإسلام على الطهارة نهى عن تلويث البيئة فنهى عن البصاق على الأرض ونهى عن البول في الطرقات أو تحت الأشجار أو في المياه،ليكون المسلم نظيفًا في كل شيء:في عقيدته،في معاملته،في المحيط الذي يعيش فيه،وإنه لواجب علينا معاشر المسلمين أن نذكر أنفسنا بهذه التوجيه وأن يقوم الخطباء والوعاظ بتذكير الناس بهذا الأمر، وأن يحرص المعلمون والأساتذة على تذكير التلاميذ والطلبة بنظرة الإسلام نحو البيئة، فذلك من التعاون على البر والتقوى،قال تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.

بارك الله لي ولكم في الكتاب الحكيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،واستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين إنه هو الغفور الرحيم.

عباد الله:عيدان اجتمعا لكم في يومكم هذا،فيوم الجمعة قال عنه نبينا عليه الصلاة والسلام: (( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ) )فيوم الجمعة سيد الأيام، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام سيد الأنام،فلذلك يستحب الإكثار من الصلاة والسلام عليه في هذا اليوم.

ويومكم هذا هو يوم الحج الأكبر، وهو الأضحى والنحر،فأكثر مناسك الحج تؤدي في هذا اليوم،وما عمل ابن آدم في هذا اليوم عملًا أحب إلى الله من إراقة دم, وذبح الأضاحي عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه قال تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين وقال تعالى: إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر الله أكبر

عباد الله،أمر الله نبيه أن يكون نسكه أي عبادته وذبيحته لله وحده،وأن يصلي صلاة العيد وينحر بعدها.وها أنتم خرجتم إلى هذا الصعيد،لأداء صلاة العيد،تأسيًا بنبيكم وطمعًا في رحمة ربكم.فأبشروا برحمة الله، واستحضروا قول ربكم: إن رحمة الله قريب من المحسنين فالإحسان في كل شيء واجب من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (( إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته ) )رواه مسلم، فاحرصوا رحمكم الله على الرفق بالضحايا عند ذبحها، واذكروا اسم الله عليها، وقولوا: بسم الله والله أكبر، والأولى أن تذبح أيها المسلم أضحيتك بيدك.فإن لم تتمكن فلتوكل في الذبح مسلمًا مصليًا، وتنوي لنفسك والأفضل أن تأكل من الأضحية وتتصدق منها قال تعالى: فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ووقت ذبحها بعد ذبح الإمام بالمصلى ويمتد إلى غروب شمس اليوم الثالث من العيد، ولا يجوز بيع شيء منها ولا يعطى شيء منها أجرة للجزار. الله أكبر.

معاشر المسلمين،أيام العيد أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى،فكبروا الله تعالى بعد الصلوات المفروضة من ظهر يومكم هذا إلى صبح اليوم الرابع وأكثروا من الصلاة والسلام على من أخرجكم الله به من الظلمات إلى النور...

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت