فهرس الكتاب

الصفحة 5473 من 5777

دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام(5)

الرقاق والأخلاق والآداب, سيرة وتاريخ

الفتن, القصص

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-من أنواع الابتلاءات التي ابتلي بها إبراهيم عليه السلام. 2- ابتلاء الله تعالى إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل. 3- قصة الفداء العظيم. 4- الأدلة على أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام.

أما بعد: فلقد عقد البخاري رحمه الله بابًا حول هذه الآية: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم: 54] ، وأورد أدلة وأحاديث عدة متعلقة بإسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، والجمهور على أنه هو المقصود في الآية الكريمة السابقة الذكر، قال رسول الله: (( ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا ) )الحديث. ففي هذه العبارة من الحديث فوائد عدة، منها: أن قريشًا من ذرية إسماعيل، وإثبات الرمي لإسماعيل عليه السلام، وهذا يثبت قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما أتى مرتين وكذلك الثالثة فكان إسماعيل في الصيد في المرتين وفي الثالثة يبري نبلًا له تحت دوحة قرب زمزم.

وكما سبق القول فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ابتلي بأنواع الابتلاء والامتحان وصبر صبرًا عظيمًا، وخرج من كل امتحان راسخ الإيمان ثابتًا ثبات الجبال الرواسي لم يتزعزع ولم يضطرب، وإن كان قد ابتلي في نفسه وزوجته عندما حاول الطاغية الاعتداء عليها واغتصابها، وقام عليه الصلاة والسلام يصلي ويدعو الله تعالى وجاءته وهو قائم يصلي بعد أن نجاها الله عز وجل، ومحنته في نفسه عندما أوقدوا له النار العظيمة وألقوه فيها، وهذه وغيرها لا شك أنها من المحن الأليمة، ولكن الابتلاء والامتحان الذي كان أشد مما سبق حين أمر بذبح ابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، ولكنه مع هذا كان مثالًا للعبودية والطاعة والإذعان لأوامر الله دون تردد، لذلك كان قدوة للأنبياء والرسل، بل كان أمة بمفرده، ولا عجب فيمن اتخذه الله خليلًا وأثنى عليه سبحانه وتعالى في عدة آيات من القرآن الكريم، قال الله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: 125] ، وقال عز شأنه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 120] ، وقد أثنى الله عليه وعلى ملته وعقيدته الحقة في آيات عدة من القرآن الكريم، قال تعالى لرسولنا محمد ليقول لقومه وللناس جميعًا: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 161] ، وقال عز وجل: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ [البقرة: 130] ، وقال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 123] ، وقال جل جلاله: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ [البقرة: 135] ، وقال تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران: 67] .

وكما سبق الكلام بأن إبراهيم عليه السلام لم يُرزق بابنه إسماعيل إلا بعد أن كبر في السن وذلك من هاجر، ثم رزقه الله من سارة أيضًا على الكبر إسحاق عليهم الصلاة والسلام جميعًا. وليتصور كلٌّ منا لو لم يرزق من الأولاد بنين أو بنات إلا بواحد على الكبر وفي آخر حياته وامتحن وابتلي في ذلك المولود بشيء يسير ماذا تكون حال الواحد منا المبتلى؟! فما بالنا لو كان الابتلاء والامتحان أعظم؟! إنه لا يعرف نعمة هبة الأولاد للإنسان إلا من حُرمها، مع أنهم فتنة لا شك في ذلك، ومنهم العدو أيضًا، ولكن الحرمان طوال الحياة من فتنتهم تجعل الإنسان يعيش حياة غير مستقرة إلا ما شاء الله، قال تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف: 46] ، وقال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال: 28] ، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن: 14، 15] .

لقد رأى إبراهيم عليه السلام في منامه رؤيا، ورؤيا الأنبياء حق كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله ، وذكر الله عز وجل في القرآن الكريم قصة تلك الرؤيا وتنفيذها وما قبلها وما بعدها في آيات مختصرة تهز النفس البشرية وتوقظ الحس الغافل وتنبه الإحساس المرهف عند ذوي اليقظة والإدراك، رأى إبراهيم عليه السلام أن الله تعالى أمره بذبح ابنه البكر إسماعيل عليه السلام الذي كان قد رُزِقه على كبر وشيخوخة، فلما بلغ مبلغ الرجال وجاءت فائدته في السعي والخدمة على والديه إذا بالوحي الإلهي يأتيه في المنام بذبح إسماعيل، فهل تردَّدَ أوْ تلَكَّأَ إبراهيم عليه السلام وقال: تلك رؤيا، أو حاول أن يتأول تلك الرؤيا أو ينتظر أو يتنصل؟ لم يحصل شيء من ذلك في نفس أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولا في تصرفاته، إنما كان موقفه الإذعان والتسليم لله رب العالمين والتنفيذ لما أُمر به وإن كان في المنام، ولكنه أراد عليه الصلاة والسلام أن يختبر ابنه ليرى استجابته وطاعته لله عز وجل فقال له: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات: 102] ، عرض عليه ذلك الأمر ليكون أطيب لقلبه وأهون وقعًا على نفسه فيما لو أخذه بالقوة والشدة دون رغبة وانقياد واستسلام لقضاء الله وقدره، ولكنه الذرية والنبات الحسن، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ [آل عمران: 34] .

بادر الغلام الحليم مسرعًا واستجاب استجابة أثلج بها صدر والده وأرضى بها ربه واستسلم لقضاء الله وقدره، وأنقذه الله جزاء استجابته واستسلامه، وفداه بذبح عظيم، ونجاه الله من ذلك الكرب العظيم الذي وقع على نفسه ونفس والده. وكان رده على أبيه حين أخبره عن الرؤيا قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ [الصافات: 102] ، برٌّ عظيم، وتوفيقٌ من الله كبير، وإيمان يزعزع الجبال من الوالد وولده تظهر فيه العبودية لله رب العالمين، العبودية الحقة في أكمل صورها من الأب وابنه، الأب يُؤمر في المنام فيسارع إلى تنفيذ أمر الله، والابن يُستشار فيلبي طلب والده طائعًا مستسلمًا لحكم الله وكأنَّ الأمر جرعة ماء لا غير. أراد الولد أن يخفف عن أبيه لوعة وشدة وقع الأمر وحنان الأبوة فأرشده إلى أقرب السبل وأيسر الطرق ليصل إلى قصده، فقال: يا أبت اجعل لي وثاقًا، وأَحْكِم رباطي لكيلا أضطرب، وألقني على وجهي وبطني، وحُدّ شفرتك وأَسْرِعْ إِمْرَارَها على حلقي ليكون أهون علي، فإن الموت شديد، ووقعه أليم.

ونفَّذ إبراهيم وصية ابنه وفلذة كبده ووحيده في لحظته، ولما كبّه على وجهه وأَمَرَّ السكين على رقبته ليذبحه من قفاه لم تقطع السكين شيئًا، بل انقلبت في يده وكأنها قطعة من خشب، وجاء نداء رب العالمين بفداء إسماعيل بالذبح العظيم من الجنة، وانقلب الحزن إلى سرور أَبَدِيٍّ، ونجاة من العذاب الأليم وفوز بجنات النعيم ورضوان من الله أكبر، ذلك الفوز العظيم. قال ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تبارك وتعالى: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: 107] قال: (خرج عليه كبش من الجنة قد رعى قبل ذلك أربعين خريفًا، فأرسل ـ أي: أطلق ـ إبراهيم عليه الصلاة السلام ابنه، واتبع الكبش بعد أن ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة، وعرض له الشيطان فأخرجه إلى الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات، ثم أفلته عندها، فجاء إلى الجمرة الوسطى فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات، ثم أفلته، وأدركه عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات، فأخرجه عندها ثم أخذه فأتى به المنحر من منى فذبحه، فوالذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة حتى وَحِشَ) يعني يَبِسَ.

إن رمي الجمرات والنحر أيام التشريق سنة أبينا إبراهيم عليه السلام، وهي من ملته الحنيفية التي أُمِرَ الرسول باتباعه فيها، وأُمرنا كذلك بها في إسلامنا.

قال تعالى مخبرًا عن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: 99-113] .

الحمد لله الملك البر الرؤوف الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله.

أما بعد: فإن عداوة اليهود والنصارى متأصلة في نفوسهم ومستديمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولن يرضوا عن المسلمين إلا بإخراجهم عن ملة الإسلام واتباع ملة اليهود والنصارى، وذلك حسدًا من عند أنفسهم كما أثبت ذلك رب العزة والجلال في آيات عدة من القرآن الكريم، وثبت أيضًا عن رسول الله في الأحاديث التي نطق بها عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: 120] ، وقال عز وجل: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ [البقرة: 109] .

وحول الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق يدّعي اليهود أنه إسحاق مع علمهم بالحقيقة بأن إسحاق والد يعقوب الذي هو إسرائيل وينتسب اليهود إليه، وبالمناسبة فالتسمية الصحيحة لبني إسرائيل كما ذُكر في القرآن الكريم وفي سنة الرسول هي اليهود أو بنو إسرائيل وليس كما نسمع مما درج على الألسنة عندما يذكرون الصهاينة اليهود في فلسطين يقولون عنهم: إسرائيل، فإسرائيل هو يعقوب عليه السلام، وأيضًا التسمية الصحيحة للنصارى أتباع عيسى عليه السلام النصارى، وليس كما يسميهم الناس بالمسيحيين، بل هم النصارى، تلك هي التسمية الحقيقية لليهود والنصارى، كما هو الحال في المسلمين لا أحد يقول: محمّديون، فالنسبة والتسمية هنا للدين لا للأشخاص.

أعود للقول بأن اليهود كما حرفوا التوراة يريدون تحريف القرآن الكريم مع وضوحه التام وحفظ الله عز وجل له من أي تحريف، فهم قوم بُهْت وافتراء، لا يقرّون بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وإن كان الذبيح أيّ واحد من الاثنين سواء إسماعيل أو إسحاق فكلاهما كان طيبًا طاهرًا مطيعًا لله عز وجل، وإسحاق عليه السلام لم يولد لسارة إلا بعد ثلاث عشرة سنة تقريبًا من ولادة إسماعيل، ثم إن إسماعيل هو الذي كان بمكة وإسحاق في فلسطين، والحادثة كانت في مكة المكرمة، ثم إن الله سبحانه وتعالى ذكر البشارة بهذا الغلام ولما بلغ معه السعي رأى في المنام أنه يذبحه وذكر قصته حتى النهاية فبعدها بشره الله عز وجل بنص القرآن الكريم الذي لا شك فيه بإسحاق وذكر إسماعيل ضِمْنًا وذرية الاثنين أيضًا، وهذا دليل واضح لا غموض فيه، قال تعالى: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: 112، 113] ، والضمير عائد على إسماعيل في قوله تعالى: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ ، ويعود أيضًا على إسماعيل وإسحاق في قوله عز وجل: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ، ولأن هذه الآية جاءت خاتمة للآيات التي تتحدث عن إسماعيل الذبيح، ومن أحسن ما استدل به على أنه إسماعيل وليس إسحاق قول الله تعالى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ [هود: 71] ، فكيف تقع البشارة بإسحاق وأنه سيولد له يعقوب ثم يؤمر بذبح إسحاق قبل أن يولد له؟! فهذا لا يكون لأنه يناقض البشارة المتقدمة في الآية.

روى ابن إسحاق عن بريدة بن سفيان الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم أنه أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديًا فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علمائهم، وسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك، قال محمد بن كعب: وأنا عند عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: أيّ ابنيْ إبراهيم أُمِرَ بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، إن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم ـ معشر العرب ـ على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه، والفضل الذي ذكر الله تعالى منه بصبره لما أُمِرَ به، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم.

وكما هو معلوم أن الموافقة حصلت بمكة، فمعلوم أيضًا لدى المسلمين بأن إسماعيل عليه السلام هو الذي ساعد أباه إبراهيم عليه السلام في بناء الكعبة المشرّفة، وذلك بنص القرآن الكريم وصحيح حديث رسول الله كما ورد بأن إسماعيل كان يناول أباه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام الحجارة وجعلا يدوران حول البيت ويقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] ، ونصُّ الآية الكريمة قول الله عز وجل: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] ، والآية التي قبل هذه بآية: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة: 125] . والملائكة لما بشرت سارة بإسحاق وهي عجوز إنما كان ذلك عندما مروا وذهبوا إلى لوط وأهلكوا قومه، وكان ذلك بعد زمن من ولادة إسماعيل من هاجر. والأدلة كثيرة متعددة، وأوردت بعضها باختصار للعلم الذي يجب إظهاره وعدم كتمانه، ومن ابتغى المزيد فعليه بالرجوع إلى أمهات الكتب بعد فهم كتاب الله عز وجل وما ورد فيه وفي صحيح سنة رسول الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت