فهرس الكتاب

الصفحة 1525 من 5777

الأمثال في القرآن والسنة

العلم والدعوة والجهاد

أمثال القرآن والسنة

مرزوق بن سالم الغامدي

مكة المكرمة

الرحمة

1-تشبيه كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة. 2- تشبيه المؤمن بالنخلة. 3- الله لا يستحي من

ضرب الأمثال بالصغير والحقير. 4- اللجوء إلى غير الله كالتعلق ببيت العنكبوت. 5- عجز

الأوثان التي تعبد من دون الله حتى عن خلق الذباب. 6- التمثيل لمن عبد آلهة شتى بالعبد له

أكثر من سيد. 7- تمثيل النبي كرهه على أمته بصاحب النار وهو يدع الفراش والدواب.

أيها الإخوة: جاء في القرآن قصص وأمثال توضح وتؤكد وحدانية الله عز وجل وأنه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له وأنه هو سبحانه مصدر الأوامر والنواهي التي جاء بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك جاء في السنة من هذه الأمثال التي فيها توضيح وبيان لتحقيق التوحيد والإخلاص، وتحقيق المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.

وقال تعالى: وتلك الأمثال فضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون. ومن هذه الأمثلة التي ضربها الله عز وجل في كتابه العزيز، ما جاء في سورة إبراهيم، قال تعالى: ألم تر كيف ضرب الله مثلًا كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. فهذا مثل كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وهو مثل للمؤمن الذي وقرت في قلبه كلمة التوحيد، فهو كالنخلة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء لا يتساقط ورقها صيفًا ولا شتاءً ولا ليلًا ولا نهارًا، فالمؤمن يرفع له عمل ٌ صالح دائمًا وأبدًا.

جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( أخبروني عن شجرة تشبه، أو كالرجل المسلم، لا يتحات ورقها صيفًا ولا شتاءً، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ) )قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم فلما لم يقولوا شيئًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هي النخلة ) ). وقال تعالى: ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار وهذا مثل الكافر والمنافق كشجرة الحنظل لها منظر على وجه الأرض ولكنها ليس لها أصل ثابت، سهلة الاجتثاث والاستئصال والعياذ بالله بالإضافة إلى ما تحويه من مرارة وعدم نفع، فالكافر ليس له أصل ثابت ولا فرع ولا يصعد له عمل ولا يتقبل منه يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء.

وقد أخبر الله عز وجل أنه يضرب الأمثال بما شاء من خلقه فيزداد أهل الهدى إيمانًا قال تعالى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلًا يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضل به إلا الفاسقين.

فالله عز وجل لا يستحيي أن يضرب أي مثل لأن في ذلك من العبر والمصالح والحكم العظيمة التي ينتفع بها العباد.. فقد ضرب الله مثلًا بالعنكبوت ومثلًا بالذباب. كما قال تعالى: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون.

وهذا المثل واضح الدلالة فيمن يلجأ إلى غير الله فقد التجأ إلى أوهن وأضعف ملاذ ومستغاث.

ويتضح هذا في المثل الآخر الذي ضربه الله عز وجل حيث قال: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب. فيامن تستغيثون وتدعون وتذبحون للأضرحة وأصحاب القبور أو لغيرهم ممن تعتبرونهم من الأولياء والسادة والعظماء، إن هؤلاء كلهم لا يستطيعون أن يخلقوا أضعف المخلوقات وهو الذباب، ولو اجتمعوا له..بل ولو اجتمع من في الأرض لن يستطيعوا أن يخلقوا ذبابة بل وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه فهم عاجزون حتى عن مقاومته والانتصار منه لو سلبهم شيئًا مما يأكلون أو يشربون وهو أضعف وأحقر المخلوقات، والله عز وجل يضرب هذه الأمثال وإن قلّت كالبعوض وما فوقها، كالذباب والعنكبوت، فالله لا يستحيي من ذلك لأنه حق والله لا يستحيي من الحق ولكنه سبحانه يستحيي من غير الحق لأن الحياء من الحق وصف كمال وهو سبحانه متصف بصفات الكمال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله حييٌ كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين ) )وهذه صفة ثابتة لله يجب علينا الإيمان بها دون تأويل ولا تعطيل أو تحريف.

أيها الإخوة: إن الله بين لنا في هذه الأمثال الطريق الموصل إلى توحيده والطريق الموصل إلى جنته ورضوانه. هذا هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه فمن سار بثبات ويقين فاز، ومن ابتعد عن هذا الطريق وتولى سبيل غير المؤمنين فذلك كما قال تعالى: فأمه هاويه وما أدراك ماهية نار حامية كما قال تعالى في سورة النحل: وضرب الله مثلًا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أينما يوجهه لآيأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم.

فهل الذي لا يتكلم ولا ينطق بالحق ولا بالخير، ولا فعاله فعال خير، كمن يسير على الهدى والتقى ويأمر بالعدل والمعروف والقسط، فمقاله حق وفعاله حق، كلاّ.. كيف يكون من حقق العبادة وكان عبدًا لله مثل من اتبع هواه واتبع الشيطان فهو يتخبط في ظلمة ويهوي في وادٍ سحيق؟ قال تعالى: ضرب الله مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلمًا لرجل هل يستويان مثلًا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون.

فهل من يتلقى الأوامر من جهة واحدة ويتبع سيدًا واحدًا يشبه حاله حال من يتحكم فيه عدة أسياد، ويتلقى أوامره من عدة أطراف متشاكسة.. فالجواب معروف أنهم لا يستوون.

فذلك حال من وحد الله عز وجل واستسلم له واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم.. فهو في طمأنينة وراحة نفسية، وأما حال من أشرك بالله وصرف شيئًا من العبادة لغير الله عز وجل دعاءً أو توكلًا أو استغاثة أو ذبحًا أو نذرًا أو استعانة فحاله مضطربة، خسر نفسه وأهله في الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ونقول له: إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز.

ومن الأمثلة التي وردت في السنة هذين المثلين:-

1-عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، أي أسرعوا بالهرب، فأطاعة طائفة من قومه فأدلجوا على مهلتهم، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق ) )رواه مسلم.

2-عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يزعمهن - يدفعهن أو يحجزهن - ويغلبنه، فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تقحمون فيها ) )رواه البخاري.

هذان مثلان عظيمان ضربهما النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء به من النذارة كما قال تعالى: وقل إني أنا النذير المبين وقال تعالى: إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه مثلًا بما هو معروف عند العرب حينما يأتيهم من ينذرهم ويعلمهم بما يوجب المخافة منه بأن ينزع ثوبه ويشير به إليهم إذا كان بعيدًا عنهم ليخبرهم بما داهمهم. وإنما يفعل ذلك ليكون أبين للناظر، وأغرب وأشنع منظرًا وهو أبلغ في طلب سرعة التأهب. هذا النذير المبين - هذا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الحريص على أمته الرحيم بها، أنذرها بالوحي أنذرها بالقرآن - قال تعالى: قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون.

وقد أرسله الله سبحانه وتعالى كما أرسل الرسل كذلك ليأخذوا بيد البشرية إلى طريق النجاة.. لينذروا الناس عاقبة اتباع الهوى والتهافت على الشهوات، دون إدراك لمعنى الحياة دون عبادة لخالق الحياة. دون التنبه إلى أن وراء هذه الحياة الدنيا حياة أخرى فيها النعيم المقيم أو العذاب الأليم.

فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى.

فهو صلى الله عليه وسلم أنذر هذه الأمة وحذرها من كل ما يؤدي بها إلى الشقاء وهو يعلم علم اليقين بأن النجاة والفوز لمن أطاعه واتبع هداه وأن الخسارة فيمن عصاه وكذبه.

وهو صلى الله عليه وسلم مشفق علينا رحيم بنا يحب لنا الخير والسعادة... ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين: (( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا ) ). فما ترك شيئًا يوصلنا إلى الجنة إلا ودلنا عليه، ولا شيئًا يباعدنا عنها إلا وحذرنا منه.. ولكن أكثر الناس ولو حرص النبي صلى الله عليه وسلم على نفعهم وهداهم لم يستجيبوا له. ولذلك رغم حرصه عليهم ومحاولته إنقاذهم إلا أنهم زاغوا وتقحموا في النار حينما لم يستجيبوا له ولم ينصاعوا لأوامره بل وكذبوه. ولكن سيعلمون غدًا من الكذاب الأشر.

لقد أعذر من أنذر، وبلغ الرسول الرسالة وأدى الأمانة ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى فقام خلفاؤه وأصحاب وورثته من العلماء وسلفنا الصالح بمواصلة البلاغ ونشر الدين وما زالوا كذلك حتى قيام الساعة وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. لا يضرهم من خذلهم لأنهم هم الطائفة المنصورة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

صلى الله عليك يا نبي الرحمة وسلم تسليمًا كثيرًا فقد أديت وبلغت ونصحت وأنذرت وبشرت وأردت من أمتك أن تكون خلقًا يعقل لا فراشًا يتهافت.. فدعوتنا إلى ما يحيينا حياة طيبة.

أسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا من المستجيبين لله وللرسول صلى الله عليه وسلم... من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت