فقه
الصلاة
عاصم بن لقمان يونس الحكيم
جدة
جامع جعفر الطيار
1-منزلة الصلاة في الإسلام. 2- حكم تارك الصلاة. 3- النار مصير تاركي الصلاة. 4-دعوة لدحر الشيطان بالمحافظة على الصلوات جماعة. 5- أهمية صلاة الجماعة ، وحال الناس معها.
لا يخفى على أحد من المسلمين أن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وللصلاة مكانة عظيمة في الإسلام لا يشاطرها فيها غيرها من العبادات، فمن شدة أهميتها فرضها الله تعالى في السماء السابعة ولم يفرضها على الأرض كسائر العبادات الأخرى، وأنه تعالى فرضها من غير واسطة، حيث أمر الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم مباشرة ولم يأمر بها جبريل عليه السلام، ومن فضلها أنها خمس صلوات ولكن بأجر خمسين.
ولقد جعل الله تعالى الصلاة من الأمور التي تجعل المشرك أخًا لنا في الإسلام فقال تعالى: فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتَوُاْ ?لزَّكَو?ةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ?لدّينِ [التوبة:11] . فيفهم من هذه الآية أن تارك الصلاة ليس أخًا لنا في الدين، وهذه أيضًا من الأمور التي تتميز فيها الصلاة عن بقية العبادات، فمن ترك عبادة تهاونًا وكسلًا فهو فاسق معاقب على ذلك، إلا الصلاة: فمن تركها تهاونًا وكسلًا فهو كافر كفرًا أكبر، جاء في صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ) )، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ) )، ولذلك فإن أهل النار عند ما يُسألون يوم القيامة: مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ?لْمُصَلّينَ [المزمل:42-43] . فكل من لا يصلي فهو من أهل النار وليس من أهل الإسلام، إذ أهل الإسلام هم أهل الصلاة، روى البخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذاكم المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ) ).
بل إن نبينا صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن آخر أهل النار خروجًا منها فقال (( حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا، ممن أراد الله تعالى أن يرحمه، ممن يقول: لا إله إلا الله. فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ) )، وفي هذا دليل على أن تاركي الصلاة لا يخرجون من النار لأنهم ليس لديهم آثار السجود التي بها تعرفهم الملائكة وتخرجهم من النار، وللأسف فإن نسبة كبيرة جدًا من المسلمين في بلادنا لا يصلون البتة، ولا أكون مبالغًا لو قلت إنها أكثر من ثلاثين بالمائة، وأكثر تاركي الصلاة يتعذرون بأن أهليهم لم يعودوهم عليها عند صغرهم، مخالفين بذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم: (( علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعًا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرًا ) ).
والحقيقة أن من تاركي الصلاة من غلبت عليه الغفلة، فإن وُعظ وذُكِّر وخُوِّف بالله تعالى قام للصلاة، ولكن مِنْ تاركي الصلاة من لا يمنعه من الصلاة إلا الكِبر الذي منع إبليس من السجود لآدم، فاستحق بذلك أن يكون معه يوم القيامة في نار جهنم، فهذه النوعية من البشر تأبى لتكبرها أن تمرغ جبهتها في التراب ذلًا وخضوعًا لله تعالى، ولن تنفعه عباداته من صيام وصدقة وحج إن مات على تركه للصلاة وإصراره على ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة: الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله ) )، جنبنا الله وإياكم حال العصاة والمتكبرين، أقول قولي وأستغفر الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، إن الله تعالى قد حمى هذه الصلاة المكتوبة بأمور لو حافظ عليها المسلم لكانت سببًا في عدم تركه للصلاة، فصلاة الجماعة والسنن الرواتب من تلك الأمور، فالمسلم الذي يحافظ على السنن الرواتب لو أراد الشيطان أن يزين له ترك الصلاة فإنه يتهاون في صلاة السنة لا الفرض، ثم لا يلبث أن يعود للحفاظ عليها مرة أخرى، بينما ذلك الذي لا يصلي السنن الرواتب فإنه من الطبيعي أن يفوته فرض ولا يقضيه، فكم من تاركي السنن نام عن صلاة العشاء والفجر والعصر لتعبه أو لنعاسه.
وكذا صلاة الجماعة، فيكاد يكون من المستحيلات أن تجد رجلًا يحافظ على الصلوات الخمس في المسجد يترك الصلاة بالكلية أو يفوته فرض فلا يصليه في بيته، فإن إبليس إذا أراد أن يوسوس له فإنه يحاول أن يؤخره عن تكبيرة الإحرام ثم عن الصف الأول ثم عن الركعة الأولى، وهكذا حتى يجعله يصلي مع الجماعة الثانية في المسجد بعد انتهاء الجماعة الأولى، فإن استمرأ العبد ذلك ولم ينكره زين له الشيطان صلاة الفجر والعصر في البيت، ثم ما يلبث أن يصلي كل صلواته في البيت هاجرًا المسجد، وآنذاك يكون عرضة لترك صلاة أو أكثر أو لترك الصلاة بالكلية والعياذ بالله، لذلك نهانا الله تعالى عن اتباع خطوات الشيطان.
عباد الله إن صلاة المسجد فرض عين على كل ذكر بالغ عاقل مقيم خال من الموانع، ولقد جاء في صحيح مسلم أن عبد الله بن مسعود قال: (مَنْ سَرّهُ أَنْ يَلْقَى الله غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاءِ الصّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنّ. فَإِنّ الله شَرَعَ لِنَبِيّكُمْ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ الْهُدَىَ وَإِنّهُنّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَىَ. وَلَوْ أَنّكُمْ صَلّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلّي هَذَا الْمُتَخَلّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنّةَ نَبِيّكُمْ. وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنّةَ نَبِيّكُمْ لَضَلَلْتُمْ. وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهّرُ فَيُحْسِنُ الطّهُورَ ثُمّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلاّ كَتَبَ الله لَهُ بِكلّ خَطْوَةٍ يَخْطوَها حَسَنَةً. وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً. وَيَحُطّ عَنْهُ بِهَا سَيّئَةً. وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلّفُ عَنْهَا إِلاّ مُنَافِقٌ، مَعْلُومُ النّفَاقِ. وَلَقَدْ كَانَ الرّجُلُ يُؤْتَىَ بِهِ يُهَادَىَ بَيْنَ الرّجُلَيْنِ حَتّى يُقَامَ فِي الصّف) ، فصلاة الجماعة في المسجد واجبة، ولو لم تكن واجبة لرخص عليه الصلاة والسلام للأعمى الذي أتاه يستأذنه في الصلاة في بيته، ولقد قال للأعمى: (( هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال نعم، فقال: فأجب، لا أجد لك رخصة ) )ولقد هم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح أن يحرق بيوت رجال لا يشهدون الجماعة في المسجد، وأخبرنا أنه ما منعه من ذلك إلا ما في البيوت من ذرية ونساء، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يحرق البيوت بمن عليها إلا لترك فرض أو واجب، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما وصف تاركي صلاة الضحى وصيام الاثنين والخميس بالنفاق كما فعل مع تاركي صلاة الفجر والعشاء، مما يدل كل ذي عينين على أهمية صلاة الجماعة، وللأسف فإن تسعين بالمائة تقريبًا من أهل هذه البلدة لا يحافظون على الصلاة في المسجد، ولا أدري هل ضمن الجنة ذلك الذي ينام في بيته عن الصلاة ويتخلف عنها؟
إن الله تعالى لن يعيد لهذه الأمة عزتها حتى تراجع دينها، وإن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإن أردنا تحرير القدس والنصر على أعدائنا فإنه يجب علينا أن تذل رقابنا بالصلاة لله تعالى وحده، فإذا رأيت المسلمين يملئون المساجد في صلاة الفجر كما هم في صلاة الجمعة، فأبشر بنصر الله تعالى، فاتقوا الله عباد الله في أنفسكم، واتق الله في ابنك أيها الوالد فإنك القدوة له.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم.