فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الجنة والنار, اليوم الآخر
عبد العزيز بن الطاهر بن غيث
طرابلس
بلال بن رباح
1-عبادة الخوف ولرجاء. 2- معنى اسم الجنة. 3- بناء الجنة. 4- سعة الجنة. 5- أنهار الجنة. 6- حال أهل الجنة ونعيمهم. 7- الخلود في الدارين. 8- تنافس الصحابة على الجنة. 9- أعمال توصل إلى الجنة. 10- التحذير من الأماني الكاذبة.
وبعد: حديثنا اليوم عن حال الإنسان في الجنة دار الكرامة التي أعدها الله سبحانه لعباده الصالحين، يقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:107، 108] ، ويقول فيما اتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة: (( قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) ).
الجنة مهوى أفئدة عباد الله الصالحين، الجنة مطمع كل صالح من عباد الله سبحانه، بداية من الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، فإنهم يعبدون الله سبحانه خوفا من عذابه وطمعا في رحمته، وطاعة الله سبحانه من أجل الجنة ليست عيبا كما يعتقد بعض غلاة المتصوفة الذين يقولون: إننا نعبد الله حبا فيه لا طمعا في الجنة ولا خوفا من النار، فهذا تصور خاطئ وسوء أدب مع الله سبحانه، فرسل الله الذين هم أفضل خلق الله يعبدون الله خوفا وطمعا ورغبا ورهبا، يقول سبحانه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90] ، ورسول الله لا ينكر أنه يطلب الجنة ويخاف النار، فيقول كما في الحديث الذي أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة: (( حولها ندندن ) )أي: حول الجنة، إذا فالطمع في الجنة عز، والطمع في الجنة شرف، والطمع في الجنة رفعة؛ لأن الطمع فيها يعني طاعة الله ورضوانه.
والجنة ـ عباد الله ـ سميت بذلك لأنها خضراء، فيها من كل الثمرات، فالجنة في اللغة هي البستان، وهي مبنية بناء بديعا، وكيف لا تكون كذلك والباني هو الرحمن سبحانه؟! يقول سبحانه عنها: مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُس خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا [الإنسان:13-22] ، ويقول فيما أخرجه أحمد عن أبي هريرة: (( الجنة بناؤها لبنة من فضة ولبنة من ذهب، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران ) ).
والجنة واسعة اتساعا لا يعلم مداه إلا الله سبحانه، ويكفي في وصف اتساعها أن نستمع إلى وصف رسول الله لبابها، يقول فيما أخرجه أحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد: (( إن ما بين مصراعين في الجنة لمسيرة أربعين سنة ) )، والمصراع هو شطر الباب، أي: ما بين فردتي باب من أبوابها مسيرة أربعين سنة.
وفي الجنة أنهار من كل ما يشتهيه الناس، مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّم يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى [محمد:15] . وفي الجنة أيضا الكوثر نهر أعطاه الله سبحانه لنبيه، يقول في وصفه كما في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر: (( الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب ريحا من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأشد بياضا من الثلج ) ).
وإذا أردنا أن نستقصي في وصف الجنة لما وسعتنا هذه الخطبة، لهذا كله وجب على الإنسان أن لا يحرم نفسه هذا النعيم، وأن لا يتشبث بنعيم الدنيا الزائل المليء بالغصص والنكد، والذي سيُحاسب عليه حسابا دقيقا، ولهذا كله أيضا حثنا الله سبحانه على العمل والمسارعة إلى طاعة الله وإلى الجنة، يقول سبحانه: وسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين [آل عمران:133] .
أما عن حال الإنسان في الجنة، فكيف سيكون حال من يرفل في النعيم بين الخضرة والأنهار، وتحيط به الجواري والولدان، ولا يتمنى شيئا إلا وجده بين يديه؟! كيف يكون حال من خيمته من لؤلؤ تغنيه الجواري الحسان بأعذب الأصوات؟! كيف يكون حال من لا يبأس ولا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه؟! كيف يكون حال من يحظى برؤية الرحمن عز وجل؟! وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة [القيامة:22، 23] .
يقول فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة: (( من يدخل الجنة ينعم فيها لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه ) )، ويقول: (( طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ) )أخرجه أحمد عن أبي سعيد، ويقول فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة: (( إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء ) )، ويقول فيما أخرجه مسلم من حديث أنس: (( إن في الجنة لسوقا، يأتونها كل جمعة، فيها كثبان المسك، فتهب ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنا وجمالا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا ) )، ويقول: (( إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟! ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟! فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ) )أخرجه مسلم والترمذي عن صهيب.
ثم لنستمع إلى هذا الحديث العظيم الذي يبين لنا عظمة أجر الله لعباده الصالحين، أخرج مسلم وأحمد عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله قال: (( سأل موسى ربه فقال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما يدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟! فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلك مَلِك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: ربّ فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر ) ).
فإذا أضفنا إلى كل هذا الخلود الدائم في هذه النعمة وهذه الغبطة علمنا كم يكون أصحاب الجنة مسرورين فرحين، وكم يكون أصحاب النار مغمومين محزونين، يقول فيما أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر: (( إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت ـ على صورة كبش ـ حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة خلود لا موت، يا أهل النار خلود لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم ) ).
ولقد تنافس أصحاب رسول الله على الجنة ففازوا بها، وبشر رسول الله كثيرا منهم في حياتهم بأنهم من أهل الجنة، هؤلاء ـ عباد الله ـ أصحاب محمد الذين آمنوا به وأحبوه أشد الحب، فدعاهم هذا الحب إلى اتباعه في كل صغيرة وكبيرة دون زيادة ولا نقصان، فنالوا شرف رضوان الله والجنة، أخرج الشيخان من حديث أنس أن رسول الله قال لصحابته عندما تعجبوا من لين حُلّة من الحرير: (( أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِين هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنّةِ، خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ ) )، ويقول فيما أخرجه الشيخان وابن ماجه من حديث أبي هريرة: (( بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ تَتَوَضّأُ إِلَى جَنْبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ فَقَالَتْ: لِعُمَرَ، فَذَكَرَتْ غَيْرَتَهُ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا ) )، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَبَكَى عُمَر، فَقَالَ: أَعَليكَ ـ بِأَبِي وَأُمِّي ـ يَا رَسُولَ اللَّه أَغَارُ؟! ويقول فيما أخرجه الطبراني عن ابن عباس: (( دخلت الجنة البارحة، فنظرت فيها فإذا جعفر يطير مع الملائكة، وإذا حمزة متكئ على سرير ) )إلى غير ذلك مما ذُكر عن منزلة أصحاب رسول الله في الجنة.
ونحن ـ عباد الله ـ مدعوون إلى اتباع رسول الله واتباع صحابته رضوان الله عليهم؛ لننال شرف صحبتهم في الجنة.
ولقد بين لنا رسول الله بعض الأعمال التي توصلنا إلى الجنة، من هذه الأعمال طاعة رسول الله واتباع سنته، يقول: (( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ) )، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: (( من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى ) )أخرجه البخاري عن أبي هريرة. ومن ذلك الصبر على ابتلاء الله، يقول فيما أخرجه أحمد عن أنس: (( قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ـ يريد عينيه ـ ثم صبر عوضته منهما الجنة ) ). ومن ذلك طاعة الأم والإحسان إليها، أخرج ابن ماجه عن معاوية بن جاهمة أنه جاء إلى رسول الله يريد الجهاد معه طلبا للجنة، فقال له: (( ويحك، أحيّة أمك؟ ) )قال: نعم، فقال: (( الزم رجلها فثمّ الجنة ) ). ويقول فيما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة: (( كان على الطريق غصن شجرة يؤذي الناس، فأماطها رجل فأدخل الجنة ) )إلى غير ذلك من أعمال، نسأل الله أن يوفقنا إليها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله.
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة، إن الجنة تحتاج إلى سعي وعمل، وبدون السعي والعمل يصبح طلب الجنة جنون وعبث، يقول سبحانه: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا [الإسراء:19] .
فلا جنة إلا بسعي لها، يقول يحيى بن معاذ كما في صفة الصفوة:"عمل كالسراب وقلب من التقوى خراب وذنوب بعدد الرمل والتراب ثم تطمع في الكواعب الأتراب! هيهات أنت سكران بغير شراب".
لذا وجب علينا أن نعمل للجنة، وأن نعلم أن ملذات الحياة الدنيا ينبغي أن لا تلهينا عن الملذات الباقية في الآخرة، وليعلم كل مُنعَّم ومترف ولاهٍ وعابث أن عذاب الآخرة إذا تعرض له سوف ينسيه كل هذا الترف والنعيم، وليعلم كل فقير أو معوز أو بائس أن نعيم الجنة إن كان من أهلها سوف ينسيه كل هذا البؤس، يقول في الحديث الذي أخرجه مسلم من حديث أنس: (( يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في جهنم صبغة ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدّة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بى بؤس قط، ولا رأيت شدة قط ) )، فهل يستحق نعيم هذه قيمته أن نعصي الله من أجله؟! هل تستحق حياة تنسى بغمسة في جهنم أن نضحي بديننا من أجلها؟!
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه...