فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
العلم والدعوة والجهاد
قضايا دعوية
محمد بن عبد الله السبيل
مكة المكرمة
المسجد الحرام
شكر الله على نعمه - فضل يوم العيد - الحث على التمسك بالإسلام والتخلق بأخلاقه - أعمال
التخريب وبراءة الدعوة منها - من هدي الإسلام في الجهاد - دين الإسلام والوعد بالتمكين -
الإسلام والأخذ بأسباب القوة - واقع الأمة المأساوي والواجب تجاه ذلك التذكير بمسئولية الآباء
-وصايا للنساء - الست من شوال.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، اتقوه حق تقاته؛ فإن من اتصف بالتقوى جعل الله له من أمره يسرا، ومن كل ضائقة مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب، يقول سبحانه وتعالى: وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ويقول عز وجل: وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا.
واشكروه سبحانه على نعمه الوافرة وآلائه المتكاثرة، ألا وإن يومكم هذا يوم شريف، فضله الله وشرفه وجعله عيدًا سعيدًا لأهل طاعته، يفيض عليهم فيه من جوده وكرمه وفضله وإحسانه، فاشكروه على إكمال شهر الصيام، واذكروه وكبروه على ما حباكم من نعمة الإسلام.
وتدبروا عباد الله كتاب ربكم تفلحوا، واتبعوا هدي نبيكم تهتدوا، أقيموا أركان دينكم بصدق وإخلاص لله تعالى ربكم، وحسن متابعة لهدي نبيكم ، حافظوا على الصلاة فإنها عماد الدين وهي صلة بين العبد وبين ربه، من حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم، منشرحة بها صدوركم، وصوموا شهركم شهر الصيام والقيام، وحجوا بيت الله الحرام تدخلوا الجنة بسلام.
وعليكم ببر الوالدين وصلة الأقارب والأرحام، والإحسان إلى الفقراء والأيتام، وتضرعوا بالصبر على الأقدار، واجتنبوا الربا والإثم وقول الزور، واحذروا من بخس المكاييل والموازين والمقاييس، والغش والخداع في المعاملات، ووقروا الأيمان بالله في خصوماتكم ومنازعاتكم، وعليكم بالتواضع وخفض الجناح والتواصل والتراحم فيما بينكم.
عباد الله، إن دين الإسلام هو دين العبودية الحقة لله رب العالمين، إنه دين العدل والإحسان والمحبة والوئام، إنه استسلام لله بالتوحيد وانقياد له بالطاعة، وبعدٌ عن الشرك ومظاهر الوثنية، واجتناب للفساد في الأرض.
إن المسلم الحقيقي هو من يحقق ويتصف بقوله: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) ).
أما من يتسمى بالإسلام وعمله يخالف قوله، فتجده يهمل الواجبات، ويرتكب المنكرات ويأكل أموال الناس بالباطل، ويحلف الأيمان الكاذبة، لا يراعي حق والديه، ولا حق القرابة والأرحام، يخلف الوعد ولا يفي بالعهد، لا يرحم صغيرًا ولا يوقر كبيرًا، فإن من فعل ذلك لم يحقق الإيمان ولم تنعكس عبادته على حياته وسلوكه.
إن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، إنه لمن المؤسف في واقعنا اليوم ما يُرى من أناس يتظاهرون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، ولكن أعمالهم تخالف أقوالهم، كيف يدعو إلى الإسلام من يخالف تعاليم الإسلام بما يرتكبه من منكرات، أي من تعاليم الدين الإسلامي ما يفعله بعض من يزعمون أنهم يريدون الإصلاح أو يريدون تغيير المنكر في بعض البلاد الإسلامية أو غيرها بما يقومون به من أعمال لا يقرها دين من الأديان ولا شريعة من الشرائع بل ولا يرتضيها ذو عقل سليم ومنهج رشيد.
هل من الدعوة إلى الله القيام بقتل الأبرياء وسفك الدماء وهتك الأعراض، هل من دين الإسلام القيام بإحراق الممتلكات وإحداث التفجيرات في أماكن يكون فيها الرجال والنساء والأطفال من المسلمين وغير المسلمين؟ ما ذنب هؤلاء؟ وما جرمهم حتى تفعل بهم تلك الأفعال، وترتكب في حقهم تلك الفجائع، هل هم مستحقون لذلك شرعًا؟ أليس رسول الهدى نهى عن قتل شيوخ المشركين وأطفالهم ونسائهم حتى في حالة الحرب، فقد روى البخاري ومسلم وغيرها عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: وُجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله فنهى رسول الله عن قتل النساء والصبيان، وفي حديث أنس أن رسول الله قال: (( انطلقوا بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) )رواه أبو داود.
وفي حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (لا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع) ، فكيف يسوء للمسلم أن يقتل النساء والصبيان وغيرهم من المسلمين أو غير المسلمين من دون ذنب أو جريمة، وإنما يفعل ذلك من أجل إغاظة قوم آخرين أو تحقيق هدف ينشده ألم يقرأ قوله عز وجل: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ?للَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا.
ألم يسمع قول المصطفى: (( من قتل نفسًا معاهدة لم يرح رائحة الجنة ) )، إن الذين يزعمون أنهم يريدون الإصلاح وأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بهذه الطريقة فإن فعلهم هذا هو المنكر بعينه، إنه ليس من الإسلام في شيء ولكنه من أعمال الجاهلية ومن الإفساد في الأرض بغير حق، ألم يسمعوا قول الله عز وجل: وَمِنَ ?لنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ?للَّهَ عَلَى? مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ?لْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى? سَعَى? فِى ?لأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ?لْحَرْثَ وَ?لنَّسْلَ وَ?للَّهُ لاَ يُحِبُّ ?لْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ ?تَّقِ ?للَّهَ أَخَذَتْهُ ?لْعِزَّةُ بِ?لإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ?لْمِهَادُ.
عباد الله، إن دين الإسلام هو الدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، ولقد تكفل الباري جل شأنه لمن استمسك به بالنصر والتمكين في الأرض والسيادة على الخلق، ولذا ساد دين الإسلام العالم قرونًا طويلة لما كان أهله متصفون به ظاهرًا وباطنًا عملًا واعتقادًا، سلوكًا ومنهجًا، قاموا بتحقيق حقوق الإسلام فيما بينهم وبين خالقهم وبارئهم وإلههم ومعبودهم جل وعلا.
اتصفوا بالإسلام في سلوكهم وفي معاملتهم مع الناس مؤمنهم وكافرهم، أعطوا كل ذي حق حقه كما أمرهم ربهم، وساروا على نهج نبيهم فسادوا العالم مسلمهم وكافرهم بعدلهم وبصدقهم وأمانتهم وحسن معاملتهم، فعاش أهل الإسلام في أمن وطمأنينة متعاونين على الخير في جميع شئونهم الدينية والدنيوية، ونعم معهم غيرهم ممن أقرهم المسلمون في بلاد الإسلام بالعهد والدين فآتوهم حقوقهم كاملة، حفظوا نفوسهم وأعراضهم وأموالهم ووفوا لهم بالعهود والوعود وبجميع الحقوق، فعاش غير المسلمين في ظل عدل الإسلام عيشة هنيئة حينما كان المسلمون بهذه الصفة من تمسكهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم حفظهم الله بحفظهم لحرمات الإسلام وقيامهم بالعدل في حق الصغير والكبير والرجل والمرأة والرئيس والمرؤوس، وهذا مصداق قوله عز وجل: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ ?للَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ.
عباد الله، لقد كتب الله عز وجل لأمة الإسلام العزة والكرامة على غيرها من سائر الأمم لما حباها من قوة روحية ليست عند غيرها، وإن تعاليم الدين القويم والشرع المبين لتأكد على الأخذ بأسباب القوة والتقدم والرقي في مدارج الحضارة؛ إعلاءً لشأن الأمة وإبقاءً لمكانتها وهيبتها يقول الله سبحانه: وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ?سْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ وَمِن رّبَاطِ ?لْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ?للَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ?للَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء فِى سَبِيلِ ?للَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ، ولقد كان لدولة الإسلام في قرون متطاولة خلت صولة لا تبارى وجولة لا تجارى وهيبة لا تقارن، وما ذاك إلا باستمساكها بدينها حقًا وصدقًا، ولِما كانت عليه من قوة مادية في مختلف المجالات، فلقد حاز المسلمون الأوائل قصب السبق في مضمار التقدم الحضاري، وسبقوا غيرهم في مجالات علمية دنيوية كثيرة، ولقد كان همهم العلم النافع والعمل الصالح والكسب المشروع والتنافس المحمود والرقي المضطرب حتى حقق الله لهم ما وعدهم به من التمكين في الأرض والسيادة على الخلق، يقول عز وجل: وَعَدَ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ?لأرْضِ كَمَا ?سْتَخْلَفَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ?لَّذِى ?رْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذ?لِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْفَـ?سِقُونَ.
فهلا أعاد المسلمون تلك الأمجاد التليدة والمكانة المرموقة وهم يملكون أغلى الثروات وأكبر المقدرات، إنه لن يتحقق لهم ذلك إلا في ظل التمسك بالدين القويم والاعتصام بحبل الله المجيد والاجتماع على كلمة سواء، والتعاون على البر والتقوى فيما من شأنه أن يعلي كلمة الأمة ويرفع شأنها بين الأمم تحقيقًا لقوله جل شأنه: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَ?عْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ?للَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ.
إن على أمة الإسلام بما حباها الله من نعم كثيرة وخيرات وفيرة وعقول مفكرة وأيدي ماهرة في دولها المختلفة أن تأخذ بأسباب القوة والمنعة في جميع المجالات ومختلف نواحي الحياة وأن تعمل على الاعتماد على ذاتها، وأن تحقق لنفسها الاكتفاء في جميع المجالات الاقتصادية والعسكرية وغيرها، وأن تتعاون فيما بينها حكومات وشعوبًا لتحقيق هذا الهدف، فما من أمة احتاجت إلى غيرها إلا ذلت وهانت، ولا استغنت بنفسها إلا قويت وعزت، وصار حقها بين الأمم محفوظًا وجانبها بين الدول مرهوبًا يخشاها العدو ويرجوها الصديق.
هذا هو المأمول من أمة الإسلام قيادة وشعوبًا، لكن المتأمل لحال الأمة الإسلامية اليوم يشعر بعظيم الأسى لما آلت إليه هذه الحال. لقد أصبح أعداء الله وأعداء دينه يسيطرون على مصالح المسلمين ويسيِّرون كثيرًا من أمورهم السياسية والاقتصادية لما يخدم مصلحة غير المسلمين، ها هم الأعداء يتحكمون في مصير إخوان لنا في مواطن كثيرة من هذا العالم الواسع، تغتصب أراضيهم وتسلب حقوقهم ويستولى على ثرواتهم وخيراتهم، أليس المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين ومسرى سيد الثقلين نبينا محمد لا يزال مغتصبًا من قبل فئة معتدية آثمة، دنست مقدسات المسلمين واغتصبت أرضهم وقتلت إخواننا في فلسطين وسلبت حقوقهم وإخوان لنا في أماكن أخرى في البوسنة والشيشان وفي كشمير وغيرها من بلاد كثيرة، يعانون أنواعًا من الاضطهاد والظلم والفاقة والجوع كيف يرتاح لنا بال ويهنأ لنا عيش وهذه أحوال إخواننا في كثير من البلاد.
إن على الأمة الإسلامية أن يقوموا بالدعم المادي والمعنوي لنصرة إخواننا المضطهدين في دينهم في كل مكان؛ تحقيقًا للإخوة الإيمانية التي عقدها القرآن الكريم بين المؤمنين بقوله عز وجل: إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
أما القادة والحكام المسلمون فعليهم تقع المسئولية الكبرى المتمثلة في الوقوف مع إخوانهم المسلمين ومناصرتهم وبذل جهد أكبر واستخدام وسائل متعددة سياسية واقتصادية وغيرها من أجل إيجاد حلول لمشاكلهم ووضع نهاية لمآسيهم، ولنا أمل كبير في قادة هذه البلاد المباركة أن يستمروا في بذل مساعيهم الخيرة من أجل نصرة الإسلام والمسلمين وإغاثة الملهوفين.
نسأل الله عز وجل أن يحفظ ولاة أمور هذه البلاد، ويعينهم على ما يقومون به من خدمة للإسلام والمسلمين واهتمامًا بشئونهم وتقديم العون والمساعدة لهم وما يولونه من عناية ورعاية للحرمين الشريفين زادهم الله تشريفًا وتعظيمًا.
كما نسأله سبحانه أن يوفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرع الله والعمل بسنة رسوله ، وأن يدلهم على ما فيه خير الإسلام والمسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أسأله سبحانه وتعالى أن ينفعني وإياكم بالذكر الحكيم، وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الحمد لله وفق من شاء للرضا والقناعة، وهداهم لسلوك سبيل أهل البر والطاعة، وحماهم عن طريق أهل التفريق والإضاعة، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أفضل الرسل وخير الأنام، نصح الأمة وأدى الأمانة وقام بالرسالة خير قيام، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون، اتقوا الله ربكم حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وأخلصوا له العبادة والطاعة في كل وقت وحين، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له لعلكم تفلحون، وتذكروا عباد الله أن الله تعالى قد أسعد البشرية ببعثة سيد المتقين وخاتم الأنبياء والمرسلين أرسله الله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين وهدى للناس أجمعين، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، ولم ينتقل عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى حتى أكمل الله به الدين وأتم به النعمة على الخلق أجمعين ?لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ?لأسْلاَمَ دِينًا ، فدين الله كامل، كامل في توحيده وعباداته وطاعاته، شامل في حكمه وأحكامه وتشريعاته وتوجيهاته، من تمسك به حقًا والتزم به إخلاصًا وصدقًا، حصلت له السعادة في الدنيا والأخرى وفاز بالنعيم الدائم.
عباد الله، إن من كمال هذا الدين وشمولية أحكامه وتشريعاته، أنه ليس دين عبادة يؤديها العبد لله سبحانه فحسب، بل هو إلى جانب ذلك، دين أخلاق كريمة ومثل عالية، ومعاملات مع الناس حسنة، فعلى المسلم أن يكون محققًا لإيمانه بربه مخلصًا له سبحانه وتعالى في طاعته، ملتزمًا بأوامره مجتنبًا نواهيه، فلا يراه حيث نهاه، ولا يفقده حيث أمره، وتذكروا عباد الله أنه لا يكمل إسلام المرء ولا يتم إيمان العبد إلا حين تنعكس عباداته على سلوكه ويظهر أثرها في خلقه ومعاملاته وجميع تصرفاته.
أما حين تؤدى العبادات مع إغفال حقوق الناس فإن في ذلك خطرًا عظيمًا على المرء يوم القيامة كما جاء التحذير النبوي الكريم عنه في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( أتدرون ما المفلس؟ ) )قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال عليه الصلاة والسلام: (( إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) )فاتقوا الله عباد الله، واحذروا أن تقعوا في شيء من ذلك فإن ذلك من أسباب ذهاب الأعمال الصالحة ووقوع العذاب يوم القيامة.
أيها المسلمون لقد ابتلي العالم الإسلامي اليوم بكثير مما تبثه وسائل الإعلام المسموعة والمرئية مما يتنافى مع تعاليم الإسلام وآدابه وما فيه خطر على الدين والأخلاق، فاحرصوا رحمكم الله على مراقبة النشء وتربيته على منهج الإسلام والبعد به عن كل ما يتنافى مع تعاليمه، تلكم مسئولية الآباء والأمهات، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، وعلى رجال الإعلام في بلاد الإسلام أن يتقوا الله وأن يتجنبوا التبعية الإعلامية لمناهج الغرب وأعداء الإسلام، وألا يقدموا للأمة إلا ما يتفق مع تعاليم دينها الحنيف.
عباد الله، عليكم بالتخلق بأخلاق القرآن الكريم والتأدب بآداب سيد المرسلين، حسنوا أخلاقكم مع إخوانكم المؤمنين ومع أقاربكم وجيرانكم فما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن خلق، حسنوا أخلاقكم مع أهليكم وأزواجكم، فقد قال (( أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا، وخياركم خياركم لنسائهم ) ).
أيتها المرأة المسلمة، اتقي الله وحافظي على ما أوجب الله عليك في دينك وأمانتك وما استرعاك الله عليه، حافظي على كرامتك وعرضك والتزمي الحشمة والوقار والبعد عن مزاحمة الرجال، مُري أولادك بالصلاة وعوديهم على الطاعات والصدق والأمانة ومكارم الأخلاق.
عباد الله، إن من تمام نعمة الله علينا إكمال شهر رمضان، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا بقبول الصيام والقيام، وأن يجعلنا من عتقائه من النار.
ألا فداوموا رحمكم الله على الإقبال على طاعة الله وأكثروا من ذكر الله وتكبيره وتعظيمه وشكره سبحانه، وصلوا الإحسان بالإحسان والطاعة بالطاعة فإن ذلك من أمارة قبولها واستجيبوا لما ندبكم إليه من صيام ست من شوال مبينًا فضل ذلك وثوابه بقوله: (( من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر ) )فاغتنموا رحمكم الله مواسم الخيرات وتعرضوا لنفحات ربكم في جميع الأوقات وتسابقوا إلى الخيرات ينزل الله عليكم الرحمات.
ألا وصلوا عباد الله على خير البرية أجمعين ورسول رب العالمين؛ فقد أمركم مولاكم بذلك في محكم كتابه حيث يقول عز وجل: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار المهاجرين منهم والأنصار...