فهرس الكتاب

الصفحة 3821 من 5777

الروح

موضوعات عامة

مخلوقات الله

محمد الشعراني

غير محددة

غير محدد

1-الروح مخلوقة. 2- معنى موت النفوس. 3- حال الأرواح ومستقرها في البرزخ. 4- أقسام الأرواح. 5- دُور الروح الأربع.

السؤال1: هل الروح مخلوقة؟

قال شيخ الإسلام:"روح الآدمي مخلوقة مُبْدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة"، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي الإمام المشهور الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف أو من أعلمهم.

وكذلك أبو محمد بن قتيبة لما تكلم على خلق الروح، قال: النَّسَم الأرواح، قال: وأجمع الناس على أن الله خالق الجثة، وبارئ النسمة، أي: خالق الروح، وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: سألت ـ رحمك الله ـ عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة؟ قال: هذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب... إلى أن قال: والروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء المشائخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة.

وصنف الحافظ أبو عبد الله بن منده في ذلك كتابًا كبيرًا في الروح والنفس، وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئًا كثيرًا، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره، والشيح أبو يعقوب الخراز، وأبو يعقوب النهرجوري، والقاضي أبو يعلى وغيرهم، وقد نص على ذلك الأئمة الكبار، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في روح عيسى بن مريم، لا سيما في روح غيره، كما ذكره أحمد في كتابه في الرد على الزنادقة والجهمية.

السؤال2: هل تموت النفوس وتفنى؟

قال الإمام ابن القيم في كتاب (الروح) :"والصواب أن يقال أن موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدمًا محضًا فهي لا تموت بهذا الاعتبار".

وذكر الإمام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) أن الموت تغير حال فقط، وأن الروح باقية بعد مفارقة الجسد، إما معذبة وإما منعمة، ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عنه، بخروج الجسد عن طاعتها، فإن الأعضاء آلات للروح، والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها، وانتهى إلى القول:"لا يمكن كشف الغطاء عن كنه الموت، إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة". وقال الشيخ الدكتور بكر أبو زيد رئيس مجمع الفقه الإسلامي في بحثه القيم عن هذا الموضوع:"إن حقيقة الوفاة هي مفارقة الروح البدن، وإن حقيقة المفارقة هي خلوص الأعضاء كلها عن الروح، من حيث لا يبقى جهاز من أجهزة البدن فيه صفة حياتية".

السؤال3: مَن خلِق أولًا؟

الذي خلق أولا الأجساد لقوله تعالى: إِنّى خَـ?لِقٌ بَشَرًا مّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـ?جِدِينَ [ص:71، 72] .

الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم، كما رآهم النبي ليلة الإسراء.

ومنها أرواح في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء لا جميعهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه أو غيره، كما في المسند عن محمد بن عبد الله بن جحش أن رجلًا جاء إلى النبي فقال: ما لي ـ يا رسول الله ـ إن قتلت في سبيل الله؟ قال: (( الجنة ) )، قال: فلما ولى قال: (( إلا الدَّين، سارَّني به جبريل آنفا ) ).

ومنهم من يكون محبوسًا على باب الجنة كما في الحديث الآخر: (( رأيت صاحبكم محبوسا على باب الجنة ) )صححه الألباني.

ومنهم من يكون محبوسًا في قبره، كحديث صاحب الشملة التي غلها ثم استشهد، فقال الناس: هنيئًا له الشهادة، فقال النبي: (( والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم ولم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا ) ).

ومنهم من يكون مقره باب الجنة، كما في حديث ابن عباس: (( الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية ) )رواه أحمد. وهذا بخلاف جعفر بن أبى طالب حيث أبدله الله من يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء.

ومنهم من يكون محبوسًا في الأرض لم تُعْل روحه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت روحًا سفلية أرضية، فإن الأنفس الأرضية لا تجامع الأنفس السماوية، كما لا تجامعها في الدنيا، والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها ومحبته وذكره والأنس به والتقرب إليه هي أرضية سفلية لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك، كما أن النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفة على محبة الله وذكره والقرب إليه والأنس به تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها، فالمرء مع من أحب في البرزخ ويوم القيامة، والله تعالى يزوّج النفوس بعضها ببعض في البرزخ ويوم المعاد، كما تقدم في الحديث، ويجعل روحه ـ أي: المؤمن ـ مع النسم الطيب أي: الأرواح الطيبة المشاكلة، فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها وأخواتها وأصحاب عملها، فتكون معهم هناك.

ومنها أرواح تكون في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتُلْقم الحجارة، فليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد، بل روح في أعلى عليين، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض.

وأنت إذا تأملت السنن والآثار في هذا الباب وكان لك بها فضل اعتناء عرفت حجة ذلك، ولا تظن أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضًا، فإنها كلها حق يصدق بعضها بعضًا، لكن الشأن في فهمها ومعرفة النفس وأحكامها، وأن لها شأنًا غير شأن البدن، وأنها مع كونها في الجنة فهي في السماء، وتتصل بفناء القبر وبالبدن فيه، وهي أسرع شيء حركة وانتقالًا وصعودًا وهبوطًا، وأنها تنقسم إلى مرسلة ومحبوسة وعلوية وسفلية، ولها بعد المفارقة صحة ومرض ولذة ونعيم وألم أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير، فهنالك الحبس والألم والعذاب والمرض والحسرة، وهنالك اللذة والراحة والنعيم والإطلاق، وما أشبه حالها في هذا البدن بحال ولد في بطن أمه، وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار.

فلهذه الأنفس أربع دور، كل دار أعظم من التي قبلها:

الدار الأولى في بطن الأم، وذلك الحصر والضيق والغم والظلمات الثلاث.

والدار الثانية هي الدار التي نشأت فيها وألفتها، واكتسبت فيها الخير والشر وأسباب السعادة والشقاوة، وهي الدنيا.

والدار الثالثة دار البرزخ، وهي أوسع من الدار الثانية وأعظم، بل نسبتها إليها كنسبة الدار الثانية إلى الأولى.

والدار الرابعة دار القرار، وهي الجنة أو النار، فلا دار بعدها، والله ينقلها في هذه الدور طبقًا بعد طبق، حتى يبلغها الدار التي لا يصلح لها غيرها، ولا يليق بها سواها، وهي التي خلقت لها، وهيئت للعمل الموصل لها إليها، ولها في كل دار من هذه الدور حكم وشأن غير شأن الدار الأخرى، فتبارك الله فاطرها ومنشئها، ومميتها ومحييها، ومسعدها ومشقيها، الذي فاوت بينها في درجات سعادتها وشقاوتها، كما فاوت بينها في مراتب علومها وأعمالها، وقواها وأخلاقها.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت