الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر, اليوم الآخر
عبد الله بن عبد العزيز التميمي
الرياض
الأمير حسن بن عبد الله آل سعود
1-كثرة أحداث هذا الزمان. 2- تفشي الغفلة عن ذكر الموت. 3- حتمية فناء المخلوقات. 4- آثار الموت على البشر. 5- أهمية الاستعداد للموت في كل وقت. 6- علامات حسن الخاتمة.
حين يتأمّل المرء حال العالم بأسره اليوم يجد أنه يلتهب من الفتن والأحداث والقلاقل التي تذكو نارها يومًا بعد يوم، ضحاياها كثير، وكثير من هذا الكثير لا ذنب له فيها إلا القرب أو الجوار. ولا تكاد قضية أو مشكلة تخبو أو تنطفئ إلا وتنفجر أخرى، ربما كانت شرًا من الأولى. ولا يجد المتابع مشقّة أو كُلْفة في متابعة الحدث مهما كانت أرضه؛ وذلك من خلال تلك القنوات والإذاعات المتخصصة في نقل الأخبار والأحداث، التي تزعم أنها تنقلها لحظة بلحظة.
عباد الله، لقد غفل العالم عن حدث عظيم وخطب جَلَل، ما أكثر ضحاياه! فهو يعم القاصي والداني، والقريب والبعيد، ولا ينجو منه أحد، إنه الموت. إنك لا تكاد ترى للموت أثرًا، بل ولا حتى ذكرًا في حياة الكثيرين اليومية، فمع قلة الواعظين وامتلاء المجالس ووسائل الإعلام بالأخبار العالمية وأمور الدنيا الزائلة تجزم أن أناسًا تمر عليهم الأيام ما تذكروا الموت، ولا مرّ اسمه على مسامعهم.
إن العجب يتملكك حين ترى حال بعض المسلمين ـ هداهم الله ـ يأتيه الخبر بوفاة قريب أو صديق فلا يتحرك فيه إلا لسانه بترحّم واستغفار لذلك الميت، وأناس يأتون المقابر ويسيرون بين قبور الموتى وحديثهم عن الدنيا وزخارفها. لقد نسينا الموت والأهوال التي بعده، فأورثنا ذلك قسوة في قلوبنا وعدم اتعاظ بمصارع من حولنا.
ولأجل هذا فسنشرع ـ بإذن الله ـ هذه الجمعة وما ييسّر الله من الجُمَع بعدها في الحديث عن الموت وما يعقبه من الأهوال العظام في القبر والمحشر حتى ينصرف الناس إلى المثوى الأخير، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7] ، عَلّ القلوب أن تستعد لذلك المصرع، وتتأهّب لهول المَطْلَع.
عباد الله، لقد كتب الله الفناء على كل شيء، فكل شيء هالك إلا وجهه، وكُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26، 27] . فالموت أمر واقع، ما له من دافع، لا مردّ له ولا شافع، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] ، الجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، ويبقى الله الحي الذي لا يموت، ينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخِرًا ليس بعده شيء، كما كان أولًا ليس قبله شيء.
لقد حيّر الموت بأمره العقلاء، واستغلق بسرّه على الحكماء، لا يرحم صغيرًا، ولا يوقّر كبيرًا، ولا يعرف صديقًا، لباسه لا يستثني جسدًا، وكأسه لا يترك جوفًا، فكلنا لكأسه شارب ولطعمه ذائق.
ألا كُلُّ مولودٍ فللموتِ يُولَدُ ولستُ أرى حيًا عليها يُخلّدُ
تجرّدْ من الدنيا فإنك إنّما خرجتَ إلى الدنيا وأنت مُجرّدُ
وأنت وإن خُوّلْتَ مالًا وكثرةً فإنك في الدنيا على ذاك أوحدُ
وأفضلُ شيء نِلْتَ منها فإنه متاعٌ قليلٌ يَضْمَحِلُّ وينفدُ
فكم من عَزِيز أعقبَ الذلُّ عزَّهُ فأصبح مذمومًا وقد كان يُحمدُ
فلا تَحمدِ الدنيا ولكن فَذُمّها وما بالُ شيء ذَمَّهُ اللهُ يُحمدُ
عباد الله، عجب أمر هذا الموت! مفرّق للجماعات، وهادم للذات، فكم من أفراح قلبها أتراحًا، وسرور حوّله همًا وغمًا. والد بين أولاده يضاحكهم ويداعبهم في غمرة سعادة ونشوة فرح، فإذا بالفرح ينقلب حزنًا، والولد يصبح يتيمًا. وأم تملأ البيت بحنانها وشفقتها وبشاشتها، تحنو على صغارها، تقبّل هذا، وتمسح على هذا، وتداعب هذا، ثم لم يلبث الحال حتى زال ذلك الحنان، وغاب ذلك الإنسان، فذهبت الشفقة، وأعقبتها الحسرة. وصغير يملأ البيت صياحًا ولعبًا، يكسر إناءً ويحمل آخر، فإذا بشخصه يصبح خيالًا بعد قبض روحه، ويخيّم على الدار صمت رهيب. فلا إله إلا الله، ما أجلّ حكمته، وما أعظم تدبيره.
من يأمن على نفسه يا عباد الله؟! فلقد مات آدم صفيّ الله وإبراهيم خليل الله وموسى كليم الله وعيسى روح الله، بل مات محمد رسول الله وأحبّ خلق الله إلى الله، وما في السماء والأرض وما بينهما مخلوق أفضل ولا أكرم على الله منه.
ولو كانت الدنيا تدومُ لأهلها لكانَ رسولُ الله حيًّا مُخلّدًا
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] ، قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة:8] .
وإذا كان الموت مصير كل حي ونهاية كل شيء ألا فليتعظ العاقل، ولينزجر الغافل، فالموت أمر لا مفر منه، وكلنا إلى الله راجع.
وما المالُ والأهلونَ إلا ودائع ولا بدّ يومًا أن تُرَدَّ الودائعُ
فاليوم تُعَزَّى، وغدًا يُعَزَّى فيك، واليوم تَبكي، وغدًا يُبكى عليك.
وإذا حَمَلْتَ إلى القبورِ جنازةً فاعلم بأنّك بعدها مَحْمُولُ
عباد الله، ولما كان الموت يأتي بغتة ولا يدري المرء متى يفجؤه أجله وجب عليه أن يستعد لذلك بالعمل الصالح وسؤال الله حسن الختام، فإن المرء يُبعث على ما مات عليه، والأعمال بالخواتيم، من مات وهو ساجد بُعِث وهو ساجد، ومن مات محرمًا مُلبّيًا بُعِث يوم القيامة كذلك، ومن مات شهيدًا بُعِث يوم القيامة وجرحه يَثْعُبُ؛ اللون لون الدم، والريح ريح المسك، ليعلم الناس أنه شهيد، ومن مات وهو يقارف المعصية ـ يسمع الغناء أو يحلق لحيته أو يدخن أو بين أحضان البغايا ـ بُعِث يوم القيامة كذلك. فانظر لنفسك ماذا أنت تختار.
اللهم أحسن خاتمتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
كل إنسان يبحث عن الخاتمة الحسنة، فهي من علامات رضا الله عنه ورحمته به، ولحسن الخاتمة علامات استقرأها أهل العلم من النصوص، من ذلك:
أن يكون آخر كلام العبد من الدنيا"لا إله إلا الله"، فقد روى الحاكم عن معاذ أن النبي قال: (( من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة ) ).
ومن ذلك أن يموت الإنسان على عمل صالح، عن أنس قال: قال النبي: (( إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله ) )، قيل: كيف يستعمله؟ قال: (( يوفّقه لعمل صالح قبل الموت، ثم يقبضه عليه ) ).
ومن ذلك الشهادة في سبيل الله وما في حكمها كالهدم والحرق والغرق والمرأة في نفاسها، ومن سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه، ثبت بذلك الخبر في صحيح مسلم عن الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.
ومن علامات حسن الختام الموت يوم الجمعة أو ليلته، ففي الحديث: (( ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر ) )رواه الإمام أحمد.
ومن ذلك الموت برَشْحَ الجبين، فعن بريدة بن الحصيب أنه كان بخراسان فعاد أخًا له وهو مريض، فوجده بالموت وإذا هو يعرق جبينه، فقال: الله أكبر! سمعت رسول الله يقول: (( موت المؤمن بعرق الجبين ) )رواه الإمام أحمد والترمذي. قال ابن العربي:"معناه: أن المؤمن الذي يهون عليه الموت لا يجد من شدته إلا بقدر ما يفيض جبينه ويتفصّد، وقال غيره: لأنه إذا جاءته البشرى مع قبيح ما جاء به من الذنوب خجل واستحيا فعرق جبينه".
اللهم هوّن علينا سكرات الموت، اللهم إنا نسألك حسن الختام والفوز بالجنة دار السلام.
عباد الله، أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي قتادة أن رجلًا سأل النبي عن صيام يوم عاشوراء، فقال: (( أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله ) )، وقد صامه النبي وأمر بصيامه، كما هو عند البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
فاحرصوا ـ رحمكم الله ـ على هذه السنة، وتذكروا بها تأييد الله لأوليائه ونصره لهم على عدوه وعدوهم، فهي ذكرى إنجاء الله لموسى وإهلاكه لفرعون...