العلم والدعوة والجهاد
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فيصل بن عبد الرحمن الشدي
الخرج
جامع العز بن عبد السلام
1-حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 2- وصايا للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. 3- العقبات التي يختلقها بعض الناس لأنفسهم تجاه هذا الأصل الأصيل.
أما بعد: فأوصيكم ـ عباد الله ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل في السر والعلن، والكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
أيها المؤمنون، قد تكلمنا في الجمعة الماضية عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن أهميته وفضله وفضل أهله، وعن اللعنات القاسية والعقوبات القاضية التي تلحق الأمة إذا هي تركته وتخلفت عنه، ونواصل حديثنا اليوم.
وهذا هو الغزالي رحمه الله يقول:"فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم لهذا الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وأُهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد".
لذا ـ يا رعاكم الله ـ نقل طائفة من أهل العلم الإجماع على وجوبه، وأنه من شعائر الإسلام الظاهرة، كالنووي والجصاص وابن حزم وغيرهم، بل وقرر شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى بما أنه من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه تقاتل الطائفة الممتنعة عنه. وأما التفصيل في وجوبه العيني والكفائي فعلى اختلاف الأشخاص والأحوال بما هو مبسوط في كتب العلم، ويضيق عن التفصيل هنا.
أيها المسلمون، ولا يشك شاك أن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر هم رسلُ الخير ودعاة الحق ونورٌ في دياجير الظلم، لكم سارت الأمة على نورهم، واهتدت بكلامهم وتعليمهم، لذا حري بأولئك الذين هم محط أنظار المجتمع وأمل الأمة أن يتحلوا في أمرهم ونهيهم بآداب عظيمة وصفات جليلة، ألا إن من أبرزها الإخلاص، فهو مفتاح القبول وطريق التأييد والتسديد من العزيز الحميد، فلا يأمر الآمر أو ينهى الناهي ليُحسب في الآمرين، أو ليصل بذلك إلى مالٍ أو رتبة أو جاه ونحوها من أعراض الدنيا الزائلة، وفي هذا ملحظٌ خفي دقيق أن الآمر والناهي إذا رُدَّ عليه أمره أو انتقص في كلامه أو أوذي فقد ينتصر لنفسه، وهذا مذهبٌ للإخلاص، عن أرطاة بن المنذر قال:"المؤمن لا ينتصر لنفسه، يمنعه من ذلك القرآن والسنة، فهو ملجم".
ثانيها: العلم، فينبغي أن يكون الآمر والناهي عالمًا بما يأمر به وما ينهى عنه، قال النووي رحمه الله:"إنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء؛ فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخلٌ فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء". لكن مما ينبغي أن تعلمه أنه لا يشترط أن تكون عالمًا فقيهًا، بل يكفي أن تعلم أن هذا منكر فتنكره، وأن هذا من المعروف فتأمر به.
ثالثًا: الصبر، وهو سلاح ينبغي أن لا ينفك من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فلا بد أن يناله من أذى الناس وسخريتهم وصدودهم ما يحتاج معه إلى صبر يوطنه على مواصلة الطريق، وانظر إلى وصية لقمان لابنه: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان:17] ، وقال العارفون:"من وطّنَ نفسه على الأذى وأيقن بثواب الله لم يجد مسَّ الأذى".
نعم فكثير من الناس تكره من يقطع شهوتها ويُكدر لذاتها حتى وإن كانت محرمة، فلا يأسفن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على من هجره وقلاه، ولا يحزنن على من فارقه وجفاه، فتالله إنه بهذا يقطع أطماعه في الخلق ليصير تعلقه برب الخلق.
ومما هو متعلق بما قبله الحلم، فالصبر والحلم وصفان متلازمان، فإن لم يكن الآمر والناهي ذا حلم فالغالب أن الناس لا تقبل منه. ويا لله، انظر لما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عنه وعن وجهه ويقول: (( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) ).
رابعًا: الرفق، وصدق: (( ومن يحرم الرفق يحرم الخير كُلَهُ ) ). قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عنك المنكر غير منكر". وشتان شتان بين من لا يملك أصحاب المنكر إلا الاستجابة العاجلة له لحسن أسلوبه ورفقه وحلمه، وبين من يزيد النار اشتعالًا بشدته وفظاظة أسلوبه. لكن مما ينبغي أن يُعلم أن الحاجة قد تدعو للعنف والشدة أحيانًا، ذلك بحسب المنكر وصاحبه، كما بين الأب وابنه، والمعلم وتلميذه ونحو ذلك.
خامسًا: البدء بالأهم وتقديمه على غيره حسب ما تقتضيه المصلحة.
إن اللبيب إذا بدا من جسمه مرضان مختلفان داوى الأخطرا
والتدرج بالناس على طريق الخير واستلال الشر من نفوسهم أدب شرعي عظيم امتثله الأنبياء مع أقوامهم، فبدؤوا بالتوحيد وما بعده وهكذا، وكذلك رسل الأنبياء، وليست قصة معاذ وإرسال الرسول إياه إلى اليمن والتدرج مع الناس هناك عنا ببعيد، فالمنكرات لا سيما في زماننا هذا منتشرة، فهناك ما هو منها أشد نكارة من بعضها الآخر، فيبدأ بالأشد وهكذا.
سادسًا: مراعاة المصالح والمفاسد؛ بأن لا يترتب على الإنكار منكر آخر أكبر وأوسع انتشارًا من الأول، ومن هذا الفقه كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يفتي بعدم الإنكار على التتار لشربهم الخمر؛ لأنهم إذا أفاقوا واستقامت لهم عقولهم التفتوا إلى المسلمين يقتلون ويفسدون، وفي هذا يحسن الرجوع إلى أهل العلم العارفين، فهم أولى الناس بتقدير المصالح والمفاسد.
سابعًا: يجملُ بالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إيجاد البديل عن المنكر، فالنفس قد تكون متعلقة بهذا المنكر إلى حدٍ لا يمكن أن تنفك عنه، فالعوض هنا والبدل مما يساعد على التخفف من المنكر، وهذا منهج رباني وأسلوبٌ نبوي، ومن ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا [البقرة:104] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض كلامه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:"فلا يُنهى عن منكرٍٍ إلا ويؤمر بمعروف يُغني عنه، كما يؤمر بعبادة الله سبحانه وتعالى، ويُنهى عن عبادة ما سواه". فصاحب الأغاني لو استبدلته ذلك بأشرطة القرآن المرتلة ترتيلًا جيدًا، وصاحب النظرات المحرمة لو دللته على الزواج وحاولت أن تعينه على ذلك، وهلم جرا.
إخوة الإسلام، ما أكثر المخذّلين في زماننا هذا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما أكثر العقبات التي يختلقها الناس لأنفسهم تجاه هذا الأصل الأصيل، وهذه نظرة عجلى حول ذلك:
فمن الناس من يجالس أصحاب المنكر وهم يعملون مُنكرهم، ويخالطهم وهم متلبسون به، ويتعلل بأنه ليس مقرًا لهم وأنه منكر عليهم بقلبه، فلمثل هذا يقال: إن الله لم يُعذرك أن تنكر بقلبك فقط إلا عندما لا تستطع بلسانك ويدك، فكيف تسكت وأنت ترى المنكر؟! ومن يمنعك عن الكلام أم أنه خوف المعاتبة وقطع العلاقة بينك وبينهم وخشية السخرية؟! وهب أنك حقًا لم تستطع الإنكار بلسانك ولا يدك فإن الإنكار بالقلب يستلزم مفارقة أهل المنكر ومنكرهم، قال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:140] .
ومن الناس من يتعلل بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105] ، فيفهم بعضهم أن الإنسان إذا اهتدى فلا عليه من أحد فلا يأمر ولا ينهى، وعن هذه سئل حذيفة بن اليمان عنه فأجاب: ( عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر) .
ومن الناس من يتعلل بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن هذا الأمر مسؤوليته على العلماء أو أهل العلم أو الهيئات وأهل الحسبة، فسبحان الله، أين هؤلاء مما جاء في مسلم أن النبي قال: (( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) )؟! إذًا هو لكل مسلم رأى ذلك.
لا شك أن العلماء وطلبة العلم والهيئات عليهم من الحق ما ليس مثله على غيرهم، لكن سكوت المجتمع واكتفاء أفراده بحوقلات وأنات في زوايا المجالس، هذا الأمر لا ينفع ولا يجدي، بل لا بد من الإنكار بالطرق الشرعية بالحكمة والموعظة الحسنة، في رسالة لمسؤول واستنهاض لهمة عالم ومباشرة زيارة صاحب المنكر والإنكار عليه إن أمكن ذلك، وإلا الساكت شيطان أخرس.
ومن الناس ـ وهم كثير ـ من يكون الحياء وعدم الجرأة على الحق والخوف من الرد شبحًا شيطانيا ماثلًا أمام ناظريه، تجده يقدم رجلًا ويؤخر أُخرى، والشيطان يقول له: انتظر قف قليلًا، حتى يفعل صاحب المنكر منكره ويمضي وهو يتعلل بـ"لعل"و"عسى"، فيا سبحان ربي، صاحب المنكر يعلن منكره أمام الناس ويجاهر به ولا يبالي، وصاحب الحق لا يستعلن بحقه بل يخفي ويداري، ألا تخشى اللعنة قبل أن تحل؟! وما هذا إلا فعل بني إسرائيل، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:79] ، وإنها لتحتاج إلى كسر حواجز الأوهام، ومن ثم يُصبح الأمرُ أمرًا عاديًا عن الشخص. وهب أنه رَدَّ عليك أو استهزأ بك، فالأنبياء والرسل أشرف منك وحصل لهم ذلك وأعظم، فاصبر وصابر وأمر وبادر.
ومن الناس من إذا وقع المنكر وطُلب منه الإنكار يتعلل بأنه قد وقع وانتهى الأمر، فليس في الإنكار فائدة، فلمثل هؤلاء يردّ الله سبحانه وتعالى فيقول: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأعراف:164] .
إن الله لم يطلب منا النتيجة، بل أمرنا بالبلاغ وبذل السبب، والله سبحانه من وراء ذلك، وسواء تغير المنكر أم لم يتغير كفاك أنه إبراء للذمة أمام الله، ناهيك أن الرائي يرى أن المنكر إذا أُنكر ـ لا سيما من أناسٍ كثير ـ غُير هذا المنكر أو خُفف ضرره أو تأخر شرٌ كثيرٌ كان سيأتي تباعًا بعده. أمأ أن تقع الفواجع ويُقال: وقعت وانتهى فلا؛ لأن الشر خطوات، وشياطين الإنس والجن لا تكفّ عن الوسوسة.
أقول قولي هذا...
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمد عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.
أما بعد: عباد الله، نحن في زمنٍ كثرت فيه الفتن والمنكرات والشهوات والمغريات، ورسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكاد تضعف في أوساط كثيرٍ من الناس، لذا ينبغي ـ وربي ـ أن تكون تلك الرسالة مسؤولية الجميع، تمارس في بيوتنا ومحيط أُسرنا، يمارسها المعلمون والمعلمات مع طلابهم وطالباتهم، يمارسها الطلاب فيما بينهم وهم يرون بينهم من المنكرات ما قد لا يراه غيرهم، يمارسها الموظفون في دوائر أعمالهم، الجيران مع جيرانهم، انظر إلى البيت الذي يليك فيه ولدٌ لا يصلي ماذا قدمت له؟! انظر إلى ذلك البيت الذي أمامك في أعلاه طبق فضائي هل نصحت صاحبه؟! بادر ـ أُخي ـ قبل أن تحل اللعنة. انظر إلى شوارع المسلمين وما فيها ماذا قدمت؟! هل أمرت؟! هل نهيت؟! يقول ابن القيم رحمه الله:"وأيُّ دين وأيُّ خيرٍ فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تُضاع ودينه يُترك وسنة رسوله يُرغب عنها وهو بارد القلب ساكتُ اللسان؟! شيطان أخرس كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء؟! إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين"إلى آخر كلامه رحمه الله.
ألا وإنه مما ينبغي التنبيه عليه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مجرد عاطفة تثور ثم تخبو، ولا مجرد حماس طارئ ثم ينتهي، وهذا مكمن خطأ ينبغي النظر إليه، وهي أن لا نعيش حياتنا ردود أفعال، بل يواصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل وقت وآن، فأهل المنكرات يبذلون لباطلهم ولا يفترون، ويجتهدون ولا ينقطعون، والصراع بين الحق وأهله والباطل وأهله قائم يوم أن قامت السموات والأرض، ومستمر حتى قيام الساعة.