الأسرة والمجتمع, الإيمان, العلم والدعوة والجهاد
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, خصال الإيمان, قضايا المجتمع
فيصل بن عبد الرحمن الشدي
الخرج
جامع العز بن عبد السلام
1-غربة المؤمن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. 2- الغيرة صفة لله عز وجل. 3- منزلة الغَيرة في الإسلام. 4- مظاهر ذهاب الغيرة في المجتمع الإسلامي. 5- مفاهيم مغلوطة حول الغيرة. 6- كيف ننمي الغيرة في نفوسنا؟
أما بعد: ثلاث شُرطت للفوز: طاعة الله ورسوله وخشيته سبحانه وتقواه، وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ [النور:52] .
أيها المسلمون، عجبًا له عيناه حملقت، وأوداجه انتفخت، وأنياط قلبه تقطعت، وأفلاذ كبده تمزقت، وزفر من فؤاده زفرة أنينها دليل صدقها، ولكأن كلَّ عضو فيه يزفر، تكاد عيناه لما ترى تدمع، وتكاد رُوحه لما يؤرقها تجزع، والناس حوله كثير منهم لا يقدره بل ولا يأبه له، ويا ليته عند هذا وكفى، بل كلمات السوء تتقاذفه من كل جانب: لِمَ تحترق؟! هذا شأن غيرك، أنت طفيلي، دع الناس وشأنهم... وهلم جرا.
أصبح في بقاع كثيرة من بقاع الإسلام غريبًا، لما كثرت الآفات وتظاهرت القبائح والمنكرات. أصبح وجوده في هذا الوقت أعز من الكبريت الأحمر، نظرت إليه شُزر العيون، وأتاه الأذى من كل مفتون، لكن عزاؤه أنه لم ينتقم لنفسه، كلا وربي، بل انتقم لعلاّم خائنة العيون.
نِعْمَ الأرض التي أظلته، ويا بشرى السماء التي أقلته، إنه ـ يا رعاكم الله ـ المؤمن الغيور، إنها الغيرة، إنها الأنفة والحمية الجاهلية؟! لا وألف لا لأرض، لا وألف لا لمنصب، لا وألف لا لدنيا زائلة، لا وألف لا، إنها الأنفة والحمية لله لدين الله ولحرمات الله.
والمؤمن الصادق يستمد غيرته من الله سبحانه، فالغيرة صفة لله عز وجل، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33] . استدل العلماء بهذه الآية على إثبات الغيرة لله جل وعلا.
فرب العالمين يغار إذا ما انتهكت المجتمعات الفواحش واستعلنت بها. ورب العالمين يغار إذا بغى البغاة وعصي سبحانه في أرضه. ورب العالمين يغار إذا ما أشرك به وسوى العبيد بين مالك الرقاب ومخلوق من تراب. ورب العالمين يغار إذا افتري على شرعه وتُقوِّل على حكمه. ورب العالمين يغار ويغضب، ومن هي السموات ومن هي الأرض ومن هي العوالم كلها التي تقف أمام غضبه أو تواجه غيرته؟! كلها تُذعن لسلطانه وتشفق من عصيانه عدا هذا العبد الجهول الممعن في طغيانه، ينسى غيرة ربه وغضبه وعظيم شأنه، ألا يا بؤسه تصدعت أركانه وقوِّض بنيانه.
إنها الغيرة يا عباد الله، أصلُ الدين ولبُّه وفصله وأهله، ها هو طبيب القلوب ابن القيم رحمه الله هاك خطابه إذ يقول:"إن أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له"، ويقول رحمه الله:"إذا رحلت الغيرة من القلب ترحَّلت المحبة، بل ترحل الدين كُلُّه".
من أجل الغيرة على حرمات الله سُجن الأئمة، وجُلدت ظهور علماء الأمة على مر التاريخ. من أجل الغيرة على دين الله قام القائمون بأمر الله واضعين عظمة الله وسلطانه وهيبته بين أعينهم.
قال أبو معمر القطيعي: لما أحضرنا إلى دار السلطان أيام المحنة، محنة خلق القرآن، وكان أحمد بن حنبل رحمه الله قد أُحضر، وكان رجلًا هينًا لينًا، فلما رأى الناس يُسألون ويجيبون بخلق القرآن انتفخت أوداجة واحمرت عيناه، ذهب ذلك اللين فقلت: إنه قد غضب لله، فقلت: أبشر؛ حدثنا ابن فضيل عن الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي سلمة قال: كان من أصحاب رسول الله من إذا أريد على شيء من أمر دينه رأيت حماليق عينيه في رأسه تدور كأنه مجنون. وكتب التاريخ بأحرف من ذهب غيرة الإمام أحمد وثباته يوم أن سكت الجميع، فنصر الله بها الإسلام والأُمة.
وهكذا كلما رفعت بدعة رايتها أو فاحشة سوءتها أو خبيثة من الخبائث عقيرتها امتطى لها الغيورون خيول الفضيلة، وأشرعوا سيوف الحق في وجه كل سوءة ورذيلة.
ومن أعظم الغير التي رفع الإسلام لواءها وأيَّدها وقواها في القلوب وأصلها الغيرة على الأعراض، حتى إن صاحب الغيرة ليخاطر بحياته ويبذل مُهجته، لم؟! لئلا يُدنس له عرض أو يمس له شرف، ورسول الله قد أعلى ذلك وأسماه عندما قال: (( من قتل دون ماله فهو شهيد ) ).
ولقد كان أصحاب رسول الله من أشد الناس غيرة على أعراضهم، ففي الحديث المتفق عليه أن رسول الله قال يومًا لأصحابه: (( إن دخل أحدُكمُ على أهله ووجد ما يَريبُه أشهد أربعًا ) )، فقام سعد بن معاذ متأثرًا فقال: يا رسول الله، أأدخل على أهلي فأجد ما يريُبني أنتظرُ حتى أُشهد أربعًا؟! لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت في أهلي لأُصحينّ بالرأس عن الجسد، ولأضربن بالسيف غيرَ مُصْفَح، وليفعل الله بعد ذلك ما يشاء، فقال عليه الصلاة والسلام: (( أتعجبون من غيرة سعد؟! والله لأنا أغيرُ منه، والله أغيرُ مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) ).
حقًا والله، من حُرِم الغيرة حُرِم طُهرَ الحياة، ومن حُرِم طُهرَ الحياة فهو أحطُّ من بهيمة الأنعام. وربِّ الكعبة، إنك عندما تسير في طرقات المسلمين اليوم وتنزل أسواقهم وتشاهد مجتمعاتهم لتكاد تودُّ أن العين عميت قبل أن ترى ما ترى، إن القلب ليتقطع ألمًا، وإن الكبد لتتفتت كمدًا مما يحدث اليوم. نعم، عندما ترى ذهاب الغيرة من رجال ونساء وذهاب أصل الحياء.
ألا وإن مظاهر ذهاب الغيرة في المجتمع لمنذرة بخطر كبير وشرّ مستطير، هذه الشياطين السوداء التي توجها بعض المسلمين فوق هام بيوتهم، لتجمع زبالات العالم وقاذوراته لتصبه في بيت عفاف لم يدنس بعد، أبواه مؤمنان، بنيه وبُنياته في ريعان الشباب تفتح عيونهم وتنام على مناظر مخزية ومشاهد داعرة وحركات فاجرة في قنوات داعرة. البعيد قبل القريب يُقرّ ويعترف أن فيها رقصا للنساء بملابس إلى العري أقرب، وأفلاما تنادي من يراها ألف مرة: هيت لك، ومشاهد تغتال العفاف في وضح النهار.
أين المسلمون الصائمون؟! أين الكرماء المتعففون؟! أين أهل الغيرة والحياء؟! أين من يخاف جبار الأرض والسماء؟! أين رعاة البيوت وأمناؤها؟! أين خوفك على أبنائك وبناتك؟! إني أخاطب إيمانك حياءك خوفك غيرتك. احذر ـ أُخي ـ فالله ينظر إليك، وهو يغار على دينه وحُرمه جل سبحانه وتقدس.
ومن مظاهر ذهاب الغيرة التساهل في ذهاب المرأة مع السائق الأجنبي، حتى ولكأنه فردٌ من أفراد العائلة، تركب معه المرأة وتنفرد به، تحادثه وتناوله الحاجات بيدها في يده، يذهب بها إلى وظيفتها، والبنات إلى مدارسهن، وفي المساء إلى السوق، أين الأب؟! حق له مشغول، مشغول بماذا؟! بعقارات وتجارات، أم بسهرات في استراحات، هل لهذا وأمثاله أن يعطي هذا السائق عشرة آلاف ليذهب بها إلى فلان من الناس؟! كلا يخاف عليها، لا يأمن السائق، يخشى منه، أما العرض والشرف فلا؛ الثقة موجودة، والحمد لله من سنين ولم يحدث شيء، ومثله يأخذ النساء في أماكن بعيدة تشد لها الرحال، إن الشيطان لم يمت وإنما يوسوس لابن آدم، ثم أين نخوة المؤمن وشرفه؟! أين الغيرة يا عباد الله؟! هل غاض ماؤها؟! وهل انطفأ بهاؤها؟!
واللجنة الدائمة للإفتاء ذكرت في بيان لها أنه لا يجوز للمرأة أن تذهب مع السائق الأجنبي وليس معها محرم؛ لعموم قوله: (( ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ) )، ووجودها مع السائق في السيارة بدون محرم خلوة.
ومن مظاهر ذهاب الغيرة التساهل في خروج النساء من البيت، مع العلم أن الأصل قرارها في بيتها، فأصبحت اليوم تخرج مع الرجل للسوق بلا حاجة، بل وتذهب معه إلى البقالة والسوق المركزي تزاحم الرجال لتشتري ما تريد، وبنقاب واسع أو كشف ليديها ومحرمها مجرد خادم أو محاسب مالي، وانظر للنساء اليوم إذا جلست في بيتها ثلاث أيام أو نحوه قالت: اخرج بنا، ألا ترى الناس في الشوارع.
يا لله، أينَ هنَّ من عائشة رضي الله عنها؛ تقرأ قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] ، وتضع خمارها على وجهها وتبكي وتقول: (خان النساء العهد، خان النساء العهد) .
ومن مظاهر ذهاب الغيرة هذه العباءات المنمقة والمزركشة، فأي حجاب هذا؟! إنه حجاب الفتنة، إنه حجاب السوء، سبحان ربي! أهي تتستر به أم تتجمل وتلفت النظر إليها؟! وكذلك الألبسة الفاضحة التي امتلأت بها أسواق المسلمين، نحور بادية وصدور ظاهرة وملابس مشقوقة من أسفلها، وتلك البناطيل التي طفحت بها الأسواق، والحجة الشيطانية قد ركبت وأعدت: نحن أمام نساء لا يرانا رجال، ألا يا ويحهن، وألا يا ويح آبائهن. أين أنت أيها الأب؟! ألا ترى لباس ابنتك وزوجتك وعباءتها؟! أليس المال مالك والبيت بيتك؟! أين القوامة؟! أين الرجولة؟! أين النزاهة؟!
ومن مظاهر ذهاب الغيرة عدم الستر الكامل للمرأة، تراها في السوق أو غيره مبدية ليديها أو قدميها أو نقاب واسع، ويا للأسف وليها بجانبها ولكأن ما في الأمر شيء. فاتقوا الله يا عباد الله، والمرأة كلها عورة.
ومن مظاهر ضعف الغيرة إنزال المرأة في السوق بدون محرمها أو وليها، والحجة أنني واثق في ابنتي أو زوجتي، إن كان هذا صحيحا فهل أنت واثق في عيون ذئاب ينهشونها بنظراتهم؟! تخلو بصاحب المحل في محله تحادثه، ولربما ألان لها الكلام والمرأة ضعيفة، أينك أنت؟! نعم أنت مشغول لا تصبر على السوق، بئس والله ما فعلت.
وما عجب أن النساء ترجّلت ولكنَّ تأنيث الرجال عُجابُ
أقول قولي هذا...
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد: جاء في الأثر من علامات الساعة:"إذا كان آخر الزمان رفع الله من الأرض الحياء من النساء، والغيرة من رؤوس الرجال".
ألا يا رعاكم الله، إن من أعظم مظاهر ذهاب الغيرة عدم التألم والإنكار إذا انتقصت شريعة الله، أو استعلن صاحب منكر بمنكره، أو أراد المفسدون إشاعة الفساد والانحلال، والاختلاط بين الرجال والنساء، أو عُطلت الصلاة من بعض بيوت المسلمين، أو أي منكر كان، هنا لا بد من غيرة المؤمن وإنكاره بالطرق الشرعية الممكنة، أما السكوت وعدم الغيرة فهذه ـ والله ـ خيانة للأمة، ورب العالمين يغار.
ألا وإنه لا بد للغيورين أن يكونوا ذوي نفس طويل وصبر وحلم؛ لأن أهل النفاق والباطل يعملون خلف الستور ولا يفترون، ويجتهدون ولا يكلون.
وإنه مما ينبغي التنبيه عليه أن هناك مفاهيم مغلوطة عن الغيرة، فمن الناس من يظن أن الغيرة هي حبس المرأة في بيتها وعدم السماح لها بالخروج بتاتًا ولو لحاجتها، أو يظن أن الغيرة هي الشك في أهله. وآخرون يظنون أن الغيرة هي الغضب والغلظة في إنكار المنكر في موضع قد لا يستوجب ذلك، وهذا خطأ فادح ونقص فهم واضح.
وكلمة تشكر تذكر ولا تنكر لأُناس رجال ونساء هم غرة المجتمع وشامة الأمة، ترى حقًا الغيرة متمثلة في سلوكياتهم وذهابهم وإيابهم، مما يدلُّ أن الأمة الخير فيها باق إلى قيام الساعة. لكن السائل يسأل: كيف ننمي الغيرة في نفوسنا؟ والجواب أن الغيرة تنمَّى بأمور عدة، أهمها الحرص على تربية البيت صغيره وكبيره على الحياء والحشمة والعفاف والغيرة لدين الله، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإشاعته، القوامة الحقيقية من الرجل على نسائه وأعراضه، وحفظهم وصيانتهم وردعهم عما يخدش الحياء، غض البصر، منع الاختلاط والخلوة، والتفطن لخطط الأعداء الخبيثة الماكرة في ذلك في قريب الزمان وبعيده.