فقه
الصوم
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-الحكمة من الصوم. 2- الصيام جُنة. 3- آداب الصيام. 4- المحافظة على الصلاة. 5- المحافظة على اللسان. 6- التخلق بالحلم والأناة. 7- التحذير من الغيبة والنميمة. 8- الحث على سنة السحور. 9- تعجيل الفطر. 10- فرحتا الصائم. 11- نزول القرآن في رمضان. 12- الحث على قراءة القرآن وتدبره.
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، في الصحيح عنه أنه قال: (( والصوم جُنة، فإذا كان يوم صوم حدكم فلا يرفث ولا يصخب، وإن صابه أحد أو شاتمه فليقل: إني امرؤٌ صائم ) ) [1] .
أيها المسلمون، شرع الله الصيام لتهذيب النفوس، وتزكية الأخلاق، لتهذيب النفوس وتزكيتها، وتنقيتها من الأخلاق الرذيلة، وتحليتها بالأخلاق الكريمة.
شرع الله الصيام ليكون تذكرة للعبد، وعظة له، وسببًا لإقباله على طاعة الله، واستنقاذه من غفلته وسنته، وليكون هذا الصوم كفارةً لما مضى من الذنوب بتوفيق رب العالمين، (( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ) ) [2] .
إنه جنة، وحاجز بين العبد وبين معاصي الله، كلما هم بخطيئة، ذكّر نفسه أنه صائم، فدعاه ذلك إلى الإعراض عما حرم الله عليه.
أيها المسلم، أيها الصائم، فالصوم جُنة لك، جُنَّة من عذاب الله، جُنةٌ عن محارم الله، وقايةٌ لك عن الوقوع فيما حرم الله عليك.
أيها الصائم، فالزم آداب الصيام، لتكون من الصائمين حقًا، فما الصيام لأجل ترك الطعام والشراب والنساء، ولكنه لتهذيب الأخلاق، لتهذيب السلوك، لإعداد المرء الإعداد الصحيح، ليسير في حياته على منهج قويم وخلق فاضل.
أيها الصائم، إن من أهم الأمور الصلوات الخمس، فإنها الركن الثاني من أركان الإسلام، فلازمها أيها الصائم، لازمها في وقتها، وأدّها مع جماعة المسلمين في المساجد، ولا تكن من الغافلين عنها، كم من الصائمين من ينامون عن عدة صلوات، ويضيّعون الجماعة، ويهملون الوقت، ولا يعلم أولئك أن ما وقعوا فيه إثم عظيم، ومنكر كبير، كيف يسوغ لك أن ترضى لنفسك بأن تكون صائمًا والصلوات الخمس قد ضيعتها، واستخففت بها، وأقللت من شأنها. سئل ابن عباس رضي الله عنهما عمّن يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يحضر الجمعة والجماعة، فقال: (هو في النار) [3] .
فاحذر - أيها الصائم المسلم - التهاون بالصلاة، لا في رمضان ولا في غيره، حافظ عليها واعتن بها، وَ?سْتَعِينُواْ بِ?لصَّبْرِ وَ?لصَّلَو?ةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ?لْخَـ?شِعِينَ ?لَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـ?قُوا رَبّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ ر?جِعُونَ [البقرة:45، 46] ، حَـ?فِظُواْ عَلَى ?لصَّلَو?تِ و?لصَّلَو?ةِ ?لْوُسْطَى? وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـ?نِتِينَ [البقرة:238] . وبيَّن وعيد المتخلف عنها والمستهين بها: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَ?تَّبَعُواْ ?لشَّهَو?تِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيًّا [مريم:59] .
أخي الصائم، إن الصوم يحلِّيك بالأخلاق الكريمة، فيبعدك عن الكذب، وقول الزور، والغيبة والنميمة، والخوض مع الجاهلين، والسفه مع أهل السفه.
يا أيها الصائم، اجتنب تلك الأخلاق الرذيلة، فلا خير فيها للصائم، ولا لغيره، ولكن حرمتها في الصيام أشد، في الحديث: (( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ) [4] ، ليس لله مراد في ترك طعامك وشرابك إذا لم يحملك على البعد عمّا حرم الله عليك، فالكذب حرام، في رمضان وفي غيره، ولكنه في حق الصائم أشد حرمة، (( ولا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا ) ) [5] .
وأعظم الكذب، الكذب على الله في أن الله أحل شيئًا والله ما أحلَّه، أو أن الله حرّم شيئًا والله ما حرمه، وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ?لْكَذِبَ هَـ?ذَا حَلَـ?لٌ وَهَـ?ذَا حَرَامٌ لّتَفْتَرُواْ عَلَى? ?للَّهِ ?لْكَذِبَ إِنَّ ?لَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى? ?للَّهِ ?لْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَـ?عٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النحل:116، 117] . فالمُفتون والمخبرون عن الله خلاف الواقع، هؤلاء آثمون، وهؤلاء ظالمون لأنفسهم، فالكذب على الله من أعظم الكبائر، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ?فْتَرَى? عَلَى ?للَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ ?للَّهُ [الأنعام:93] . ثم الكذب على رسوله ففي الحديث عنه أنه قال: (( إن كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ) ) [6] .
اجتنب قول الزور، اجتنب شهادة الزور، فاشهد بالحق الذي تعلمه، وابتعد عن الشهادة الباطلة، سواء شهدت لإنسان أنه مستحق وهو غير مستحق، أو شهدت له باقتطاع مال امرئ مسلم، وهو بذلك من أنواع الشهادات الباطلة التي تعلم حقًا أنها خلاف الواقع، إِلاَّ مَن شَهِدَ بِ?لْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86] .
أيها المسلم، اجتنب الجهل، والجهل معاصي الله، وكل الأخلاق السيئة.
أيها الصائم، كن متخلقًا بالحلم والأناة، أعرض عن الجاهلين، واحلم على السفهاء والغاوين، وتدرّع بالصبر والحلم، فالنبي يقول: (( وإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني امرؤ صائم ) ) [7] ، يذكره بأن المانع له من إجابته كونه صائمًا، والصوم يمنعه من اللغط والأقوال السيئة، ولذا قال: (( فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخب ) ) [8] ، يبتعد عن كل قول رذيل، كل قول سيئ، وكل قول فاحش، وكل عمل سيئ، يبتعد عنه طاعة لله، إذا سفه عليه سفيه، وانتقصه جاهل قال له: إني امرؤ صائم، فصومي يحجزني ويمنعني أن أخوض في الباطل، أو أقول السفه، ?دْفَعْ بِ?لَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ?لَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ?لَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ [فصلت:34، 35] .
احذر الغيبة، ذكرك أخاك بما يكره في خَلقه أو خُلقه، ابتعد عن ذلك، وإياك أن تغتابه وتنتقص عرضه، فإنك إن قلت فيه ما فيه فأنت مغتاب له، وإن قلت فيه ما ليس فيه فأنت من الباهتين له.
واحذر أن تسعى بين الناس بالنميمة، وأن تنقلها بين الناس، على وجه الإفساد بينهم، وإبعاد بعضهم عن بعض، فتلك من كبائر الذنوب، وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [القلم:10-12] .
أيها الصائم، كن على هذه الأخلاق الكريمة، مستعينًا بالله، سائرًا عليها، ليبقى لك صيامك، أوفر ما يكون تلقاه يوم القيامة، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا [آل عمران:30] .
أيها المسلم، إن سنة نبيكم المحافظة على أكلة السحر، يقول: (( تسحروا فإن في السحور بركة ) ) [9] ، فأمرنا بالسحور أمر ترغيب وحث، وأخبرنا أن في السحور بركة، بركة في ذات السحور، يعينك - أيها الصائم - على صومك، وبركة في ذلك الوقت الذي فيه التنزّل الإلهي، تقوم من فراشك، تذكر الله وتثني عليه، وتصلي ما قسم لك، وتضرع بين يدي الله، وتتناول وجبة السحر، اقتداءً بنبيك ، فكان سحوره متأخرًا حتى قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: كان بين سحور النبي وأن تقام الصلاة مقدار خمسين آية [10] ، فكان يؤخر السحور، ويقول: (( إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) ) [11] ، فإذا تأكدتم من طلوع الفجر بسماع صوت المؤذن، فإنه يجب عليك الامتناع عن الطعام والشراب.
والسحور سنة ولو باليسير، يقول: (( تسحروا فإن في السحور بركة ) ) [12] ويقول: (( السحور خير فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين ) ) [13] ، وما أظنك - يا أخي - تبخل على نفسك، أن يصلي الله وملائكته عليك في تلك اللحظة التي تتناول فيها وجبة السحر، مقتديًا بنبيك محمد ، متحريًا لهذا الوعد العظيم، (( إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين ) )، ولو أكلت في وسط الليل، فإن وجبة السحر ولو قليلًا لتحيي بها السنة وتنال هذا الفضل العظيم.
وسنة نبيكم تعجيل الفطور، عندما نتأكد من غروب الشمس، أو نسمع صوت المؤذن من خلال المذياع ونحوه، فإن بعد ذلك نبادر بالفطر اتباعًا لمحمد ، فإنه يقول لنا: (( لا تزال أمتي بخير، ما عجلوا الفطر ) ) [14] ، ويقول أيضًا عن ربه أنه قال: (( أحب عبادي إليّ أعجلهم فطرا ) ) [15] .
وكان نبيكم يفطر على ما يسر الله له مما كان موجودًا في بيته، فيذكر أنس بن مالك أن محمدًا يفطر على رطب وقت الرطب، فإن لم يكن رطب أفطر على تمرات، فإن لم يكن تمرات أفطر على ماء [16] ، أي أن محمدًا ربما يحضر وقت الفطر وما في بيت تمر ولا رطب، وإنما هو الماء فقط، يشرب الماء فيفطر به صلوات الله وسلامه عليه.
واشكروا الله على نعمته عليكم، وفضله عليكم، وإن المسلم له فرحتان: فرحة يوم فطره، وفرحة يوم لقاء ربه، فإذا حان وقت الفطر، فرح بفطره، أنه أكمل هذا اليوم وصامه فضلًا من الله عليه، وأعانه الله عليه، فكم من أقوام حُرموا الصيام لأمراض أصابتهم، أو لضلال غيّر فطرهم، وأنت في صحة في دينك وسلامة في بدنك، غربت شمس هذا اليوم وأنت تناول الإفطار، فتفرح بها لتعطي النفس مشتهياتها، وإن لك فرحة يوم قيامك بين يدي الله، يوم يقوم الصائمون من قبورهم، يُعرفون بطيب أفواههم، فريح أفواههم يوم القيامة أطيب عند الله من ريح المسك، يفتح لهم باب من أبواب الجنة، يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون، فإذا أدخلوا أغلق ذلك الباب. وإن المسلم في فرح في فطره، ويترقب الفرح الأكبر يوم قدومه على الله، وإنه حين فطره وهو يتناول في الوجبة يدعو الله ويخلص له، مستقبل القبلة على وضوء يدعو الله ويرجوه، ويستنصره ويستعين به، وينزل بالله حاجاته وضرورياته، وربك أقرب إليه من حبل الوريد، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ?لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] .
فكون المفطرين في حين فطرهم على خلق من الأخلاق الحسنة، والذكر لله، والبعد عن السخب والقيل والقال، والإقبال على الطاعة في تلك اللحظات، ذلك العمل الطيب، والخلق الكريم.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، والعون على كل خير، وأن يتقبل منا صالح أعمالنا، وأن يمنّ علينا بإخلاص العمل لربنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ [الأنفال:20، 21] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه البخاري في الصوم [1904] ، ومسلم في الصيام [1151] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[2] أخرجه مسلم في الطهارة [233] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[3] أخرجه عبد الرزاق في المصنف (1/519) ، والترمذي في الصلاة [218] من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد عنه رضي الله عنهما. وقال:"ومعنى الحديث أنه لا يشهد الجماعة والجمعة رغبةً عنها، واستخفافًا بحقها، وتهاونًا بها"، والأثر ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب [446] .
[4] أخرجه البخاري في الأدب [6057] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[5] لفظ حديث أخرجه البخاري في الأدب [6094] ، ومسلم في البر [2607] من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
[6] أخرجه البخاري في الجنائز [1291] ، ومسلم في مقدمة صحيحه [4] من حديث المغيرة رضي الله عنه.
[7] تقدم تخريجه.
[8] تقدم تخريجه.
[9] أخرجه البخاري في الصوم [1923] ، ومسلم في الصيام [1095] من حديث أنس رضي الله عنه.
[10] أخرجه البخاري في الصوم [1921] ، ومسلم في الصيام [1097] عن أنس عن زيد بن ثابت رضي الله عنه.
[11] أخرجه البخاري في الأذان [623] ، ومسلم في الصيام [1092] من حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما.
[12] تقدم تخريجه.
[13] أخرجه أحمد [11086، 11396] من حديث أبي سعيد رضي الله عنه بلفظ: (( السحور أكله بركة، فلا تدعوه... ) )، قال الهيثمي في المجمع (3/150) :"فيه أبو رفاعة، ولم أجد من وثقه، وبقية رجاله رجال الصحيح"، هذا في إسناد الموضع الأول، أما الموضع الثاني ففي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم مشهور بالضعف، وقد قوى الألباني الحديث بمجموع الطريقين وبشواهده. انظر: صحيح الترغيب [1070] .
[14] أخرجه البخاري في الصوم [1957] ، ومسلم في الصيام [1098] من حديث سهل بن سعد بلفظ: (( لا يزال الناس بخير... ) ).
[15] أخرجه أحمد [7241، 8360] ، والترمذي في الصوم (700) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال:"حسن غريب"، وصححه ابن خزيمة [2062] ، وابن حبان [3507] ، ورمز له السيوطي بالصحة، إلا أن في إسناده قرة بن عبد الرحمة متكلَّم فيه.
[16] أخرجه أحمد [12676] ، وأبو داود في الصوم [2356] ، والترمذي في الصوم [696] بمعناه. وقال الترمذي:"حديث حسن غريب، وروي أن رسول الله كان يفطر في الشتاء على تمرات، وفي الصيف على الماء"، وصححه الحاكم (1/597) على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الدراقطني (2/185) :"إسناده صحيح". ورمز له السيوطي بالحسن، وحسنه الألباني في الإرواء [922] .
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، كتاب الله العزيز الذكر الحكيم الذي لاَّ يَأْتِيهِ ?لْبَـ?طِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] . هذا الكتاب العظيم الذي جعله الله معجزة لمحمد ، يقول: (( ما بعث الله من نبي إلا آتاه من الآيات ما على مثله آمن البشر، وإن الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا ) ) [1] .
هذا القرآن العظيم الذي اختار الله لنزوله أشرف الأزمان وأفضل الشهور، شَهْرُ رَمَضَانَ ?لَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ?لْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـ?تٍ مِّنَ ?لْهُدَى? وَ?لْفُرْقَانِ [البقرة:185] ، إِنَّا أَنزَلْنَـ?هُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـ?رَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان:3] ، إِنَّا أَنزَلْنَـ?هُ فِى لَيْلَةِ ?لْقَدْرِ [القدر:1] . هذا القرآن العظيم أنزله الله بلاغًا للأمة، ودعوةً إلى الدين، وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـ?ذَا ?لْقُرْءانُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام:19] .
وأودع الله فيه من العظة والعبرة ما يهزّ القلوب ويزجر الضمائر قال تعالى: وَكَذ?لِكَ أَنزَلْنَـ?هُ قُرْءانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ?لْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [طه:113] . تحدى به الخلق جنِّهم وإنسِهم أن يأتوا بمثله، قُل لَّئِنِ ?جْتَمَعَتِ ?لإِنسُ وَ?لْجِنُّ عَلَى? أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـ?ذَا ?لْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88] . نوّع الله فيه الأمثال والعبر، وَتِلْكَ ?لأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ ?لْعَـ?لِمُونَ [العنكبوت:43] ، هو ذكر للمؤمن، فَذَكّرْ بِ?لْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ [ق:45] .
اقرأ - أيها المسلم - في رمضان وفي غيره، وأكثر من قراءته في رمضان، قف عند حدوده، وتأمل وعده ووعيده، وتأدب بآدابه، وتخلق بأخلاقه، نفّذ أوامره، اجتنب نواهيه، قف عند حدوده، اقرأه قراءة المتدبر المتأمل، كِتَـ?بٌ أَنزَلْنَـ?هُ إِلَيْكَ مُبَـ?رَكٌ لّيَدَّبَّرُواْ ءايَـ?تِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ?لأَلْبَـ?بِ [ص:29] ، أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ?لْقُرْءانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ?للَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ?خْتِلَـ?فًا كَثِيرًا [النساء:82] . فاقرأه أيها الصائم، اقرأه في ليلك ونهارك، اقرأه واختمه إن كنت قادرًا، وتقرب إلى الله بذلك، فنبيكم كان يلقى جبريل في رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله حين يلقاه جبريل فيدارسه أجود بالخير من الريح المرسلة [2] . كان يعرض عليه القرآن كل رمضان مرة، وعرض عليه في آخر رمضان من حياته عرض عليه القرآن مرتين [3] ، فصلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين.
فاقرؤوه إخواني، وتدبروه تدبر المتأمل له، المؤمن به، المهتدي بهديه، المقتفي بأثره، فإنه كتاب الله، أنزله الله للعمل به، كِتَـ?بٌ أَنزَلْنَـ?هُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ?لنَّاسَ مِنَ ?لظُّلُمَـ?تِ إِلَى ?لنُّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ إِلَى? صِرَاطِ ?لْعَزِيزِ ?لْحَمِيدِ [إبراهيم:1] .
هو شافع لك يوم القيامة، (( يأتى القرآن شافعًا لأصحابه يوم القيامة ) ) [4] ، فاقرؤوه وتدبروه، في رمضان وفي غيره، ولتكن قراءته في رمضان عظيمة.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية.
واعلموا - رحمكم الله - أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد...
[1] أخرجه البخاري في فضائل القرآن [4981] ، ومسلم في الإيمان [152] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
[2] أخرجه البخاري في بدء الوحي [6] ، ومسلم في الفضائل [2308] من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه.
[3] أخرجه أحمد [2495، 2999] من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصحح الحاكم إسناده (2/230) ، ووافقه الذهبي، وأصله في الصحيحين، انظر: تخريج الحديث الذي قبله.
[4] لفظ حديث أخرجه أحمد [21710] من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وهو عند مسلم في صلاة المسافرين [804] بنحوه.