العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ
التربية والتزكية, القرآن والتفسير, القصص
حمزة بن فايع الفتحي
محايل
جامع الملك فهد
1-حال الأمة مع القرآن الكريم. 2- سرعة استجابة الصحابة لأمر الله وأمر رسوله. 3- فهم القرآن وتدبره طريق إلى وعي هذه الأمة ومجدها ورقيها.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70 ، 71] .
معاشر المسلمين، تقرأ طوائف من الناس القرآن وكأنه ليس لها، وترتله ترتيلا ولا تنتهجه في حياتها، وتصلي به ولا تحياه في قلوبها وضمائرها، كأنَّ القرآن يخاطب أمة سوانا، أو أنه نزل بغير لغتنا، أو أنه باب للانشراح وطريق للحسنات والثواب فحسب.
لقد تعامل كثير من المسلمين مع القرآن تعاملًا سيئًا، ففئام اتخذوه ظِهريا وغفلوا عنه غفلة شديدة، فهم كما وصفهم القرآن: اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان: 30] ، وفئام ألحقوه بكتب التراث الأصيل، وأنه معجزة نباري به الأمم، ومحله المتاحف والخزائن! وآخرون اتخذوه للقراءة والتلاوة، فصلوا به بلا وعي، وحفظوه بلا تأمل، وملؤوا به المحافل والمآتم والمجامع، فكانوا ممن جعل القرآن بركة المجالس وما باركوا به أعمالهم، وكانوا ممن نشروه كالأعطار وما عطَّروا به قلوبهم ولا زكّوا به نفوسهم. قال الحسن البصري رحمه الله ونِعمَ ما قال:"نزل القرآن ليتدبر ويعمل به، فاتخذوا تلاوته عملا".
هل يليق ـ يا مسلمون ـ أن نقرأ القرآن خلاف قراءته، فلا نعيه ونهتدي به، ولا نعيشه ونعمل به؟! كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص: 29] .
يا أهل القرآن، اتقوا ربكم، وعودوا إلى خير كلام وأزكاه، فاقرؤوه حق قراءته، عيشوا مواعظه، وتأملوا أسراره، وتدبروا قصصه وأخباره.
يقول منزِل القرآن وهو يخاطب هذه الأمة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: 24] . هل تدرون ما مادة حياة الناس؟ لقد كان هذا الدين مادة حياة الخلق، هداهم لأحسن السبل، وبصرهم من العمى، وأنقذهم من الضلالة، فكان في هذا الدين صلاح العباد والبلاد، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وبث فيهم السعادة والابتهاج بعد الشقاء والانكسار. فهل سمعتم بحياة كريمة لغير أهل الإسلام؟! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: 24] .
أدرك أولو الألباب أن الإسلام هو مداد حياتهم وغياث أرواحهم، فاعتصموا واستمسكوا بطريقه، وأيقنَ المؤمنون أن الإيمان يحيا بالقرآن، ومن لا قرآن له لا إيمان له، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. فعاش ذوو العقول حلاوة هذا القرآن، واستطعموا خيره وأمره، وتذوقوا بصحة إرشاده، وقاموا به في الظلماء، وحملوه في ساعات النهار، حتى قال قائلهم: (والله، لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم) ، وقال الآخر المتأمل لعظمة القرآن: (والله، ما أصبح اليوم عبد يتلو القرآن يؤمن به إلا كثُر حزنه وقل فرحه، وكثر بكاؤه وقل ضحكه، وكثر نصَبه وشُغله وقلت راحته وبطالته) .
قرأ أولئك الكرام القرآن وتدبروه، فإذا فيه: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ، فعلموا أن الاستجابة لله في طاعته ومرضاته، فامتثلوا دينَه، وسلكوا منهجه، وسارعوا في سبيله. استجاب أولئك المؤمنون لربهم في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، وفي الحر والبرد، فكانوا خير أناس آمنوا، وأمثلَ قوم استجابوا، وأحسن معشر صلّوا وصاموا.
قاموا بدين الله وشرعه، ورفعوا اسمه وذكره، وجاهدوا فيه حق جهاده، بإيمان متوهج ويقين راسخ وصبر كالجبال، لم يلينوا في زمن الليونة، ما ضعفوا حين ضعف الناس، ما يئسوا عند اشتداد المحن والبلايا. استجابوا لله ورسوله أيام الشدائد، وصبروا ساعات العظائم، فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 146] .
إخوة الإيمان، كان جيل الصحابة أمثل الناس استجابة، وأعظمهم طاعة، وأسرعهم خيرًا وإنابة، ما دُعوا لخير إلا كانوا سابقيه، وما أُرشدوا لفضيلة إلا كانوا أصحابها، ولا رُفعت راية إلا كانوا تحتها وفي مظلتها. لما سمعوا: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ [آل عمران: 133] التهبت نفوسهم، وانتفضت هممهم، وأشرقت عزائمهم، فكانوا قوام الليل وميدان الفضائل وبستان الخيرات. يقرؤون القرآن وقد علموا دعوته للتوحيد وحضّه على الخير وتحذيره من الموبقات وأمره بالتفكر والاعتبار، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
لما نزلت: لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92] وعَاها أهل الإيمان، وعلموا مراد الله منها، فضحّوا بأنفَس أموالهم، وقدّموها حبًّا لله ورسوله وابتغاء ما عند الله تعالى.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كان أبو طلحة رضي الله عنه أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بَيرُحاء، وهي الحديقة، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب، فلما نزلت هذه الآية: لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قام أبو طلحة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن الله تعالى أنزل عليك: لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ، وإن أحب مالي بَيرُحاء، وإنها صدقة لله تعالى أرجو بِرَّها وذُخرها عند الله تعالى، فضعها ـ يا رسول الله ـ حيث أراك الله، فقال رسول الله: (( بخٍ بخٍ، ذاك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ) )، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسَمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
تلك ـ يا مسلمون ـ هي النفوس المؤمنة التي استجابت لله ورسوله، فهل سمعتم بمثلها؟! حدّثونا عن رجال أبطال ينفقون مع الحاجة، ويضحّون في الشدة، ويسارعون إذا حانت الساعة.
هذا أبو طلحة الأنصاري المنفق الجواد، كان إذا حمي الوطيس البطلَ الشجاع كَرًّا وإقدامًا وبسالة، وكان إذا بقي مع النبي جثا بين يديه، وقال: نفسي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء. وفيه يقول رسول الله: (( لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة ) )، وفي لفظ: (( خير من ألف رجل ) ). فهذا صوته مدد للجيش وإرعاب للأعداء، فكيف بقتالِه وصموده وضربه وقتله؟! رضي الله عنه.
الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ [آل عمران: 172] ، كان هذا القرح في أُحد، وكانت الاستجابة في غزوة حمراء الأسد، أصاب المسلمين ما أصابهم من الجراحة والإثخان ابتلاءً من الله وتحميصًا لهم في غزوة أحد، ولما انقضت المعركة لم تطب نفوس المشركين بما حصل، وهمّوا بالركض نحو المدينة لاستئصال من فيها، فبلغ ذلك النبي فندب أصحابه للخروج من اليوم الثاني رغم ما فيهم من القرح والتعب والجراحات، ولم يأذن لأحد بالمشاركة إلا من خرج معه في أحد، فخرج جميعهم ولم يتخلّف أحد طاعة لله ورسوله. فلقد استجابوا مع الهزيمة، ونهضوا مع القرح، غير متخاذلين ولا منهزمين ولا ضجرين.
الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران: 172] . ثبت في الصحيحين عن عروة بن الزبير قال: قالت لي عائشة: أبواك مِن الذين استجابوا لله والرسول بعدما أصابهم القرح، تعني: أبا بكر والزبير.
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات...
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أيها الإخوة الكرام، كذا فهِم السلف الاستجابة، وكذا قرؤوا القرآن، قرؤوه حق قراءته، ورعوه حق رعايته، فأقاموه في حياتهم منهاجًا مبينا، يهتدون بهديه، ويستنيرون بنوره، ويتّعظون بوعظه وأمره. قال كما في الصحيح: (( أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيَ رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثَقَلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ) )، وفي لفظ: (( هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة ) ).
وإنما يهتدي بالقرآن ـ يا مسلمون ـ من آمن به حقَّ الإيمان وتأمّله حق التأمل، فكم هم الذين يقرؤون القرآن والقرآن منهم بعيد، وكم هم الذين يتلون القرآن والقرآن منهم بريء.
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان: 30] ، هجرت هذه الأمة كتاب ربها تدبرا وعملا، وأعرضت عنه منهجًا ودليلا، فأصابها ما أصابها من الذل والمهانة والتمزق، والله المستعان.
أيها الإخوة، إنَّ فهم القرآن وتدبره طريق إلى وعي هذه الأمة ومجدها ورقيها، فلقد هانت هذه الأمة عندما فقدت الوعي، وغدت ألعوبةً تنحرف وراء كل موجة، وتخضع لكل متسلط، وتسكت على كل فظيعة، وتحتمل كل صيغة، وتلدغ من الجحر الواحد مرات تِلو مرات.
إن كتاب ربنا تعالى فيه قوة عظيمة تكفي لإحياء هذه الأمة واجتثاثها من مستنقعات الهوى والمذلة والاستعمار.
يا مسلمون، ليس هذا القرآن للقراءة فحسب، بل هو للحياة بعد الممات، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا [الشورى: 52] . يبعث الأموات الخامدين، وينقذ الضالين التائهين، ويرفع المنهزمين الخاملين، لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الأنبياء: 10] . إن في الكتاب لوقودا للأنفس الخاوية، ومددًا للقلوب المجاهدة، وإلهابًا للأنفس المتطلعة.
القرآن وسيرة محمّد قوّتان عظيمتان تستطيعان أن تشعِلا في العالم الإسلاميّ نار الحماسة والإيمان، وتحدثا في كل وقت ثورة عظيمة على العصر الجاهلي، وتجعلان من أمة مستسلمة منخذلة ناعسة أمةً فتية ملتهبة حماسة وغَيرة وجهادًا.
إن هذا القرآن جعل صعاليك العرب يتحولون إلى عظماء، يهدون الجبابرة، ويخلعون قلوب الأكاسرة، فيقول أحدهم: (الله ابتعثنا ليخرج بنا من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سَعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) .
هذا هو القرآن يا مسلمون، الذي فتح به أسلافكم الدنيا، وأذلوا به الجبروت، وكسروا به يهوديًا خبيثًا ونصرانيًا حاقدًا، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: 40] .
اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك...