الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الولاء والبراء, مكارم الأخلاق
مرزوق بن سالم الغامدي
مكة المكرمة
الرحمة
1-الرحمة صفة للنبي صلى الله عليه وسلم. 2- الرحمة صفة للمؤمنين. 3- رحمة المؤمن
تعم كل من يتعامل معه ، وحتى الحيوان. 4- حرمة مكة وغلظ الذنوب فيها. 5- الغلظة على
المحاربين بدلًا من الرحمة.
أيها الإخوة: إن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم كان رؤوفًا رحيمًا بأمته، وقد وصفه الله عز وجل بذلك وقال عنه سبحانه وتعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين. فهذه الرحمة التي كانت في قلب النبي صلى الله عليه وسلم هي خلقه منذ بعثه الله إلى الناس، ولو لم يكن كذلك صلى الله عليه وسلم ولو كان غليظ الكلام قاسي القلب - حاشاه من ذلك - لانفض الناس عنه وتركوه، ولكن الله جمعهم عليه وألان جانبه صلى الله عليه وسلم لهم تأليفًا لقلوبهم.
وهذه الرحمة - أيها الإخوة - بالمؤمنين كما هي بين المؤمنين يرحم بعضهم بعضًا. كما قال تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم فهذه الصفة للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بأنهم رحماء بينهم بينما هم أشداء عنيفون على الكفار.
فالنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كان كل منهم رحيمًا بالمؤمنين، برًا بالأخيار الطيبين الطاهرين من الأمة، غضوبًا عبوسًا على الكفار، كما قال تعالى: فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين ، وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة.
وقد جاءت أحاديث كثيرة تصف المؤمنين بهذه الصفة. صفة الرحمة والمودة فيما بينهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) )وقال صلى الله عليه وسلم: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ) ). وهذا التراحم الذي هو من مقومات المجتمع الإسلامي مبني على حسن الخلق وعلى الرفق والتواصي بالحق بين أفراد الأمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يحب الرفق في الأمر كله ) )وقال صلى الله عليه وسلم: (( أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم ) )وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: (( إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار ) ).
وهذه الرحمة بين أفراد الأمة ليست مجرد عاطفة لا تبصر ولا تعقل بل يكون فيها الأخذ على يد الظالم، ويكون فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأيضًا إقامة حدود الله وتطبيق أحكامه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إقامة حد من حدود الله خير من مطر أربعين ليلة في بلاد الله ) )، وقال تعالى: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب وأيضا رد الظالم عن ظلمه رحمة به وهو انتصار له كما قال صلى الله عليه وسلم: (( انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ) )ونصر الظالم بمنعه من الوقوع في الظلم كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
ولقد حض النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على تحقيق التعاون والتراحم فيما بينهم قال صلى الله عليه وسلم: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) )وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: (( من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ) ). وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: (( الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) )وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: (( حرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس ) ).
وهناك كثير من الأحاديث التي فيها الدعوة لكل أفراد الأمة الإسلامية بأن يرحم بعضهم بعضًا، منها ما يخص الحكام والمسؤولين وكل من كان تحته رعية يرعاها، ومنها ما يختص بشؤون الزوجين والذرية، ومنها ما يختص بأرباب الأعمال وبالعاملين، حتى في إقامة الصفوف في الصلاة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لينوا في أيدي إخوانكم ) )فعند تسوية الصف يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون المصلي لينًا في يد أخيه إذا جذبه ليسد الخلل ويعدل الصف.
وإن الحديثين السابقين من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم في مسألة التراحم بين أفراد الأمة على جميع مستوياتها (( الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) )، (( وحُرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس ) ).
فلو وضع كل منا هذه الأحاديث نصب عينيه في تعامله مع الآخرين لارتقت أنفسنا وعلاقاتنا إلى مستوى المجتمع المسلم الحق الذي يجب أن يكون عليه.. المجتمع الذي ينتشر فيه الخير ويقصر فيه الشر، ينتشر فيه الحب والتعاون على البر والتقوى، وتقوى أواصر الإخاء والمودة والصلة بين أفراد الأمة في كل معاملاتها وشؤونها.
يكفي أيها الإخوة أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق وعد كل هين لين سهل بأن يحرم على النار، فلا يظن المسلم أنه لو تنازل وألان جانبه لأخيه المسلم أن هذا ضعفًا وتخاذلًا، وخاصة من بيده السلطة على إخوانه المسلمين، بل ينظر إلى الأمر أنه أمر حض عليه النبي صلى الله عليه وسلم ووعد من عمل به أن لا تمسه النار. بل إن الإسلام يحض على الرحمة والإحسان للحيوان، (( في كل ذات كبد رطبة أجر ) )- (( عذبت امرأةٌ في هرةٍ حبستها ) )حتى ماتت جوعًا فدخلت فيها النار (( لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض ) ). بينما غفر الله عز وجل، ولرجل ولامرأة مومس بسبب ما قاما به من سقاية لكلبين بلغ بهما العطش مبلغه كما جاءت بذلك الأحاديث المعروفة.
أسأل الله العلي العظيم أن يجمع قلوب المسلمين على الحق وأن يوحد كلمتهم على التوحيد وأن يملأ قلوبهم بالإيمان والمحبة والشفقة على أنفسهم إنه ولي ذلك والقادر عليه.
عباد الله: إن الرحمة اليوم لا مكان لها اليوم في كثير من القلوب إلا من رحم الله وفي إنسان دون إنسان، وفي موقف دون آخر فاتقوا الله وتراحموا فيما بينكم رحمكم الله في الدنيا والآخرة.
أيها الإخوة: اتقوا الله وتراحموا فيما بينكم، عن جابر بن سليم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وأن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيله ولا يحبها الله، وإن امرؤ شتمك وعيّرك بأمرٍ ليس هو فيك فلا تعيره بأمر هو فيه، ودعه يكون وباله عليه وأجره لك، ولا تسبن أحدًا ) )، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أحب الناس على الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربه، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرًا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه يملأ قلبه رضي يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له - أي يقضيها - أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، ألا وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل ) ). وعنه أيضًا رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أفشوا السلام وأطعموا الطعام وكونوا إخوانًا كما أمركم الله ) ).
أيها الإخوة: أين الأمة الإسلامية من هذه الأحاديث النبوية أين المسؤولون عن تطبيق هذه الأحاديث؟ وقد استرعاهم الله وتحملوا في أعناقهم هذه الأمانة التي سيسألون عنها يوم القيامة. أين الأزواج من اتباع الهدى النبوي في التعامل فيما بينهم والتراحم والتواد؟. أين الآباء والأمهات من الأخذ بهذه السنة النبوية في تربية الأولاد؟. إن مما يؤسف له حقيقة أن نجد بُعد أكثر المسلمين عن هذا المنهج في جميع أنحاء العالم الإسلامي عامة وفي هذا البلد خاصة، بلد الله الحرام الذي قال الله عنه: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ، فبمجرد الإرادة فقط في هذه البلدة المحرمة، مجرد إرادة الظلم فيه، مجرد النية والقصد من الشخص بفعل أمر مخالف، فإنه مهدد بأن يذيقه الله العذاب الأليم.. لقد كان الكفار القرشيون والعرب يعظمون هذه البلدة، فقد يرى أحدهم قاتل أبيه ولا يكلمه حتى يخرج من مكة. بينما المسلمون اليوم لا يعظمونها حق التعظيم وإرادة الظلم هنا تشمل كل ذنب حتى قطع الشجر وقتل الصيد واحتكار الطعام وفعل المحظورات والتعدي على أموال المسلمين وأعراضهم وشتم المسلمين ومضايقتهم أو فعل المنكر وترك الواجبات.
روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان له فسطاطان (أي منزلان) أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل لأنه كان يعتبر ذلك من الإلحاد في الحرم، مجرد المعاتبة والتأديب يراه رضي الله عنه من الإلحاد في الحرم... فكيف بمن يؤذي عباد الله المسلمين داخل مكة وخاصة المعتمرين والحجاج؟!.
أيها الإخوة: إن الغلظة والشدة لا تكون إلا في وجه الكفار والمنافقين يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم والغلظة والشدة ليس معناها الظلم، فنحن مأمورون بالعدل حتى مع الأعداء، وليس المجال لتفصيل ذلك الآن، لكن هنا وقفة سريعة في مفهوم العداوة القائمة بين المسلمين والكفار فهي عداوة باقية مادام هناك فريقان، فريق في الجنة وفريق في السعير ومن يقول غير ذلك فهو يضاد القرآن والسنة ويخالف التاريخ والواقع , فأهل الكفر لن يرضوا بالتوحيد، ولن يرضوا بالإسلام يرفرف على أرجاء المعمورة ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم.
فالكفر ملة واحدة، وهم أعداء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. وقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق.
والأولى بالمسلمين الاستعداد لهم قال تعالى: إن الكافرين كانوا لكم عدوًا مبينًا ، كما أمر الله عز وجل قال تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.
ومسألة العداوة للإسلام والمسلمين من الكفار والمنافقين باقية إلى يوم القيامة، وأما الدعوة للسلام العالمي فهي دعوة باطلة كاذبة، وإنما هي دعوة لإماتة روح الجهاد عند المسلمين ولإلهائهم بالدنيا وما فيها من الملذات وإدخال كل ما يفسد عقيدتهم عن طريق اللعب واللهو.
أيها الإخوة: تقول دول الكفر نريد سلامًا عالميًا ويردد الببغاوات من المسلمين نفس المقولة، ونجد الفعل مخالفًا للقول عند دول الكفر، فهم يبنون جيوشًا حديثة ويطورون الأسلحة، ويجرون التجارب النووية ويزيدون في إعداد الجيوش، فلماذا هذه الاستعدادات كلها يا من تقولون بالسلام العالمي؟
أما في بلاد المسلمين فلا يسمح لهم بزيادة عدد أفراد القوات المسلحة لديهم، وليس لهم حق تطوير جيوشهم إلا في حدود ما يسمح باستخدامها للمحافظة على الكراسي والسلطة، وهذا أمر مشاهد وواقع وملموس مع الأسف الشديد.
أيها الإخوة: أعود أقول: نحن المسلمون سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المسؤولين أو على مستوى الحكام والدول أشداء فيما بيننا، رحماء مع عدونا، يغلظ بعضنا على بعض، ويأكل بعضنا بعضًا نهارًا جهارًا، ويؤذي بعضنا بعضًا مخالفين بذلك أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في التراحم والتواد فيما بيننا.
بينما الأولى والأجدر.. أيها الإخوة أن نبث فيما بيننا روح الإخاء والمحبة والتعاون المبنية على التوحيد على الدين الإسلامي الحق الذي لم تشبه شائبة، على منهج السلف الصالح دون النظر إلى الجنس أو اللون.. حتى نكون أمة واحدة وأن نربي أنفسنا على الجهاد في سبيل الله جهاد المنافقين بالقلم واللسان والحجة والبيان، وجهاد الكفار بالسيف والسنان، حتى تعود أمجادنا، أمجاد أسلافنا، فنسود العالم بالعدل والإنصاف والرحمة الحقيقية الشرعية وليس ذلك على الله بعزيز، وإذا لم نقم بهذا فلنستعد للكوارث والزلازل والفتن حتى يأتي غيرنا يكونون أجدر بحمل هذا الدين وتطبيقه. قال تعالى: وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.