الرقاق والأخلاق والآداب
أمراض القلوب
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-الإهمال مرض منتشر في مجتمعاتنا. 2- مرد صور الإهمال إلى مرض القلب وقسوته
وغفلته. 3- النصوص تأمر بتطهير القلب. 4- أهمية القلب على سائر الجوارح. 5- إهمالنا
القلب للعبادات القلبية. 6- الإهمال في تربية الأولاد. 7- الإهمال في القيام بحق الخدم(تعليمًا
وعملًا وتربية). 8- فقدان الأمانة سبب لكثرة الإهمال.
أما بعد:
أيها المسلمون: مرض منتشر بيننا ، وكل منا قد أخذ حظه من هذا المرض ، منا المقل ومنا المكثر ، كل بحسبه وكل في مجاله - إلا من رحم الله عز وجل ، وقليل ما هم.
هذا المرض أيها الأخوة: هو الإهمال. مرض الإهمال ، الذي أصاب الأفراد ، وأصاب المجتمعات ، أصاب الكبار فنقلوا عدواها إلى الصغار.
مرض الإهمال: مرض خطير ، إذا لم يعالج الإنسان نفسه من، فإنه على شفا جرف هار. والذي يتعود الإهمال في جانب من حياته ، ربما يسري ، ويؤثر هذا على بقية جوانب حياته ، فيصير يهمل في أشياء وأشياء
أيها الأحبة في الله: هناك إهمال في العبادات وهناك إهمال في الواجبات ، وإهمال في توجيه الأولاد ، وإهمال في الدراسة من الطلاب ، وإهمال من الموظفين في أعمالهم ، وإهمال من أرباب الأسر بأسرهم ، وإهمال من أصحاب الأعمال بعمالهم ، وإهمال بحق الوالدين ثم إهمال بحقوق الجيران ، حتى أن هناك إهمال بما نرمي في شوارعنا ، وإهمال عند البعض في قيادة السيارة ، ثم إن هناك إهمال بالحياة الدنيا كلها ، والذي أخطر منه إهمال الآخرة ، وعدم الاكتراث بها.
أيها الأحبة في الله: أليس ما ذكرت بعضه أو كله موجود ومنتشر بيننا ، على نسب متفاوتة ، فلماذا هذا الإهمال ، ولماذا عدم المبالاة ، ولماذا فقدان الشعور بالمسئولية ، ولماذا الناس تهمل؟لقد فكرت في هذا الأمر كثيرًا ، وتأملت حال الناس ، لماذا يهمل الطالب دراسته ، ؟لماذا لا يبالي ولا يهتم ، ولماذا يهمل الموظف في عمله ، وأيضًا لا يبالي ولا يهتم ، لماذا يهمل الأب في مسئولياته ، فيهمل أولاده ، ويهمل زوجته ، ويهمل بيته ، ولماذا يهمل الرئيس في رئاسته ، ولا يرعى تلك الأمانة التي علقت في رقبته ، وبعد هذا ، لماذا يهمل بعض الناس جميع حياته ، فلا تجده يهتم بشيء ، ولا يكترث بأمر، أقول: لقد تأملت وفكرت في هذا الأمر ، فوجدته والعلم عند الله ، أن هذا كله يدور حول إهمال الإنسان ، وإهمال المُكلف لقلبه أولًا وقبل كل شيء ، فهو عندما أهمل قلبه ، أثر هذا الإهمال إلى بقية جوانب حياته.
قلوب الناس أصابها القسوة ، وأصابها الغفلة، وأصابها اللهو، بل ربما دخلها الرياء والنفاق والحسد، فماذا تتوقعون من جسد ومن أعضاء ، الذي يحركه أصابه بعض ما ذكرت.
يقول أبو هريرة رضي الله عنه:"القلب مَلِك والأعضاء جنوده ، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده."
لهذا لا غرابة أننا نجد الاهتمام البالغ في الإسلام بشأن القلب ، لأنها لو صلحت ، صلح سائر عمل الإنسان ولو فسدت فسد سائر عمل الإنسان.
إن الله سبحانه وتعالى أمر بتطهير القلب وتنقيته وتزكيته ، بل جعل سبحانه وتعالى من غايات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم تزكية الناس ، وقدمها على تعليمهم الكتاب والحكمة لأهميتها ، قال جل وعلا: هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويقول ابن القيم رحمه الله في قوله تعالى: وثيابك فطهر وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هنا: القلب.
ويقول سبحانه عن اليهود والمنافقين: أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
أيها الأحبة في الله: لقد أعطى القلب مكانة عظيمة في الدنيا والآخرة وما فسدت أحوال الناس ، وما أصاب بعض الناس مرض الإهمال ، إلا بعدما أهملوا هم قلوبهم ، فمرضت وكلت فظهر هذا الإهمال واضحًا جليًا على بقية سلوكياتهم.
وإليكم شيئًا من نصوص الكتاب والسنة لندرك سويًا مكانة هذا القلب وأهميته يقول الله تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم فلن ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم ، والذي يهمل قلبه فإني أخشى عليه أن تهمل هناك. ويقول جل وعز: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب فأين صاحب القلب المنيب؟ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ). وفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه مرفوعًا: (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ). فهلا وقفنا أيها الأخوة مع أنفسنا لننظر كيف عملنا بقلوبنا ، بل ماذا عملت بنا قلوبنا، كم ننشغل بأشياء كثيرة من أمور دنيانا ومعاشنا ووظائفنا ، وإذا بقى لنا شيء من الاهتمام أعطيناه لأعمالنا الظاهرة.
وأما هذا القلب فقليل منا من ينظر إليه ، ويعطيه الإهتمام اللائق به. فأثرت هذه الغفلة وأثر هذا الإهمال لقلوبنا أن أهملنا أشياء كثيرة ، وإليكم شيئًا من ذلك:-
أولًا: هناك إهمال ملحوظ وواضح ، ويلحظه الفرد منا في نفسه: إهمال في العبادات ، لا نؤدي هذه العبادات كما ينبغي ، ولا نهتم بها كما هو مطلوب منا ، وهذا أمر خطير بل ربما نهتم بقضايانا الخاصة ، وأمورنا الشخصية أكثر من الاهتمام بعبادة ربنا فهناك إهمال في شأن الصلاة ، إهمال في الإتيان بطهارتها كاملة بآدابها وسننها وواجباتها وشروطها ، وإهمال في خشوعها واستحضار القلب في الوقوف بين يدي المولى جل وعلا ، وإهمال واضح وملحوظ في المحافظة على صلاة الجماعة ، نتحمس في رمضان وفي المواسم والمناسبات ، ثم فتور عجيب حتى رمضان الذي بعده.
صلاة الجماعة واجبة أيها الأخوة على أصح قول أهل العلم ، والذي يتخلف عنها من غير عذر فهو آثم مأزور ، وليس له الخيار في أن يصلي في بيته أو يصلي في المسجد ، بل يجب عليه حضور جماعة المسلمين ، ويجب عليه أن يجيب داعي الله ، حيث ينادى لها ، ويجب عليه أن يركع مع الراكعين قال: (( هل تسمع النداء؟ قال: نعم. قال: فأجب فإني لا أجد لك رخصة ) ).
ثم لو تأملنا حالنا مع بعض العبادات في الآخرة لرأينا أن الإهمال غزاها أيضًا ، فهناك إهمال في تأدية فريضة الزكاة ، إما بإخراجها وإما بصرفها إلى مستحقيها ، وهناك إهمال بشأن الحج ، إما بعدم المبادرة بأدائها أو عدم تأديتها كما حج المصطفى صلى الله عليه وسلم ، والتقصير هناك وترك بعض السنن والآداب ناهيك عن إهمال بعض الواجبات.
فاتقوا الله أيها المسلمون: لا يصل الإهمال في حياتكم إلى عباداتكم ، فهي الرابط بينكم وبين ربكم ، وهي طريقكم إلى آخرتكم وإلى جنة ربكم ، فإذا أهملتم بها ، فأخشى أن لا تصلوا إليها.
ثانيًا: جانب آخر من جوانب وظواهر الإهمال المتفشي بيننا ، إهمال الأولاد وهذا الإهمال شمل عدة جوانب ، فأولًا إهمال من بعض الآباء في توجيه أبناءهم التوجيه الشرعي، ربما أمره ونهاه ووبخه في قضايا كثيرة جدًا ، ولا يأمره وينهاه لأجل الصلاة ، أو الحلال أو الحرام ، وهو مسئول عن هذا الإهمال أمام الله عز وجل وسيحاسب عنه.
ثم هناك إهمال من بعض الآباء في توجيه أبناءهم التوجيه الخلقي ، فكثير من أخلاقيات الإسلام لا يمارسها الأولاد ، ومن أسبابها إهمال الآباء في غرس هذه الأخلاقيات في نفوس أولادهم.
فتجد بعض الأولاد يفتقد إلى خلق الكرم والشجاعة ، ودماثة الخلق ، ولين الجانب ، واحترام والديه ، وتقدير كبار السن ، والعطف على المساكين والأرامل ، إلى غير ذلك من توجيهات الإسلام النبيلة.
ثم إن هناك إهمال من بعض الآباء حتى توجيه أولادهم في دراستهم ، فالأب يُدخل ولده إلى المدرسة ، ثم بعد ذلك لا يدري عن شيء ولا يتابع ولا يسأل ، ولا يدري ماذا يفعل وماذا يعمل ولده داخل وخارج المدرسة.
بل ربما البعض لا يدري في أي مرحلة ولده الآن ، وكل هذا من إهمال بعض الآباء لأولادهم.
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى ، اتقوا الله في أولادكم ولا تهملوهم ، فإن في إهمالهم شر وفساد في الدنيا والآخرة.
أيها الأحبة في الله: جانب ثالث من جوانب الإهمال في حياتنا ، ولعلكم تستغربون من هذا النوع من الإهمال ، وهو إهمال الخدم في البيوت.
قل ما تجد بيتًا من بيوت مجتمعنا هذا الأيام إلا وفيها خدم ، إلا من رحم الله عز وجل ، وهناك عدد من الجوانب مهملة في حق الخدم:
أولها: استقدام الخدم من النساء بدون محرم ، وهذا أمر محرم ولا يجوز ، لو كانت المرأة مسلمة ، لأنه لا يجوز للمسلمة أن تسافر بغير محرم ، إذا كان الحج. وهو ركن من أركان الإسلام. يسقط عن المرأة ، ولو كانت قادرة بدنيًا وماليًا إذا لم تجد محرم ، فكيف بغيره ، ثم هناك إهمال وتجاوز آخر ، وهو استقدام الكفار من الخدم نساءً ورجالًا ، وهذه مخالفة شرعية عظيمة حيث لا يجوز إدخال الكفار جزيرة العرب بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تعتذر لي يا أخي وتقول بأن الجهة الفلانية سمحت، والجهة المعنية تستقدم ، هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يخالفه فهو مسئول عن المخالفة سواء كان فردًا أو مجتمعًا، وأنت عليك بنفسك وستحاسب لوحدك.
ثم إن هناك جانب يخفى على الكثير ممن لديهم خدم ومسلمون ، يهملونه تجاههم أحب التنبيه إليه ، وهو توجيه الخدم التوجيهات الشرعية التي يجهلونها ، بحكم طبيعة البلاد التي عاشوا فيها ، فيأتينا خدم من بلاد يكثر فيها الجهل ويكثر البدع والفقر، فيقضي الفرد هناك سنوات قلَّ ما يتعلم دينًا صحيحًا. وهو في كثير من الأحيان لا يلام ، ثم يأتون هنا ويجلسون في بعض الأحيان 5 أو 6 سنوات لدى أسر في مجتمعنا ، فلا تحرص الأسر على تعليمهم شيئًا من الدين ، يشاهدون العاملة تقصر في الطهارة فلا توجه ، وتفرط في الصلاة فلا توجه ، وتتهاون في التستر بحكم ما عاشته في بلادها فلا توجه ، وغيرها كثير بحجة أنها خادمة ، سبحان الله أيصل الإهمال إلى هذا الحد ، أما تعلمون أنكم مسئولون عنها وعن تقصيرها ، ويجب عليكم تعليمها ، تقضي بعض الشغالات سنوات عديدة لدى بعض الأسر ، ثم ترجع إلى بلدها ، ولم تستفد شيئًا سوى المال الذي جمعته ، أما الدين ، فالله المستعان ، وكأنها لم تعش لدى أسرة مسلمة ، وكأنها لم تسكن 4 أو 5 سنوات في بلاد الحرمين.
فاتقوا الله أيها المسلمون: لا تهملوا خدمكم بحجة أنهم خدم ، احرصوا عليهم ، فإن من تعليمهم وتوجيههم نفعًا لكم في دينكم ودنياكم.
اللهم علمنا ما ينفعنا
أما بعد:
عباد الله: فثمة سبب آخر ، من أسباب الإهمال الذي تفشى عند بعض الناس ، سوى إهمال القلب وعدم العناية به ، فإن هناك سببًا آخر ، وهو فقدان الأمانة ، وفقدان الشعور بالمسئولية لدى البعض ، هو الذي يجعله يهمل ، سواء كان طالبًا أو مدرسًا أو موظفًا أو مسئولًا أو غير ذلك ، قال الله تعالى: إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان ) ) [متفق عليه] .
إن فقدان الأمانة أيها الأخوة ، مصيبة آية مصيبة ، إن المجتمع الذي يفقد أصحابه الأمانة ، يصعب التعامل معه ، فإنك لا تستطيع أن تثق بأحد ، وهذا سبب عظيم في إهمال الناس لمسئولياتهم ، وهو عدم شعورهم بأهمية الأمانة الملقاة على عاتقهم. حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا.
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين ، قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ، ثم نزل القرآن ، فعلموا من القرآن ، وعلموا من السنة ، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: (( ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل ، كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرًا وليس فيه شيء ثم أخذ حصاةً فدحرجه على رجله فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحدٌ يؤدي الأمانة حتى يقال للرجل، إن في بني فلان رجلًا أمينًا حتى يقال للرجل ، ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، وقد أتى عليّ زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلمًا ليردنه عليّ دينه، ولئن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنه عليّ ساعيه وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا ) ) [متفق عليه] .
وكأن ما أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم وقع شيء منه في وقتنا هذا ، فقل ما تجد ذلك الأمين الذي يراقب الله ، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إذا ضيعت الأمانة فانتظروا الساعة ، قالوا: وما إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله ) )، وفي رواية: (( وسد الأمر إلى غير أهله ) ).