الإيمان
الجن والشياطين
مهران ماهر عثمان نوري
الخرطوم
خالد بن الوليد
1-طرف من خبر يأجوج ومأجوج. 2- وجه الشبه بين ذي القرنين ونبي الله سليمان عليه السلام. 3- الدخان. 4- الخسف. 5- طلوع الشمس من مغربها. 6- خروج الدابة. 7- خروج نار من أرض اليمن.
أما بعد: فهذه هي الخطبة الثامنة والأخيرة في أشراط الساعة التي ذكرها سيدنا محمد.
ولعلي أقدم ذكر يأجوج ومأجوج، وهي من الآيات التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، يقول رب العالمين: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ [الأنبياء: 96] . إذا خرجت هاتان القبيلتان خرجوا من كل نَشَز ومكانٍ عالٍ يُسرعون.
وقال تعالى عن الملك الصالح ذي القرنين: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا [الكهف: 93-99] .
يخبر الله تعالى عن قوم من الأعاجم مُنح ذو القرنين القدرة على فهمهم، طلبوا من ذي القرنين بناء سدٍّ مانع من هاتين القبيلتين الدمويتين، وعرضوا عليه قبول أجر لذلك فرفضه، وطلب عونهم، فجاؤوا بقطع الحديد، وسُدّ ما بينها بالنحاس المذاب، وأخبر بأنهم لا قدرة لهم على الخروج من هذا السد إلا عند الوقت المحتم.
إنَّ المتأمل لقصة ذي القرنين يجد أنه شابه نبي الله سليمان عليه السلام في أمور:
الأول: أُعطي سليمان القدرة على فهم غريب اللغات، وفهم ذو القرنين هؤلاء الذين لا يُفهمون أحدًا، قال السعدي في قوله تعالى: لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا:"لعجمة ألسنتهم واستعجام أذهانهم وقلوبهم، وقد أَعطى اللهُ ذا القرنين من الأسباب العلمية ما فقه به ألسنة أولئك القوم".
الثاني: لما طلب منه أخذ الأجر امتنع ذاكرًا فضل الله عليه، مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ، وقال الله عن سليمان عليه السلام: فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل: 36] .
الثالث: أيده الله بالملك العظيم وخوارق العادات، وهيأ له من الأسباب ما بلغ به مطلع الشمس ومغربها، وبنى بها السد العظيم.
الرابع: في إسناده هذا الخير إلى الله، فلما فرغ من بناء السَّد قال: هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ، قال السعدي:"أي: من فضله وإحسانه علي، وهذه حال الخلفاء والصالحين إذا مَنَّ الله عليهم بالنعم الجليلة ازداد شكرهم وإقرارهم واعترافهم بنعمة الله، كما قال سليمان عليه السلام لما حضر عنده عرش ملكة سبأ مع البعد العظيم، قال: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل: 40] . بخلاف أهل التجبُّر والتكبر والعلو في الأرض، فإن النعم الكبار تزيدهم أشرًا وبَطَرًا، كما قال قارون لما آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحة لتنوء بالعصبة أولى القوة: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص: 78] ".
هاتان القبيلتان لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، فقد قال النبي: (( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟! قَالَ: (( أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا ) )أخرجه البخاري ومسلم. وقال: (( إن يأجوج ومأجوج يموت منهم الرجل وأقل ما يدع من ذريته ألفا أو يزيدون ) )أخرجه النسائي في السنن الكبرى والطبراني في المعجم الأوسط وضعفه الألباني.
وجلَّى نبينا صفاتهم بقوله: (( إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: لا عَدُوَّ، وَإِنَّكُمْ لا تَزَالُونَ تُقَاتِلُونَ عَدُوًّا حَتَّى يَأْتِيَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، عِرَاضُ الْوُجُوهِ، صِغَارُ الْعُيُونِ، شُهْبُ الشِّعَافِ ـ أي: سواد وبياض، والشعاف هنا: الشعور ـ ، مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ) )أخرجه أحمد. والمجان التِّراس، والمطرقة: طرق الشيء الشيء أي: تراكم عليه. والذي يُفهم من الحديث: كثرة تجاعيد وجوههم حتى إن لحمها بعضه على بعض.
وفي السنة بيان أنَّ سدهم فُتح زمن النبي فتحة كالحلقة، فعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ وَهُوَ يَقُولُ: (( لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ؛ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ ) )وحلق بالإبهام والسبابة. أخرجه البخاري ومسلم.
ولكنهم لن يخرجوا إلا في آخر الزمان بعد نزول عيسى عليه السلام ؛ فعَنْ النَّبِيِّ فِي السَّدِّ قَالَ: (( يَحْفِرُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَخْرِقُونَهُ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللَّهُ كَأَشَدِّ مَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مُدَّتَهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاسْتَثْنَى، فَيَرْجِعُونَ فَيَجِدُونَهُ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَخْرِقُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ ) )أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.
وقد بُين لنا بعض صور فسادهم، ففي مسلم: (( يَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ ـ أي: قوم يأجوج ومأجوج ـ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ ) )، وقال: (( يَفِرُّ النَّاسُ مِنْهُمْ فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ فِي السَّمَاءِ فَتَرْجِعُ مُخَضَّبَةً بِالدِّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: قَهَرْنَا مَنْ فِي الأَرْضِ وَعَلَوْنَا مَنْ فِي السَّمَاءِ؛ قَسْوَةً وَعُلُوًّا ) )أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.
وأما هلاكهم فقد ثبت أنه لا يد لأحد في قتالهم، فيدعو عليهم نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه، قال: (( أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ... فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّغَفَ ـ وهو الدود الذي يكون في أُنوف الإبل والغنم ـ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الأَرْضِ فَلا يَجِدُونَ فِي الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ ) )أخرجه مسلم.
لا يد لأحد في قتالهم، ويكون موتهم بالنَّغف! لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: 12] .
عباد الله، ومن الأشراط التي ورد ذكرها في القرآن الدخان، قال تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ [الدخان: 10] . وقد جنح عبد الله بن مسعود إلى أنَّها آية قد وقعت زمن النبي ، فقال: (مَضَى خَمْسٌ: الدُّخَانُ وَالرُّومُ وَالْقَمَرُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ) أخرجه البخاري ومسلم. وقال في الآية: إِنَّمَا كَانَ هَذَا لأَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَى النَّبِيِّ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ أخرجه البخاري ومسلم. وذهب ابن عباس إلى أنَّها لم تقع، ففي تفسير الطبري عن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت. ومما يرجح قوله أنَّ الدخان في أثر ابن مسعود مُتخيَّل، والله يقول: بِدُخَانٍ مُبِينٍ ، والعلم عند الله تعالى.
ومن أشراطها الكبرى ثلاثة خسوفات كما في حديث حذيفة بن أسيد، قال: اطَّلَعَ النَّبِيُّ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ: (( مَا تَذَاكَرُونَ؟ ) )قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: (( إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ... وَثَلاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ) )رواه مسلم. والخسفُ: أن تَبْلَعَ الأرضُ بعضَ أجزائها بمن فيه.
ومن العلامات طلوع الشمس من مغربها، وهي من الآيات التي حدثنا عنها القرآن الكريم، يقول سبحانه وتعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: 158] . وقد فسَّر النبيُّ ذلك بطلوع الشمس من المغرب، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ يَوْمًا: (( أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ ) )قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (( إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً وَلا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي لا يَسْتَنْكِرُ النَّاسَ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا، أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ) )أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له.
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من آيات وذكر حكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين، فاستغفروه إنه غفور رحيم.
أحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا هو سبحانه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيا أيها المؤمنون، ومن الأشراط أيضًا خروج دابة الأرض التي نطق بها القرآن الكريم، يقول تعالى: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل: 82] .
يقول ابن مسعود: أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع، قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الرجال؟! قال: يُسرى عليه ليلًا فيصبحون منه فقراء، وينسون قول لا إله إلا الله، ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم، وذلك حين يقع عليهم القول. أخرجه الدارمي في السنن والطبراني في المعجم الأوسط وعبد الرزاق في المصنف.
وهذه الدابة لا يليق بالمسلم أن يبحث عن أمور بشأنها لم ترد في الكتاب ولا في السنة، كصفتها وفصيلتها ونحو ذلك، فنؤمن بأنها دابة من خلق الله تكلم الناس ونسكت عما سُكت عنه.
وهذه الدابة لها وظيفتان:
الأولى: تكلم الناس وتقول: إنَّ الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، هذا على قراءة من فتح همزة (أنَّ) ، وأما على قراءة من كسر همزة (إنَّ) فيكون كلامها غير مبين في الآية؛ لأن الجملة استئنافيةً، ولكن القراءات يفسر بعضها بعضًا.؛ ولذا قرأ أبي: (تُنَبِّئُهُمْ) .
الثانية: ما جاء ذكره في حديث النبي: (( تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلام، فَتَخْطِمُ الْكَافِرَ بِالْخَاتَمِ، وَتَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ بِالْعَصَا ) )أخرجه أحمد. وقرأ ابن عباس: (تَكْلَمُهم) .
وختامًا، من الآيات التي تنبأ بها النبي خروج نار من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم، ففي حديث حذيفة بن أسيد قال: اطَّلَعَ النَّبِيُّ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ: (( مَا تَذَاكَرُونَ؟ ) )قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: (( إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ... وَثَلاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ ) )رواه مسلم، وللبخاري: (( نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ) ). ولا تعارض بين الروايتين؛ لأن أصل خروجها من اليمن.
ويحشر الناس على ثلاثة طرق، يقول نبينا: (( يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاثِ طَرَائِقَ: رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ ـ وفي رواية: راكبين ـ ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا ) )أخرجه البخاري ومسلم، وفي رواية عند الطبراني في الكبير والأوسط: (( يكون لها ما سقط منهم ) ). وفي المسند لما ذكر النبي من يحشر ماشيًا سئل، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: هَذَانِ قَدْ عَرَفْنَاهُمَا، فَمَا بَالُ الَّذِينَ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ؟ فقَالَ: (( يُلْقِي اللَّه الآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ حَتَّى لا يَبْقَى ظَهْرٌ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ الْمُعْجِبَةُ فَيُعْطِيهَا بِالشَّارِفِ ـ وهي الناقة المسنة ـ ذَاتِ الْقَتَبِ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهَا ) ). وهذا الحشر سيكون بالشام؛ لقول النبي في الشام: (( ها هنا تُحشرون ) )أخرجه أحمد.
وهذا الحشر يكون في الدنيا؛ فإنَّ الناس يُحشرون في الآخرة حفاةً عراةً غرلًا بهمًا، أما في هذا الحشر فقد ذكر النبي أنَّه يكون ممن يُحشر صاحب الحديقة المعجبة، وأن بعض الناس يُحشرون راكبين، وهذا لا يكون في حشر الآخرة، وهذا مما لا ينبغي أن يُنازع فيه. قال ابن حجر رحمه الله:"ومن أين يكون للذين يبعثون بعد الموت عراة حفاة حدائق حتى يدفعوها في الشوارف؟!".
أسأل الله تعالى أن يجعلنا من المؤمنين المصدقين بحديث نبيه الأمين...