فهرس الكتاب

الصفحة 1553 من 5777

حكم الغناء

الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي

مرزوق بن سالم الغامدي

مكة المكرمة

الرحمة

1-أدلة تحريم الغناء. 2- أقوال السلف في الغناء. 3- جواز الإنشاد.

إن مما استهان به الناس هذه الأيام سماع الغناء والمعازف لشبه يقذفها أهل الباطل ليحلوا ما حرم الله وليبرروا فعلهم للمنكرات بحجة أن جاريتين غنتا في العيد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث، وهو حق يراد به باطل.

فقبل أن أذكر هذا الحديث ومفهومه ودلالته لابد أن نعرف حكم الغناء والمعازف، ولا بد أن نحكم في الأمر بشرع الله وليس بالهوى والرأي.

فالمعازف: هي كل ما يعزف به من آلات معروفة قديمًا وحديثًا وهي محرمة، لما روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدًا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ) ).

فهنا جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين أمور محرمة يستحلها الناس وهي الزنا، والخمر، ولبس الحرير، والمعازف. وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن في أمتي خسفًا ومسخًا وقذفًا ) )قالوا: يا رسول الله وهم يشهدون ألا إله إلا الله؟ فقال: (( نعم، إذا ظهرت المعازف والخمور ولبس الحرير ) ). حديث أخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وأبو عمر والداني في السنن الواردة في الفتن وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حينما سمع صوت زمارة الراعي (المعروف بالناي) وضع إصبعيه في أذنيه وقال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت زمارة راعٍ فصنع مثل هذا) رواه أحمد وبعض أهل السنن.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم ذات يوم وهم في المسجد فقال: (( إن ربي عز وجل حرم علي الخمر والميسر والكوبة والقنين ) )الكوبة: الطبل، والقنين: طنبور الحبشة وآلة من آلات العزف، رواه أحمد وبعض أهل السنن. فهذا يدل دلالة قاطعة بأنه لا يجوز الاستماع إلى المعازف سواء كانت طبلة أو مزمارًا أو آلة من الآلات المعروفة والتي يعزف بها.

والغناء بالمعازف أيضًا محرم لاشتماله على آلات اللهو والعزف حتى ولو كان كلامًا لا بأس به.

وقد أجمع الأئمة الأربعة على تحريم المعازف، وأما الغناء بدون معازف وهو ما يعرف بالأناشيد أو الحداء ويكون بدون آلة ولا طبل فمنه محرم ومنه الذي لا بأس به، فالغناء المحرم ما كان فيه من التشيب والغزل ووصف المحاسن أو ما يثير الشهوات أو ما شابه ذلك أو الإطراء أو المدح الكاذب أو الزائد عن الحد.

ذكر البخاري في الأدب المفرد أنه دعي مغن ليلهي الأطفال الصغار من البكاء وقد استأذنوا عائشة رضي الله عنها في ذلك فقالت: بلى، فحينما مرت عائشة رضي الله عنها على ذلك البيت الذي جيء بالمغني إليه فرأته يحرك شعر الرأس طربًا ويتغنى بالشعر فقالت عائشة رضي الله عنها: أف شيطان، أخرجوه، أخرجوه، فأخرجوه). وهذا كان يغني الشعر بصوته فيلحنه بنبرات صوته ويتمايل معه.

أيها الإخوة: جاء في تفسير قول الله تعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم. فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (هو الغناء والذي لا إله إلا هو) .

ومعنى سامدون في قول الله تعالى: أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون هو الغناء بلغة حمير، قال السمود: هو الغناء. كما قلت: إن الأئمة الأربعة رحمهم الله قد أجمعوا على تحريم آلات اللهو والعزف، وقد أفتى الإمام أحمد بكسرها إذا كانت مكشوفة. وقد قال أبو يوسف تلميذ الإمام أبى حنيفة حينما سئل عن رجل سمع صوت المزامير من داخل أحد البيوت فقال: (( ادخل عليهم بغير إذنهم لأن النهي عن المنكر فرض ) ).

وقال النووي رحمه الله: إن استعمال آلات اللهو محرم. وأما الغناء بدون آلات فقال عنه الشافعي رحمه الله: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال، ومن أستكثر منه سفيه ترد شهادته. وقال الإمام مالك رحمه الله: إنما يفعله عندنا الفساق. والإمام أحمد قال: الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني. وقال المفسرون عند قوله تعالى: واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك أن صوت الشيطان هو الغناء. وأما الغناء الذي لا بأس به فهو ما يحتوي على مكارم الأخلاق ونصرة الإسلام، ويكون بدون معازف كما قلنا، وهو ما يعرف اليوم باسم الأناشيد، أو ما يكون لقطع المسافات في السفر وهو ما يعرف بالحداء، وأن لا يكثر منه في كل وقت، بل يكون في مناسبات محددة وأوقات خاصة، كالأعياد والزواج والسفر والحرب وألا يجعل هذا الغناء للتكسب وذلك بدلالة الأحاديث التالية:

ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث - قالت: وليستا بمغنيتين - فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وذلك في يوم عيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا ) ).

فلاحظوا أيها الإخوة: أن البنتين الصغيرتين كانتا تنشدان بشعر فيه فخر وذلك في يوم العيد وأن البنتين ليستا من محترفي الغناء، وأن أبا بكر أنكر عليهما وقال: أبمزمور الشيطان؟ فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الكلمة ولم ينكر عليه تسمية الغناء مزمور الشيطان، ولكنه صلى الله عليه وسلم جعل هذا في العيد استثناءً، لأن الأصل هو عدم الغناء.

وأما الحديث الثاني فجاء بعدة ألفاظ وفيه أن جويرات كن يضربن بالدف في العرس ويندبن من قتل يوم بدر إذ قالت إحداهن: (وفينا نبي يعلم ما في غد) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( دعي هذه، وقولي الذي كنت تقولين ) )فلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم ما رضي بالمدح المتجاوز للحد، ونهى الجارية عن ذلك، وأذن لها في الإنشاد الضرب على الدف في العرس.

وجاءت روايات أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة حينما حضرت زواج امرأة من الأنصار: (( فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني ) )فقالت عائشة تقول: ماذا؟ قال: تقول:

أتيناكم فحيانا وحياكم

ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم

ولو لا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم

وأما الحداء والأشعار في السفر أو في الجهاد فقد ورد منها:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا

وأيضًا قولهم:

نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا

ومنها أيضًا:

اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه إنه غفور رحيم.

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

أما الشعر فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم شعراء على رأسهم حسان بن ثابت رضي الله عنه يذبون عن الدين ويدافعون عن الإسلام وعن النبي صلى الله عليه وسلم ويردون على الكفار ويكبتونهم، فكان شعرهم جهادًا ودعوة في سبيل الله، وكانوا أبعد الناس عن سفاسف الأمور.

وقد ذم الله الشعراء إلا الذين ينصرون الدين كما قال تعالى: والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وقال صلى الله عليه وسلم: (( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يَرِيهِ خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا ) ).

وقد ترك كثير من الشعراء الشعر في صدر الإسلام بعد دخولهم الإسلام لأنهم أخذوا القرآن والسنة، فاستبدلوا الذي هو خير بالذي هو أدنى، وملأوا صدورهم بهما واهتدوا بهما في حياتهما، وتغنوا بالقرآن في الصلاة في الأسحار فنالوا بذلك السعادة في الدارين ونالوا سيادة العالم.

وبعد استعراضنا للأدلة من القرآن والسنة وقول الصحابة وإجماع الأئمة وأهل العلم يتضح لكل ذي بصيرة يريد الحق واتباعه أن المعازف من طبل ومزمار وآلات موسيقية مختلفة محرمة لا يجوز الاستماع إليها، سواء في عزف منفرد أو في مقطوعة موسيقية أو بصحبة الشعر كما هو معروف في الأغاني هذه الأيام.

وأما الغناء بالشعر الملحن بالصوت فقط وتنغيمه بالصوت فقط دون صحبة أي آلة موسيقية فلا بأس في العيد، وفي الزواج.

ولا بأس أن يضرب النساء بالدف في الزفاف ويغنين بشعر يظهر فيه فخر أو مدح للإسلام والمسلمين أو كلام مباح... وألا يكون ذلك للتكسب ولا يسمعهن الرجال.

ولا بأس بالحداء والأناشيد في السفر لإزالة الملل، وأن يكون من الشعر البعيد عن إثارة الشهوة أو وصف النساء أو المردان، وما شابه ذلك من الخنا والخسة المنتشرة في شعر كثير من الشعراء الذين يسمون بشعراء الأغنية والتي يندى لذكرها الجبين، ولا يرضاها والله أهل الجاهلية قبل الإسلام، فكيف تنشر في وسائل الإعلام هذه الأيام تحت اسم الفن، ويقدمون على أنهم شعراء فنانون وكتاب لامعون نعوذ بالله من انتكاس المفاهيم.

وأما أغاني اليوم التي تصف المحاسن للنساء أو للمردان وتثير الشهوة بصحبة الموسيقى فقد جمعت كل المفاسد والمحرمات، ذلك إذا أضيف إليها صوت المغني الذي يتغنج ويتكسر في غنائه، أو المغنية التي تزيد الطين بلة ظلمات بعضها فوق بعض فهذه كلها لا شك في تحريمها.

اسأل الله لنا ولكم الهداية وأختم خطبتي بقراءة كلام لابن القيم رحمه الله ذكره في إغاثة اللهفان حيث قال رحمه الله في الجزء الأول ص252: ومن مكايد عدو الله ومصايده، التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. فهو قرآن الشيطان. والحجاب الكثيف عن الرحمن وهو رقية اللواط والزنا. وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقة غاية المنى. كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحسنه لها مكرًا منه وغرورًا. وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورًا، فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات، وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، متمايلون له ولا كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟ ويحق لهم ذلك وقد خالط خماره النفوس، ففعل فيها أعظم ما يفعله حميا الكؤوس. فلغير الله، بل للشيطان، قلوب هناك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق. الخ. كلامه رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت