العلم والدعوة والجهاد
العلم الشرعي
ماجد بن عبد الرحمن الفريان
الرياض
سليمان بن مقيرن
1 ـ العلماء ورثة الأنبياء. 2 ـ موت العالم ثلمة ومصيبة للأمة. 3 ـ موت العلماء وواجب الشباب في التعويض. 4 ـ ظهور التعالم وموت العلماء. 5 ـ الجرأة على العلماء.
أما بعد: فيا عباد الله ، اتقوا الله حق التقوى.
معاشر المسلمين، لقد بعث الله محمدًا إلى الخلق على حين فترة من الرسل ، وقد مقت أهل الأرض عربَهم وعجمَهم إلا بقايا من أهل الكتاب ، ماتوا أو أكثرُهم قبل مبعثه ، والناس إذ ذاك في جاهلية جهلاء ، يعبدون الأصنام ، ويأكلون الميتة، ويأتون الفواحش ، ويقطعون الأرحام ، ويأكل القويُ منهم الضعيف ؛ فبعث الله لهم محمدًا يعرفون نسبه ويعرفون صدقه ويعرفون أمانته وعفته ، فهدى اللهُ الناسَ ببركة نبوة محمد هدايةً جلَّت عن وصف الواصفين ، وفاقت معرفة العارفين.
حتى حصل لأمته عمومًا ولأولي العلم منهم خصوصًا ،من العلم النافع والعمل الصالح ، والأخلاق العظيمة ، والسنن المستقيمة ، ما يعتبر منَّة عظمى تفضل الله بها على عباده لَقَدْ مَنَّ ?للَّهُ عَلَى ?لْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـ?تِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ ?لْكِتَـ?بَ وَ?لْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـ?لٍ مُّبِينٍ [آل عمران: 164] .
معاشر المسلمين ، ولقد أخبر الرسول أنَّ له تركة وميراثًا ، لا يمكن أن يُختص بها إلا من أراد الله له الخير وأخبر أن هذا الميراث ليس من فئة الدينار والدرهم ، وإنما هو العلم الذي من تحصل عليه فإنما وفق لخير عظيم قال: (( إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَه أَخَذَ بِحَظٍّ وافر ) )رواه أبو داود والترمذي وغيرهم.
إن العلماء يقومون في الأمة مقام الأنبياء ، يبصرونها الهدى ، ويجنبونها الردى ، ويمسكون بِحُجَزها أن تسلك درب ضلالة ، أو تقع في هاوية غواية.
إن العلماء في الأمة بمنزلة العينين من الرأس ، وهم الذين يبصرون الأمة بدينها ويوقعون عن الله في وقائع حياتها ، فتصدر الأمة عن أحكامهم وتقتفي فُتياهم واجتهاداتهم.
أيها المسلمون، وحيث كان العلماء من الأمة بهذه المثابة وتبوؤا منها هذه المرتبة فإن رزيتها بفقدهم من أعظم الرزايا وأقساها.
وإن فقد العالم أيها المسلمون ، ليس فقدًا لشخصه ، وليس فقدًا لصورته ، ولا لحمه ودمه ، ولكنه فقد لجزء من ميراث النبوة ، إنه فقد لجزء كبير ، بحسب ما قام به العالم من الجهد والتحقيق ، وهكذا يختلس العلم ويقبض بقبض حملته الذين هم العلماء عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: (( خُذُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ ) ). قَالُوا: وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَفِينَا كِتَابُ اللَّهِ قَالَ: فَغَضِبَ ، ثُمَّ قَالَ: (( ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ أَوَلَمْ تَكُنِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمْ شَيْئًا ، إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ ، إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ ) )رواه أحمد والدارمي.
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: (( هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ ) )فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ فَوَاللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَقَالَ: (( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا زِيَادُ إِنْ كُنْتُ لَأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَمَاذَا يُغْنِي عَنْهُمْ ؟ ) )رواه الترمذي والدارمي.
وعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) )رواه البخاري ومسلم.
إذا أُدْرك ذلك أيها المسلمون تبين أن فقد العالم لا يعوِّض عنه مال ولا عقار ، ولا متاع ولا دينار ، بل إن فقده مصيبةٌ على الإسلام والمسلمين لا يعوض عنه شيء، قال ابن مسعود: (( موت العالم ثلمة في الإسلام لا يعوض عنه شيء ما اختلف الليل والنهار ) )رواه ابن عبد البر.
إخوة الإسلام ، ولعل الله أن يكتب الخلف على المسلمين ، في تيسير مَنْ يخلُفه بين العالمين ، فيقوم بمثل ما قام به من الجهاد ونصرة الحق، وهذا دوركم يا مسلمون والشباب منكم بخاصة ، أليس فيكم رجل يستنهض همته ما يرى من تتابع موت علماء الإسلام ؟:كما قال أبو الدَّرْدَاءِ: (مَا لِي أَرَى عُلَمَاءَكُمْ يَذْهَبُونَ وَجُهَّالَكُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ فَتَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ فَإِنَّ رَفْعَ الْعِلْمِ ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ) ألا يجدر بكم أيها الشباب أن تبذلوا الجهد لتحصيل العلم النافع ؟ لتفوزوا بإرث الأنبياء الكرام ، وتكونوا عزاء لأمتكم في فقد علماء الإسلام.
أيها الإخوة المؤمنون: وإن فقد العلماء في مثل هذا الزمان لتتضاعف به المصيبة ، وتعظم به الرزية ؛ لأن العلماء العاملين ، الذين يركن إليهم ، أصبحوا ندرة قليلة في الناس ، وكثر في الأمة الجهل والتشكيك والإلباس ، وكثر في الأمة القراء وقل فيهم الفقهاء مصداقًا لخبر الرسول: (( سيأتي على الناس زمان يكثر فيه القراء ، ويقل فيه الفقهاء ، ويقبض العلم ، ويكثر الهرج ) )رواه الطبراني والحاكم.
قال الشيخ: حمود التويجري - رحمه الله -"وقد ظهر مصداق ذلك في زماننا فقل الفقهاء العارفون بما جاء عن الله ورسوله وكثر القراء في الكبار والصغار ، والرجال والنساء ، بسبب كثرة المدارس وانتشارها أ.هـ".
إن كثيرًا ممن يتصدر اليوم إنما هم من القراء الذين يملكون نتفًا وجزيئياتٍ أمسكوا بها من خلال قراءاتهم في بعض الكتب ، واطلاعهم على أقوال أهل العلم ، فكثير منهم لم يعاين العلمَ ، ولم يشافه العلماء ، ولم يزاحمهم بالركب في الحلق ، ولذلك فإنه وإن رأيته منطلقًا في موضوع من موضوعات الشريعة إلا أنه يغلق عليه عندما يسأل في مسألة من العلم، فهم كما قال الخطيب البغدادي:"قد رأيت خلقًا من أهل هذا الزمان ينتسبون إلى الحديث ويعدون أنفسهم من أهله ، المتخصصين بسماعه ونقله ، وهم أبعد الناس مما يدعون ، وأقلهم معرفة بما إليه ينتسبون ، يرى الواحد منهم إذا كتب عددًا قليلًا من الأجزاء ، واشتغل بالسماع برهة يسيرة من الدهر أنه صاحب حديث على الإطلاق ، ولمَّا يجهد نفسه ويتعبها في طلابه ، ولا لحقته مشقة الحفظ لصنوفه وأبوابه...."
وهم مع قلة كَتْبِهم له وعدم معرفتهم به ، أعظم الناس كبرًا وأشدِّ الخلق تيهًا وعجبًا ، لا يراعون لشيخ حرمة ولا يوجبون لطالب ذمة ،... يعنفون على المتعلمين خلافَ ما يقتضيه العلم الذي سمعوه ، وضدَّ الواجب مما يلزمهم أن يفعلوه"."
أيها المسلمون: إن العالم الفقيه ليس كالذين وصفهم الخطيب البغدادي بل هو ذو فهم عام شمولي للإسلام واطلاع على مجمل الأحكام الشرعية ، فهو لم يقرأ نتفًا ، بل درس العلوم الشرعية دراسة شمولية ، فمر على مسائل العلم ، واستطاع تخريجها على أصولها ، وأصبحت لديه ملكة فهم النصوص ، وعَرَ ف مقاصد الشريعة وأهدافَهَا العامة.
إن علمه لم يأته من قراءة ليلة واحدة بل من سهر الليالي ومعاناة الأيام ومكابدة السنينَ والأعوام ، ولذلك عظم الخطب على المسلمين في فقيدِهِمُ العلامة الذي سنصلي عليه صلاة الغائب بعد صلاتكم هذه.
لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير.
ولكن الرزية فقد حر يموت بموته خلق كثير.
ولقد بات الناس يدوكون ليلتهم ( قبل الماضية ) يتقلبون على أحرَّ من الجمر ويتجرعون أمرَّ من المُر ، متأسفين على فقد الأمة جزء ًا من ميراث النبوة ، وحبرًا من أعلام الأمة ، ولكننا لا نيأس من روح الله ، ولن نقنط من رحمته فلقد أخبر الصادق المصدوق أنه (( لن تزال طائفة من الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) ).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه وصلاة الله وسلامه على أشرف المرسلين.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
إخوة الإسلام، وفي الوقت الذي تحزن فيه الأمة على العلماء الربانيين ، نجد منها أو ممن حولها طائفةً نشازًا لَمْ يَرُعْهَا ما ترى من انفراط عقد العلماء ، بل رأت أن لها في ذلك فرجًا ومخرجًا ، ورأت في زوالهم تحطمًا للسد المنيع الذي يحول بينهم وبين ما يشتهون ، فأصبحت تُطلُّ برؤوسها وتدلي بألسنتها وأقلامها متجرأةً على الكلام في الدين والمسلَّمات الشرعية رافعين شعارَ"نحنُ رجال وهم رجال، ولا مانع من الحوار"مستغلين وفاة بعض العلماء وشغُلَ بعضهم بالأسقام رحم الله الموتى وشفى المرضى.
إن أمضَّ العداوة وأمضاها وأمرَّها هي سياسةُ هؤلاء المخاتلين ، عقاربُ النفاق التي تلسع في الظلام وخنافس الفحش التي تسبح في العفونة ، يتلمظون بأعراض العلماء ويمسكون القلم الأحمر مصححين ومخطِّئين على صفحات الصحف السيارة والمجلات ، تلوك ألسنتُهم وأقلامُهم أعراضَ العلماء في كتابات سخيفة ، ساذجة ركيكة ، فما أجمل أثر العلماء عليهم وما أقبح أثرهم على العلماء.
أ يها الناس: إنهم أناس مرضى لما عجزوا عن الكلام في الدين الذي تحملونه، لجأوا إلى الوقيعة في العلماء الذين يمثلونه، ألا يستحي هذا النشء الحديث الأسنان من التجرؤ على أولياء الله الذين كانوا يشدون مآزرهم في طلب العلم، يوم كان هذا النشء يبولون في لفائفهم صغارًا، ألا حياءً من الله.
كيف يتجرأ هذا النشء على علماءٍ، أعمارهم في العلم أكثر من أعمار أولئك منذ ولدتهم أمهاتهم، آه لعلماء الإسلام ، ولكننا نعلم علم اليقين، أنه لا يُوجَد مستبطِن دغل ودخن على هذا الدين، إلا وهو يستبطن بغض العلماء وعداوتَهم قَدْ بَدَتِ ?لْبَغْضَاء مِنْ أَفْو?هِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: 118] .
أيها المؤمنون: إن منافقي الأمةِ والكائدين لها كانوا وما زالوا يغلفون وقيعتهم في الدين بالوقيعة في علمائه وحملته، ومن يدعون إليه ويمثلونه، ويقولون في علماء الإسلام ما لا يستطيعون أن يقولوه في الإسلام، هذا دأب المنافقين منذ كانوا يؤذون النبي وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة: 61] ، ومنذ كانوا يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم، ومنذ افتروا على عائشة ـ أمِ المؤمنين ـ البهتان والإفك المبين، ومنذ قالوا عن أصحاب رسول الله: (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا ولا أجبن عند اللقاء) .
كانوا وما زالوا هذا كيدهم إذا جبنوا عن السخرية بهذا الدين سخروا بعلمائه، وإذا أرادوا التنقص من الدين تنقصوا دعاته، اللهم رد كيدهم في نحورهم وافضحهم بنفاقهم وإرجافهم.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الحوض.