الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد, فقه
أحاديث مشروحة, المساجد, فضائل الأعمال
عبد الله الهذيل
الرياض
فيحان
1-أحد السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم القيامة. 2- معنى: (( قلبه معلق بالمساجد ) ). 3- الترغيب في بناء المساجد. 4- بناء المسجد النبوي. 5- تعلق قلوب الناس بالدنيا وزخارفها. 6- تعلق قلب النبي بالمسجد والصلاة. 7- فضيلة المكث في المساجد.
وثالث سبعة يظلهم الله عز وجل بظله يوم لا ظل إلا ظله: (( رجل قلبه معلق بالمساجد ) ).
وهذه عمارة المساجد حقًا, كما قال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ [التوبة: 18] ، وقال عز من قائل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور: 36-38] .
رجل تعلق قلبه بالمساجد, كلما نودي للصلاة فيها سارع إليها وإليه بشوقٍ وشديدِ رغبة؛ لينال القلب ارتياحه الذي لا يتهيأ بمتاع الدنيا وإن عظم, فسبيله في ذلك سبيل من كان يأمر بلالًا رضي الله عنه: (( أرحنا بها يا بلال ) )صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وإذا قضيت الصلاة ظلّ القلب معلّقًا بالمسجد وإن خرج منه الجسد حتى يعود إليه مرة أخرى.
وما كان هذا التعلق أن يأتي من فراغ, ولكنه ثمرة التعلق بالله سبحانه وتعالى محبة وإنابة ورغبة ورهبة وخوفًا ورجاءً وإخلاصًا وتوكلًا وذلًا وتعبدًا، فالتعلق بالله عز وجل وحده هو الغاية العظمى والنجاة الحقة.
ومن تعلق بغير الله عز وجل شأنه كما قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ الآية [العنكبوت: 41] . وكما قيل:
والمستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
أيها المسلمون، إن المسجد ركن ركين وأصل أصيل لا يخفى على أحد أهميته, لذا كان المسجد أول بيت وضع للناس بمكة, كما قال تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران: 96] . والأرض كلها لله عز وجل, ولأهمية المسجد خصه الله عز وجل لنفسه كما قال سبحانه: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18] .
وقد وعد سبحانه وتعالى بالثواب الجزيل لمن بنى له مسجدًا, ففي الصحيحين من حديث عثمان رضي الله عنه أن النبي قال: (( من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة ) ).
وأول ما قدم النبي المدينة بنى مسجد قباء، وأقام هناك الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، ثم توجه إلى المدينة ضحى الجمعة, والصحابة رضوان الله عليهم كلٌ يريد أن يأخذ بزمام ناقته ليكون ضيفه ونزيله, وهو يقول: (( خلوا سبيلها فإنها مأمورة ) )، فسارت الناقة حتى وصلت إلى بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه فبركت هناك, فنزل النبي بمنزل أبي أيوب, وبنى المسجد حيث بركت الناقة, وكانت أرضًا ليتيمين, فأراد شراءها منهما ، فرفضا البيع وقالا: نَهَبُهَا لك يا رسول الله, فرفض النبي إلا البيع, فابتاعها, ثم أخذ يستعد هو والصحابة في بناء المسجد, فأمر بتسوية الأرض ونبش القبور وقطع النخيل وعجن الطين وضرب اللبن وإحضار جذوع النخل، وكان ينقل اللبن والحجارة بنفسه وهو يقول:
(( اللّهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة ) )
وكان يقول:
(( هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبرُّ ربَّنا وأطهر ) )
فيقول الصحابة رضوان الله عليهم:
لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلّل
أيها المسلمون، ففي هذا دلالة بينة على أهمية المسجد, إذ لم يؤجله النبي , لا في قباء مع أن مكثه فيها أربعة أيام فقط, ولا في المدينة.
أيها الأحبة في الله، وإن الحديث عن المسجد وأهميته ودوره في بناء المجتمع والرسالة المناطة بأهله لحديث يطول الوقت فيه، وفي ذلك رسائل كتبت وكتبٌ أُلفت ومؤتمرات عقدت، هذا مع بيان الأمر وجلائه على كل مؤمن. ونقصر الحديث على السلسلة التي بدأناها، ويومنا هذا مع ثالثها وثالث السبعة.
أيها المسلمون، تعلقت قلوبٌ بالدنيا والدرهم فذهبت وتركتها, وتعلقت قلوبٌ بمواقع اللهو واللعب فذهبت وتركتها وأعقبتها حسرة وندامة، وتعلقت قلوب بمعاني الحب الزائغ والعشق المهلك حتى وقفت عندها ولم تستطيع عنها حراكًا فأنشدت:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة حبًا لذكرك فليلمني اللوّم
فذهبت وتركتها, ونار الهوى تحرقها, وما يعقبها أشد وأبقى.
وهذه وأمثالها تعلقات بدواعي الهوى والدنيا والنفس والشيطان, وكل ذلك إلى فناء وزوال, فأي شيء يحظى به الظمآن من شراب في هاجرة فما تزيده إلا ظمأً, بل وتزيد أن تسوقه إلى حفرة هاوية يكون بها هلاكهُ؟!
أيها المسلمون، إن القلوب المتعلقة بالمساجد لهي قلوب ملؤها الإيمان والتقى والمسارعة إلى الخيرات, سارعت إلى محو الخطايا ورفع الدرجات, سارعت إلى ظل الله عز وجل, سارعت إلى النور التام يوم القيامة, سارعت إلى الصلاة فانتظرت الصلاة، فلم تزل الملائكة تصلي على أصحابها: اللهم صل عليهم, اللهم اغفر لهم.
قلوب أبت سبيل المنافقين الذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، قلوب حكت سنة سيد المرسلين الذي جعلت قرة عينه في الصلاة, والذي كان همه وهو يعاني شدة الموت الصلاة بالمسجد، عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ؟ فقالت: بلى, ثقُل النبي فقال: (( أصلى الناس؟ ) )قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله, قال: (( ضعوا لي ماء في المخضب ) )، ففعلنا, فاغتسل, ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: (( أصلى الناس؟ ) )قلنا: لا, هم ينتظرونك يا رسول الله. قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله لصلاة العشاء, فأرسل رسول الله إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس, وكان أبو بكر رجلًا رقيقًا, فقال: يا عمر، صل بالناس, فقال: أنت أحق بذلك, فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله وجد من نفسه خفةً, فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس, فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر, فأومأ إليه أن لا يتأخر, وقال لهما: (( أجلساني إلى جنبه ) ), فأجلساه إلى جنبه, فكان أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي , والناس يصلون بصلاة أبي بكر, والنبي يصلي قاعدًا.
أيها الإخوة المؤمنون، ثمة قلوب حكت سيرة الأسلاف لما كان أحدهم يأتي إلى المسجد يهادى بين الرجلين من شدة المرض، وهذا ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير لما أن مرض أمر أولاده بأن يحملوه إلى المسجد، وسعيد بن المسيب رحمه الله تعالى يقول في سكرات الموت:"والله، ما أذن المؤذن منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد". فيما نرى فئة من الناس هجرت المساجد فلا تقربها إلا في المناسبات، فئة من الناس لا تأتي المساجد إلا قليلًا, وإذا جاءت فعلى ثقل وكأنها على جمر الغضا، وهذا سبيل المنافقين إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا الآية [النساء: 142] . وهذه علامة للساعة, فعند أبي داود: (( ليأتين على أمتي زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلًا ) ).
أيها الإخوة المؤمنون، أسرعوا في الخيرات وتعلقوا ببيوت الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: (( من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح ) )متفق عليه، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: صلينا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام المغرب, فرجع من رجع, وعقب من عقب, فجاء النبي مسرعًا قد حفزه النفس, قد حسر عن ركبتيه، قال: (( أبشروا, هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة, يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى ) )، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها, وأبغض البلاد إلى الله أسواقها ) )، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا ) )، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: (( إذا صلى أحدكم ثم جلس مجلسه الذي صلى فيه لم تزل الملائكة تصلي عليه: اللهم اغفر له, اللهم ارحمه؛ ما لم يحدث ) ), وعنه أيضًا رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( ما توطّن رجل المساجد للصلاة والذكر إلا تبشّش الله تعالى كما يتبشّش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم ) ), وفي رواية لابن خزيمة قال: (( ما من رجل كان توطن المساجد فشغله أمر وعلة ثم عاد إلى ما كان إلا يتبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم ) ).
لم ترد.