فهرس الكتاب

الصفحة 1943 من 5777

ذم الغيبة

الرقاق والأخلاق والآداب

آفات اللسان

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

جامع الإمام تركي بن عبد الله

1-بيان حرمة الغيبة ، وإنها من كبائر الذنوب. 2- أسباب الغيبة. 3- من صور الغيبة.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله حق التقوى.

عباد الله، إن من كمال إسلام العبد سلامة المسلمين من شر لسانه ويده، فيسلمون من شر لسانه، فليس بالمغتاب لهم، ولا بالساخر بهم والمستهزئ بهم والعائب لهم والساعي بينهم بالنميمة، كل تلك الخصال الناس في سلامة منه، فلسانه مشغول بما ينفعه وما يعود عليه بالخير في حاضر أمره ومستقبله، وفي الحديث الصحيح: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ) [1] .

أيها المسلمون، ولذا عظّم الله أمر الغيبة، وجعلها من كبائر الذنوب، وحذر المسلمين منها فقال: وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات:12] .

أيها المسلم، فتدبر قوله: وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا نهيٌ من الله لنا أن يغتاب بعضنا بعضًا، والغيبة بيّن حقيقتها رسول الله بقوله: (( الغيبة ذكرك أخاك بما يكره ) )، أي: أن تذكره في غيبته بما يكره أن تواجهه به.

فأنت أحيانًا لا تستطيع أن تواجهه بأخطائه، إما عجزا منك وضعفا، أم لعدم الرغبة في إصلاحه، فتحب استمراره على الشر والبلاء، ولذا فأنت لا تقدم له نصيحة ولا تحذره من الشر الذي هو واقع فيه، وإنما تذكره في غيبته بما يسوؤه لمآرب ومقاصد تريدها، فليس هدفك الإصلاح، وليس هدفك التوجيه، وليس هدفك النفع العام، وإنما غايتك الانتقاص والإذلال وإضعاف مكانة المسلم، ولذا قال: (( ذكرك أخاك بما يكره ) )، قيل: يا رسول الله، أرأيت إن كان في أخي ما يكره؟! قال: (( إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه ) ) [2] أي: أتيت بالبهتان.

أخي المسلم، للأسف الشديد أن الغيبة فاكهة مجالسنا، وأنس مجالسنا، وللأسف الشديد أنها أُنس مجالس كثيرٍ من الناس، لا يخلو منها مجلس ما، وقلّ منا من يسلم منها، والمعصوم من عصم الله.

أيها المسلم، إن الله يقول: وَ?للَّهُ يَعْلَمُ ?لْمُفْسِدَ مِنَ ?لْمُصْلِحِ [البقرة:220] ، فالله لا تخفى عليه خافية، وإن أظهرت خلاف ما تبطن فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

أيها المسلم، عندما يتأمل المسلم أسباب الغيبة يجد لها أسبابًا متعددة، وكلها تلتقي على هدفٍ واحد الحط من قدر المسلم، ومحاولة إذلاله، وتشويه سمعته، وتلفيق التهم التي هو منها براء، فلذلكم ـ يا عباد الله ـ إن البعض من الناس يغتاب المسلم، ويذكره في غيبته بما يكره، ما السبب؟ التشفي منه، في نفسه غيظٌ عليه، ولا يرى التشفي إلا بالتحدث عن عيوبه وأخطائه، فإذا ضمَّه مجلس ما بدأ يتحدث عن عيوب فلان ونقيصة فلان وأخطاءِ فلان وأخلاق فلان وسوء خَلْقِ فلان، ويتحدث عنه، عن خَلقه وصورته، فيقول: خَلْقه سيئ وخَلْقه مشوه، وفيه ما فيه، أو يتحدث عن أخلاقه فيقول: هو الأحمق، هو الأخرق، هو كالسفيه، هو كذا، وهو كذا وكذا، ويعدد من أخلاقه ما يشفي به غيظه، وتلك المصيبة العظيمة، والله يقول في حق المؤمنين: وَ?لْكَـ?ظِمِينَ ?لْغَيْظَ وَ?لْعَـ?فِينَ عَنِ ?لنَّاسِ وَ?للَّهُ يُحِبُّ ?لْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] ، لكن هذا المغتاب لا يشفي غليله، ولا يروي عليله إلا إذا تحدث عن عيوب فلان وفلان.

ومن ذلكم ـ يا عباد الله ـ أن يكون الباعث للغيبة مجاملة المجالسين له، ويكره أن يشذ عنهم فيقولون: هذا معقدٌ، وهذا إنسان ثقيل في المجلس، وهذا إنسان لا يُستأنس به، لماذا؟ لأن هذا الإنسان مشغول بنفسه، معرض عن عيوب الآخرين، أما الذي يريد أن يجاملهم فإذا ابتدؤوا في انتقاص عرض مسلم ساعدهم وجاراهم في غيبتهم مجاملة لهم وكراهية أن يستثقلوا مجلسه، فيقدم رضاهم على سخط الله، (( ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ) ) [3] .

ومن أسباب الغيبة الحسد، فهو يرى نظراءه أفضل منه خُلقًا وعلمًا وجاهًا، ولا يستطيع الوصول إلى ما وصلوا إليه، فيتخذ من غيبتهم راحة لنفسه، وتنفيذًا لحسده وحقده، فهو يغتابهم لأنه قصُر عن مرتبتهم، وقل عن إدراك ما أدركوه، فاتخذ الغيبة سببًا لراحة نفسه؛ لأجل امتلاء قلبه بالحسد والبغضاء للمسلمين.

أيها المسلم، وقد يخرج المغتاب غيبته مخرج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيتحدث عن بعض الناس يقول: فلان فيه من العيوب ما فيه، فلان قد ارتكب تلك الكبائر واقترف الجرائم وفعل وفعل، لماذا لم تأته وتنصحه وتحذره بأس الله ونقمته؟! ولعل نصيحتك تؤدي إلى ارتفاع نفسه وإلى تركه ما حرم الله عليه، ولكنه لا يريد هذا، يريد أن يستمر هذا المسلم على جهالته وباطله، وهو يتشفى بالطعن فيه، والتحدث عن معاصيه التي لم يطلع عليها بعد الله إلا هو، ولذا في الحديث: (( من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة ) ) [4] .

وقد يخرج المغتاب غيبته من باب الغيرة على محارم الله، والله يعلم أنه كاذب، ولكنه يتخذ الغيرة لأجل الطعن في هذا، والتنقص من هذا، والعيب بهذا، ليحط من قدره.

وقد يكون سبب الغيبة التزلف إلى الآخرين، فيتزلف لهم بالطعن في فلان، والعيب في فلان، لعلمه أنهم يرضون ذلك منه، فهو يجاملهم بالطعن في الآخرين واغتيابهم، والله يعلم المصلح من المفسد.

أيها المسلم، إن نبينا حذرنا من الغيبة يقول: (( يا معشر من آمن بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فمن تتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته أخزاه في جوف بيته ) ) [5] .

تذكر عائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها وعن أمها تقول: قلت: يا رسول الله، حسبك من صفية ـ زوجة النبي أم المؤمنين ـ إلا أنها قصيرة، تشير بيدها إلى قصر قامتها فقال لها: (( لقد قلت كلمة لو مَزجتِ بها ماء البحر لمزجته ) ) [6] ، ذلك أنها أظهرت الصفة مظهر التنقص، والنبي حذرها من ذلك.

أيها المسلم، جاء ماعز إلى النبي معترفًا بزناه، طالبًا من النبي أن يقيم الحد عليه؛ ليطهره الحد من جريمته، والنبي رده أربع مرار، عساه أن يرجع وعساه أن ينكر، ولكنه استمر في الاعتراف والإقرار والوضوح بأنه ارتكب جريمة الزنا حقيقة لا شبهة فيها. فأمر النبي برجمه، فرجمه الصحابة فقال رجل لآخر: ما أخزى هذا! الله ستره ثم أقر على نفسه حتى رُمي رَمي الكلب، حتى رُجم رَجم الكلب، وكان النبي في الطريق فمر بجيفة حمار فوقف وقال: (( أين فلان وفلان؟ ) )فجاءا فقال لهما: (( كلا من جيفة هذا الحمار ) )، قالا: يا رسول الله، غفر الله لك، أنأكل من جيفة حمار؟! قال: (( والله للذي قلتم في ماعز أشد من أكلكم من جيفة هذا الحمار ) )، ثم قال: (( لقد رأيته يتقلب في أنهر الجنة ) ) [7] . انظر يا أخي، هذه كلمة قالاها متأسفين، لكن لما كان فيها لمز له قيل لهما: (( كُلا من جيفة هذا الحمار ) ).

أيها المسلم، لعله يضمك مجلس تسمع فيه ممن قل حياؤه، وتسلط بلسانه في النيل من عرض هذا وهذا، وسب هذا وشتم هذا، فليكن لك موقف إيماني تحذر المسلمين من هذه الغيبة، وتنصحهم بالكف عنها وتقول: كفى بعيوبنا شغلا، لنشتغل بعيوب أنفسنا، ولنصحح أخطاءنا، ولننظر إلى أنفسنا وما فينا من أخطاء، فحري بنا أن نصلحها قبل أن نبحث عن عيوب الآخرين.

أيها المسلم، اغتيابك للمسلم عند الآخرين ينبئ عن حسد وعن كراهية وعن ضعف في الإيمان وقلة خوف من الله؛ لأنك إذا اغتبته أهنته أمام الناس، وشوهت سمعته، وأحدثت تصورًا خاطئًا عنه، قد يكون بريء من كثير مما تقول، وقد يكون تاب من الخطأ، وما مصلحة الآخرين في أن يُنقد فلان وفلان، إن كنت صادقًا فاتصل به، وعرفه أخطاءه، واصبر على ما قد يصيبك منه إن واجهته بالأخطاء؛ لأن قصدك الله والدار الآخرة، أما التحدث عنه في غيبته، والقيل والقال، فذاك أمر لا خير فيه، لا داعي له، ولا مصلحة منه، أسأل الله أن يعافينا وإياكم من ذلك؛ ولذا قال الله: وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات:12] ، اتقوا الله مما مضى، فالله تواب على من تاب، رحيم بالتائبين، فيقبل توبتهم.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري في الإيمان (10) ، ومسلم في الإيمان (40) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

[2] أخرجه مسلم في البر (2589) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] أخرجه ابن المبارك في الزهد (199) ، ومن طريقه الترمذي في الزهد (2414) عن رجل من أهل المدينة عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا، وصححه ابن حبان (276) . ثم أخرجه الترمذي عقب المرفوع من طريق أخرى عنها موقوفا، ورجح الوقف أبو حاتم وأبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (2/103) ، وكذا العقيلي في الضعفاء. ولا يبعد أن يصح مرفوعا أيضا لأن له طرقا أخرى كما بينه الألباني في تحقيق الطحاوية (278) .

[4] أخرجه البخاري في المظالم (2442) ، ومسلم في البر (2580) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

[5] أخرجه أحمد (4/421) ، وأبو داود في الأدب (4880) ، وأبو يعلى (7423) ، والبيهقي (10/247) من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه بنحوه، وأورده الألباني في صحيح السنن (4083) .

[6] أخرجه أحمد (6/189) ، وأبو داود في الأدب (4875) ، والترمذي في صفة القيامة (2502) ، والبيهقي في الشعب (6721) ، قال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (4080) .

[7] أخرجه عبد الرزاق في المصنف (13340) ، ومن طريقه أبو داود في الحدود (4428) ، والنسائي في الرجم كما في التحفة (10/146) ، وأبو يعلى (6140) ، والدارقطني (3/196-197) ، والبيهقي (8/227-228) من طريق عبد الرحمن بن الصامت ابن عم أبي هريرة أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: فذكره. وعبد الرحمن هذا لم يوثقه سوى ابن حبان، وقال عنه البخاري:"لا يعرف له إلا هذا الحديث"، وصححه ابن الجارود (814) ، وابن حبان (4399) .

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، إن نبينا أعلن يوم النحر في منى حرمةَ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم فقال: (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ) ) [1] ، وقال أيضًا: (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يكذبه ولا يحقره ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه ) ) [2] .

وفي ليلة الإسراء بالنبي أخبرهم أنه مر برجال لهم أظافر من نحاس، يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فسأل، فقيل: أولئك الذين يغتابون الناس [3] .

والله يقول لكم: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:12] ، فإذا كنتم تكرهون أكل لحمه ميتًا فأمسكوا عن عرضه، فذاك خير لكم، ووقاية لكم، وسلامة لحسناتكم من أن يأخذها من اغتبتموه ويفوز بها، تقدمون له أعظم شيء عندكم، حسناتكم التي عملتموها.

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.

وصلوا ـ رحمكم الله ـ على محمد كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل على محمد...

[1] أخرجه البخاري في العلم (67) ، ومسلم في القسامة (1679) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.

[2] أخرجه مسلم في البر (2564) بنحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] أخرجه أحمد (3/224) ، وأبو داود في الأدب (4878) ، والطبراني في الأوسط (8) ، والبيهقي في الشعب (6716) من حديث أنس رضي الله عنه بنحوه، وصححه الضياء في المختارة (2285) ، والألباني في الصحيحة (533) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت