التوحيد
الألوهية
صالح بن عبد الله بن حميد
مكة المكرمة
المسجد الحرام
1 ـ القضية العظمى: العبودية. 2 ـ فضل العبودية. 3 ـ معنى العبودية وحقيقتها. 4 ـ أصول العبادة وأسسها. 5 ـ شرف الملائكة والأنبياء والصالحين بالعبودية. 6 ـ أثر العبودية الحقة في النفس. 7 ـ لذة العبودية. 8 ـ ما يعين على تحقيق العبودية. 9 ـ التهيّؤ للعبادة. 10 ـ غنى الله تعالى المطلق.
أما بعد:
فيا أيها الناس، إن ربكم يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، ولا يخفى عليه شيء من أمركم فاخشوه وراقبوه، تعرفَ إليكم بأسمائه وصفاته، وتحبب إليكم بنعمه وآلائه، يحب المتقين فسارعوا إلى التقوى، ويحب المحسنين فأحسنوا، ويحب الصابرين فاصبروا، ويحب المتوكلين فعليه فتوكلوا إن كنتم مؤمنين، سبحانه وبحمده من استهداه هداه، ومن اعتمد عليه كفاه.
أيها المسلمون، حجاج بيت الله الحرام، قضية هي أم قضايا بني الإنسان، وركيزة هي أساس ركائز المكلفين، بل هي المؤثر الأعظم بإذن الله في حياة البشرية وتصرفاتها ومشاعرها وعلاقاتها، بل هي ضرورة من ضرورات الإنسان أشد ضرورة من الطعام والشراب، قضيةٌ تحفظ لهذا الكون انتظامه، وتضبط فيه مساره، بالخلل فيها يختل نظام الحياة، وبالضلال فيها تتيه البشرية في دهاليز العمى وسراديب الانحطاط ومهاوي الفساد، تلكم هي قضية العبودية لله الواحد القهار، سبحانه وبحمده، تبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره.
العبودية قضية حتمية لا فكاك للإنسان منها بحال من الأحوال، وهي حاصلة في واقع الناس حصولًا محققًا، في كل زمان وفي كل مكان، هي حتمية لأن في الإنسان حاجة وفقرًا وضعفًا، وهو بين حالين لا ثالث لهما، إما أن يتوجه بعبادته وخضوعه وانكساره لله الواحد القهار فيكون موحدًا مطيعًا، مطمئنًا سعيدًا، وإما أن يكون خاضعًا أسيرًا ذليلًا لمعبودات باطلة من الآلهة الكثيرة من الأصنام والأوثان، والهوى والشهوة، والمال والملذات، والقوانين والرجال، والأعراف والأحزاب، وكل ما تعلق به فتجاوز به حده من محبوب أو متبوع أو مطاع، ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ?للَّهُ ?لْوَاحِدُ ?لْقَهَّارُ [يوسف: 39] ، ?تَّخَذُواْ أَحْبَـ?رَهُمْ وَرُهْبَـ?نَهُمْ أَرْبَابًا مّن دُونِ ?للَّهِ وَ?لْمَسِيحَ ?بْنَ مَرْيَمَ [التوبة: 31] ، أَفَرَأَيْتَ مَنِ ?تَّخَذَ إِلَـ?هَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ?للَّهُ عَلَى? عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى? سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى? بَصَرِهِ غِشَـ?وَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ?للَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [الجاثية: 23] .
أيها المسلمون، ضيوف الرحمن، عبادة الله الملك الحق المبين هي الزمام الذي يكبح جماح البشرية أن تلغ في الشهوات، وهي السبيل الذي يحجز الأمم أن تتمرد على شرع الله، العبودية الحقة هي المحرك الفعال بإذن الله لهذه النفس لتنطلق في كل دروب الحق والخير والسعادة، العبودية الحقة هي التي تخلص البشرية من استذلال القوى والنظم والأوضاع والأشخاص، كما تخلصها من استذلال الأساطير والأوهام والخرافات، الخلل في العبادة مؤذن بالخلل في نظام حياة البشر بلا مراء.
أمة الإسلام، ضيوف الرحمن، إنه لا فلاح للإنسان ولا حرية ولا سعادة إلا بتحقيق العبودية لربه وخالقه ومالكه الإله الحق الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، عالم الغيب والشهادة، قُلْ أَغَيْرَ ?للَّهِ أَبْغِى رَبّا وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء [الأنعام: 164] ، قُلْ أَغَيْرَ ?للَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ [الأنعام: 14] ، قَالَ أَغَيْرَ ?للَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـ?هًا [الأعراف: 140] .
بهذه العبودية تُكْتَسب الحرية، وبهذا الذل تُرتَقى درجات العز، وبمقدار الخضوع تكون الرفعة، إذا أحسن المرء العبادة وأخلصها ترقَّى في درجات الكمال الإنساني، وأصبح لحياته قيمة، وصار لعمله لذة، ولئن كان الغنى غنى النفس فإن الحرية حرية القلب كما أن الرق رق القلب.
أيها الإخوة في الله، إذا كان الأمر كذلك فما هي العبودية؟ وما هي حقيقتها؟ إنها اسم جامع لمراتب الأعمال والأقوال من القلب واللسان والجوارح من كل ما يحبه الله ويرضاه، العبودية الطاعة لله مع الخضوع له، فيفعل المكلف خلاف هوى نفسه، طاعة لله وتعظيمًا له، العبادة الحقة حركات في الظاهر واعتقاد في الباطن وطمأنينة في النفس، تواطؤ وتوافق بين عبودية القلب وعبودية الجوارح، لا بد في العبادة من الجمع بين المحبة والخضوع، فيحب العبد ربه أحب من كل شيء، ويعظمه أعظم من كل شيء، فالمحبة الخالصة والخضوع التام لا يكونان إلا لله رب العالمين لا شريك له.
إن مبنى العبودية على التسليم والانقياد والاستجابة في فعل المأمورات وترك المنهيات، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ?للَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ?لْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: 36] .
أيها الإخوة في الله، أما أصول العبادة وأسسها فالاعتقاد الصحيح فيما أخبر الله سبحانه عن نفسه وأسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته وكل ما غاب عنا، مما جاء على ألسنة الرسل وتنزلت به الكتب، وإفراد الله بالعبادة، وتنزيهه عن الشركاء والأنداد، مع ما يستبطنه القلب ويستيقنه من التوكل على الله والإنابة إليه والخوف منه والرجاء فيما عنده وإخلاص الدين له.
ثم أعمال الجوارح من أنواع العبادات من الصلاة والزكاة، والصيام والحج، وبر الوالدين وصلة الأرحام وأداء الأمانات والوفاء بالعهود وبذل وجوه الإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، وكل محتاج من بني آدم حتى البهائم، ففي كل كبد رطبة أجر.
وأعمال اللسان من تلاوة القرآن العزيز والذكر وقول الحق وحسن الحديث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعلم والتعليم، واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والكف عن المحرمات والبعد عن الكبر والرياء والعجب والحسد والنفاق والغيبة والنميمة وكل ما نهى الله عنه.
إن العبودية على الحقيقة والتحقيق هي الدين كله، ولما سأل جبريل عليه السلام رسول الله عن الإسلام والإيمان والإحسان قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) ) [1] .
أيها الإخوة في الله، العبودية أشرف المقامات، وأعلى المبتغيات، عبادة الله شرفت بها ملائكة الله بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِ?لْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: 26، 27] ، وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبّحُونَ ?لْلَّيْلَ وَ?لنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 19، 20] ، العبودية هي مقام التشريف في حق أنبياء الله ورسله، المرسلون هم أعلى المكلفين في مراتب العبودية وَسَلَـ?مٌ عَلَى? عِبَادِهِ ?لَّذِينَ ?صْطَفَى [النمل: 59] ، وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ?لْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ?لْمَنصُورُونَ [الصافات: 171، 172] ، وَ?ذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْر?هِيمَ وَإِسْحَـ?قَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى ?لأَيْدِى وَ?لأَبْصَـ?رِ [ص: 45] ، واستمع إلى هذا الوصف الجميل لأيوب الصبور إِنَّا وَجَدْنَـ?هُ صَابِرًا نّعْمَ ?لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: 44] ، أما صاحب الملك العريض الذي لم ينبغي لأحد من بعده فقد وصفه ربه بقوله: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَـ?نَ نِعْمَ ?لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: 30] ، أما عيسى عليه السلام وقد رفعه من رفعه إلى مقام الألوهية فقد قال فيه ربه: إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ [الزخرف: 59] ، ثم ناهيكم بأفضل الرسل وأشرف الأنبياء نبينا محمد فقد شرَّفه ربه بوصف العبودية وهو في أعلى مقامات التكريم، وقد أسرى به إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء فقال سبحانه: سُبْحَانَ ?لَّذِى أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مّنَ ?لْمَسْجِدِ ?لْحَرَامِ إِلَى? ?لْمَسْجِدِ ?لأَقْصَى ?لَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـ?تِنَا [الإسراء: 1] ، وقال سبحانه: فَأَوْحَى? إِلَى? عَبْدِهِ مَا أَوْحَى? [النجم: 10] .
فالأنبياء عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه هم الأعلى في مراتب العبودية، ويأتي في ذروة عباد الله الصالحين بعد الأنبياء الصديقون والشهداء والمجاهدون والعلماء وأهل الإيثار والإحسان، وهم في هذا على درجات متفاوتات لا يُحصي طرفيها إلا الله، فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله أقواهم وأهداهم وأتمُّهم عبودية لله عز وجل.
أمة الإسلام، حجاج بيت الله، وبالنظر في المطلوب من عباد الله على درجاتهم ومنازلهم ترى شمولية ودقة في الاعتقادات والعبادات ومجمل الطاعات وآداب السلوك والأخلاق، قُل لّعِبَادِىَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ يُقِيمُواْ ?لصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلانِيَةً [إبراهيم: 31] ، وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ ?لَّتِى هِىَ أَحْسَنُ [الإسراء: 53] ، قُلْ ي?عِبَادِىَ ?لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: 53] ، ومن جليل صفاتهم وجميل أخلاقهم وَعِبَادُ ?لرَّحْمَـ?نِ ?لَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى? ?لأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـ?هِلُونَ قَالُواْ سَلاَمًا [الفرقان: 63] ، قائمون لله بالعبادة ركعًا وسجدًا يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـ?مًا [الفرقان: 64] ، يخافون عذاب السعير رَبَّنَا ?صْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: 65، 66] ، ناهيكم بتحقيق التوحيد والخلوص من الشرك واجتناب كبائر الذنوب وَ?لَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ?للَّهِ إِلَـ?هَا ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ?لنَّفْسَ ?لَّتِى حَرَّمَ ?للَّهُ إِلاَّ بِ?لْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ [الفرقان: 68] ، محفوظون من الشيطان ووسواسه إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـ?نٌ [الحجر: 42] ، هم أهل التمكين والوراثة وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ?لزَّبُورِ مِن بَعْدِ ?لذّكْرِ أَنَّ ?لأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ?لصَّـ?لِحُونَ [الأنبياء: 105] .
عباد الله، حجاج بيت الله، العبودية الصادقة تسمو بها الروح، وتتهذب فيها غرائز العبد وشهواته، يترجح جانب الخير على جانب الشر، ويتجلى وقوف العبد بين يدي ربه واستحضار علمه وعظمته وإحاطته، للعبادة الصحيحة أثر عظيم في النفس، وطمأنينة في القلب، العبودية أعظم ما يحصله الإنسان في هذه الحياة لتكون وسيلته إلى السعادة ورضى الله وبلوغ جنته ودار رضوانه، وفي الحديث القدسي: (( يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسدَّ فقرك ) )أخرجه ابن ماجه بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه إلى النبي [2] .
القلب إذا ذاق طعم العبادة والإخلاص لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك ولا ألذ ولا أمتع (( ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيا رسولًا ) ) [3] .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ?لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186] .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمد ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم في الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان (8) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
[2] سنن ابن ماجه كتاب الزهد، باب: الهم بالدنيا (4107) ، وكذا أخرجه أحمد (2/358) ، والترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع، باب: منه (2466) . وقال:"حديث حسن غريب"، وصححه ابن حبان (393) ، والحاكم (2/481) . والألباني في الصحيحة (1359) .
[3] لفظ حديث أخرجه مسلم في الإيمان، باب: الدليل على أن من رضي بالله ربًا... (34) من حديث العباس رضي الله عنه بلفظ: (( ذاق طعم الإيمان ) ).
الحمد لله الذي شرع لنا من الدين ما وصى به المرسلين، أحمده سبحانه وأشكره، وأؤمن به وأتوكل عليه، إياه نعبد وإياه نستعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، سيد الأولين والآخرين وقائد الغر المحجلين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون، إن مما يعين على تحقيق العبودية وإحسان العبادة حضور القلب، وإخلاص النية، وتحديث القلب وتذكيره بالتعبد لله في حال العبادة وخارجها، وهذا التذكير نهر يمد القلب باللين والرقة والخشوع، حتى لا يشح ماؤه، ولا يصيبه القسوة عياذًا بالله.
أيها المسلمون، ولكل عبادة تهيؤٌ يناسبها، فمن التهيؤ للصلاة حسن الاستعداد من إسباغ الوضوء، والتبكير إلى المسجد، والمشي بسكينة ووقار، يقارنه تهيؤ نفسي ومعالجة قلبية، ومن التهيؤ للحج والعمرة رد الأمانات والمظالم إلى أهلها، وتحري النفقة في الحلال، واختيار الرفقة الصالحة، ورعايته آداب السفر، وغير ذلك مما يعين على تحقيق المقصود من العبادة.
كما ينبغي في كل عبادة الابتعاد عما يشوش القلب، فينخلع القلب عن علائق الدنيا، وينجذب بكليته إلى ربه ومولاه.
ومما ينبغي أن يُعلم أن ربنا عز شأنه لا تنفعه طاعات الطائعين ولا تضره معصية العاصين وفي الحديث القدسي: (( يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا ) ) [1] .
ومع غناه سبحانه فإنه يحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب الصابرين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واسألوه العون على ذكره وشكره وحسن عبادته.
ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة نبيكم محمد رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربكم في محكم تنزيله فقال سبحانه وهو الصادق في قيله: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر...
[1] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم (2577) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.