فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الفتن, المرضى والطب
عاصم بن لقمان يونس الحكيم
جدة
جامع جعفر الطيار
1-الدنيا دار امتحان. 2- الابتلاء قد يكون بما يحبه الناس وقد يكون فيما يكرهون. 3- المرض رحمة من الله. 4-الصبر على المرض. 5- التداوي بما هو محرم. 6-صبر أيوب عليه السلام.
إن الدنيا دار امتحان وابتلاء، خلقها الله لكي يتبين فيها المؤمن من الكافر، والجاحد من الشاكر، والقانط من الصابر، قال تعالى: ?لَّذِى خَلَقَ ?لْمَوْتَ وَ?لْحَيَو?ةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ ?لْعَزِيزُ ?لْغَفُورُ [الملك:2] .
والابتلاء قد يكون بما يحبه الناس، كالصحة والغنى والأمن، وقد يكون بما يكرهه الناس كالمرض والفقر والجوع والخوف، قال تعالى: وَنَبْلُوكُم بِ?لشَّرّ وَ?لْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35] . ولا خلاف بين العقلاء أن الصحة من نعم الله تعالى على عباده، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس:الصحة والفراغ ) )، فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى ، إلا أن هذه النعمة قد تزول ويعقبها مرض وسقم يختبر الله تعالى عبده بها، فإن صبر العبد واحتسب أجره عند ربه كان ذلك خيرًا له، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ) ).
والمرض كفارة للذنوب والمعاصي إذا صبر العبد عليه ولم يتذمر أويتشكى أو يتسخط، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المسلم يذهب خطاياه، كما تذهب النار خبث الحديد ) ).
ومن الناس من يسب الأمراض ويلعنها ظنًا منه أنها تتصرف بمحض إرادتها، وهذا خطأ، فإن الله تعالى هو الذي يقدر هذه الأمور، وما الحمى والأمراض إلا جند مأمورة من جند الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة عادها من حمى بها: (( لا تسبي الحمى، فإنها تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد ) )، فالسرطان والسكر وأمراض القلب وغيرها من الأمراض كلها من أقدار الله تعالى، فما ينبغي سبها ولعنها، ولقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذي لا تصيبه الأمراض والأوجاع ولا يبتليه الله بها ناقص الإيمان، ولقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (( إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم ) )، روى الإمام أحمد بإسناد حسنه الهيثمي وأعله آخرون عن أبي هريرة قال: دخل أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هل أخذتك أم ملدم؟ ) )قال: وما أم ملدم؟ قال: (( حر بين الجلد واللحم ) ). قال: ما وجدت هذا قط. قال: (( فهل أخذك هذا الصداع؟ ) )قال: وما الصداع؟ قال: (( عرق يضرب على الإنسان في رأسه ) ). قال: ما وجدت هذا قط!! فلما ولى قال: (( من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ) ).
ولا يظن ظان أن المرض أمر مطلوب أو محمود لذاته، بل هو من قدر الله على خلقه، فمن صبر أُجر، ومن جزع ناله الوزر، ولا يجوز للمسلم أن يتمنى المرض، عَنْ أَنَسٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: (( هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيّاهُ؟ ) )قَالَ: نَعَمْ. كُنْتُ أَقُولُ: اللّهُمّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الاَخِرَةِ، فَعَجّلْهُ لِي فِي الدّنْيَا. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم (( سُبْحَانَ اللّهِ لاَ تُطِيقُهُ أَوْ لاَ تَسْتَطِيعُهُ أَفَلاَ قُلْتَ: اللّهُمّ آتِنَا فِي الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النّارِ ) )، قَالَ: فَدَعَا اللّهَ لَهُ. فَشَفَاهُ.
فالمؤمن عباد الله لا يتمنى المرض ولا يحبه، ولكن إذا نزل به كان من الصابرين الراضين، قال بعض السلف: لأن أُعافى فأشكر أحب إلى من أن أُبتلى فأصبر.
وإن من نعم الله تعالى على عباده أنه إذا ابتلى أحدهم وأقعده عن ما كان يحبه من الصلاة والصيام وأعمال الخير، فإنه يرزقه من الأجر ما كان يفعله في صحته وعافيته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا مرض العبد أو سافر، كتب الله تعالى له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا ) ).
أقول قولي واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، لقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن من حق المسلم على أخيه أن يعوده إذا مرض، وأرشدنا عليه الصلاة والسلام إلى جمع من الأدعية التي يدعو بها المسلم عند أخيه المريض، ينبغي للمسلم أن يحفظها وأن يدعو بها لأخيه المريض، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالتدواي فقال: (( تداووا عباد الله، فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم ) )، إلا أنه لا يجوز أن يتدواى المسلم بالذهاب إلى المشعوذين والسحرة والدجالين، كما لا يجوز له أن يتداوى بالأغاني والموسيقى ولو أشار عليه بذلك الأطباء النفسيين الذين لم يؤتوا حظًا من العلم الشرعي والإيمان، لأن ذلك من الأمور المحرمة، والله تعالى لم يجعل شفاءنا في ما حرم علينا.
ويجب على كل مسلم أن يعلم أن الصلاة لا تسقط عن المكلف، فلا يجوز للمسلم أن يترك الصلاة حال مرضه، ولو كان مقعدًا أو جريحًا أو لا يستطيع الوضوء ولا استقبال القبلة، لأن الله تعالى يقول: فَ?تَّقُواْ ?للَّهَ مَا ?سْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] . فالصلاة لا تسقط عن المكلف بأي حال من الأحوال، ولا يظن ظان أن الابتلاء بالمرض دليل على هوان الإنسان على ربه، كلا والله، فكم من كافر صحيح معافى في بدنه، وكم من مؤمن سقيم مبتلى في جسده.
هذا نبي الله أيوب عليه السلام، ابتلاه الله في جسده بالأسقام والأوجاع ثمان عشرة سنة، حتى نبذه الناس ورفضوه وألقوه على مزبلة تقذرًا منه، وهو مع ذلك كله صابر ذاكر محتسب، وهذا يعقوب عليه السلام ابتلاه الله في بصره فعمي حزنًا على يوسف وأخيه، وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم، كان يوعك كما يوعك الرجلان، قال عليه الصلاة والسلام: (( أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه،فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه،فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما به من خطيئة ) ).
فيا أيها المبتلى احمد الله على ما أصابك واصبر، فإن التشكي والجزع لا يذهبان البلاء، ولكن الصبر والرضى يزيدان في الجزاء.
اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلنا وأموالنا، اللهم اغفر لنا وارحمنا.