فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الأسرة والمجتمع
قضايا المجتمع
فهد بن حسن الغراب
الرياض
جامع شيخ الإسلام ابن تيمية
1-سؤال الإنسان يوم القيامة عن عمره فيما أفناه. 2- الشباب أهم مراحل العمر. 3- ضياع
القدوة الحقيقية لشباب الإسلام. 4- نماذج من شباب الصحابة. 5- صور من ضياع شبابنا.
6-بيعة العقبة الثانية.
أما بعد:
فأخرج الطبراني عن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( لن تزوج قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه ) )ولما كانت مرحلة الشباب هي المرحلة الأكثر أهمية في حياة الإنسان، لما تتميز به من الحيوية والنشاط، وحدة الذكاء، والقدرة على الاستيعاب، والصبر والتحمل، ولما ابتلي به المسلمون من التأثر بالمصطلحات الغربية في الحكم على المراهق كما يقولون بأنه طائش، ولا يعرف عنه إلا الانحراف، وكلما قارف ذنبًا عذروه بأنه مراهق، ومما تتميز به مرحلة الشباب الميل إلى التقليد، واتخاذ قدوات يجعلها الشاب نصب عينه ويحاول الوصول إلى مستواها. ولذلك فقد حرص الأعداء على إبراز أبطال الفن والرياضة ليتأثر بهم شباب المسلمين ـ وهذا ما حدث وللأسف ـ ولأن من خير من يتخذ قدوة، ومن أفضل من يغرس حبه في نفوس الشباب هم صحابة رسول لقول ابن عمر رضي الله عنهما: (من كان مستنا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة) وإليك أمثلة من هؤلاء في مرحلة الشباب لتعلم أن الفتى إذا ربي تربى، وإذا علم تعلم، وإذا وجد يدًا حانية، وقلبًا رحيمًا، وموجهًا حاذقًا، ومجتمعا صالحًا صدرت منه الأعاجيب، وتصرف كتصرف أشجع الرجال، وأعقل العقلاء. وإليك هذا المثال لتتبين حرص شباب الصحابة على طلب العلم وحفظ القرآن، فقد روى الإمام أحمد أن قوم زيد بن ثابت رضي الله عنه أتوا ِإلى النبي مفاخرين بما حصل صاحبهم، فقالوا: هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة فأعجب ذلك النبي وقال: (( يا زيد، تعلم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهودي على كتابي ) )، قال زيد: فتعلمت كتابهم ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إليه، وأجيب عنه إذا كتب.
وقد شهد رسول الله لاثنين من شباب الصحابة بالعلم فقال: (( وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت ) )رواه الترمذي، وهذا ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (لما توفي رسول الله قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس ! أترى الناس يحتاجون إليك وفيهم من أصحاب النبي من ترى؟ فترك ذلك وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح علي التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله، ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن أتيك فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي، فقال: هذا الفتى أعقل مني. ولهم رضي الله عنهم مواقف تذكر فتشكر في العبادة والزهد والورع والدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله ومن ذلك ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: (أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تك الأخرى ترى ما أصنع؟ فقال:(( ويحك أَوَ هبلت؟ أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس ) )وأخرجه ابن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت أخي عمير قبل أن يعرضنا رسول الله يوم بدر يتوارى، فقلت: مالك يا أخي؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول الله فيستصغرني فيردني وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، قال: فعرض على رسول الله فاستصغره فرده، فبكى فأجازه، فكان سعد يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره فقتل وهو ابن ست عشرة سنة. فانظر إلى علو الهمة، وبعد النظر، ونفاسة المطلب. فيا شباب الإسلام، لمثل هذا فأعدوا، وبمثل هؤلاء فاقتدوا، وليسعد بذلك المجتمع، ولتهنا بذلك الأمة، ولتأمن بذلك الديار، ولا تقل ذاك زمن ولى، وجيل لا يتكرر، فما عدمت الأمة مخلصيها، ولا عقمت الديار عن إنجاب نجبائها، ولا تزال طائفة على الحق منصورة، فكم نرى اليوم من حافظ لكتاب الله ما بلغ الثامنة، ومن حافظ لمتن ما بلغ العاشرة، أخلص النية، وأصدق في الدعاء، وأسلك الجادة، توفق للخير، وترى من الله ما يسرك.
اللهم أصلح شباب المسلمين، واجعلهم هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وراقبوه، وأطيعوا أمره ولا تعصوه.
أيها الناس، وتتوالى السنون، وتمر الأعوام، وتطوى الأيام، إِلى وقت قريب، عندما كان الفتى ينشأ في قرية صغيرة، وفي مجتمع مغلق، يتلقى التربية من والديه، فالأب هو القدوة والقائد، والموجه والرائد، الحسن ما استحسن، والقبيح ما استقبح، فنشأ جيل الرجولة والشهامة، جيل تحمل المسؤولية منذ نعومة الأظفار، إلى أن جاء عصرنا هذا، عصر ثورة المعلومات، عصر الانفتاح على الثقافات الخارجية بقضها وقضيضها، بغثها وسمينها، بحسنها وقبيحها، فأخذ الفتى يتلقى التربية من عدة مصادر، الإعلام رائدها، وهو أبوها وأمها، وغير خاف عليك ما لأعداء الملة من سيطرة على الإعلام، وبدأ اليوم يؤتي ثماره، التي سقيت بماء الحقد والكراهية للإسلام وأهله، فنشأ عندنا جيل المقاهي الليلية، والشابات العنكبوتية، والقنوات الفضائية، والمعاكسات الهاتفية، جيل التفحيط والسرقة، جيل التخنث والميوعة، جيل الخضوع في الكلام، جيل التكسر في المشية، جيل القصات الغربية، والرقصات الهستيرية، جيل الغناء والطرب، جيل الأفلام والجريمة، جيل القيعات والبدلات، جيل الأندية والتشجيع، جيل التفريط والتضييع، جيل الخروج على القيم، جيل تضييع الأخلاق، جيل تقليد الأعداء، والسخرية من الأصدقاء، استبدلوا القرآن بالغناء، والمساجد بالمقاهي، والسواك بالسيجارة، جيل ابتلاه الله بأب غافل، بجمع ماله متشاغل، وعن متابعة ولده متكاسل، وفر له الدراهم والسيارة، وفر له شاشة عاهرة، ومجلة داعرة، لا يأمره بصلاة، ولا ينهاه عن هواه، لا يأمره بمعروف، ولا ينهاه عن منكر، لا يدري إلى أين ذهب، ولا مع من ركب، وإذا نصحه ناصح، أو أغلظ عليه محب، نفض يديه في وجهه وقال: وماذا أفعل؟ وهذا ولد فلان، وذاك ولد فلان، كلهم على هذا الطريق، وهؤلاء شباب هذا الزمان، حتى يستدعى في مركز هيئة، أو في مخفر شرطة، عندها يفاجأ بما جنته يداه، ويحصد ثمرة تفريطه ولا ينفعه بكاه، ثم بعد ذلك يشكو عقوقه، ويبحث عن الصالحين لإصلاحه آلآن وقد أعرضت فيما سبق، آلآن وقد فرطت فيما مضى، حلقات تحفيظ القرآن في المساجد تفتح ذراعيها، وأنت عنها معرض، دروس العلم تشرح صدرها، وأنت عنها تصد، وتزعم أن في ذلك تشييع لدروسه، وتأثير على مستواه، أما الملاعب والملاهي، والمقاهي والسهرات فهي من الضروريات، ولا بد للمراهق من المجاراة.
يا مسلمون يا مسلمون، الشباب أمانة في الأعناق، يا معشر الآباء خذوا على أيدي السفهاء، وأطروهم على الحق أطرا، يا من انبرى للتربية والتعليم، اتق الله في من تحت يدك من أبناء المسلمين، عليك بجادة السلف الصالح، عظم في نفوسهم الكتاب والسنة، ازرع في قلوبهم القدوة الصالحة من النبيين والصحابة والتابعين، والعلماء الربانيين، والأئمة المهديين، عليك بغرس جميل القيم، وقيم الأخلاق، نسأل الله للجميع صلاح النية والذرية، وحسن القصد، وسلامة المنهج.