الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير, الوالدان
إبراهيم بن محمد أحمد عبد الكريم
صنعاء
العميري
1-من لقمان؟ 2- الحكمة في الدعوة والتربية. 3- خطورة الشرك. 4- عظم حق الوالدين. 5- عقوق الوالدين من أكبر الكبائر. 6- عبر وعظات من واقع العاقين.
أما بعد:
فأوصي نفسي المقصرة وإياكم بتقوى الله سبحانه وتعالى.
ثم أما بعد، فيا إخوة الإسلام يا أحباب الحبيب المصطفى:
لنستمع إلى القرآن وهو يعرض علينا مشهدًا من مشاهد الآباء مع الأبناء، مع لقمان الحكيم وهو يجلس مع ابنه جلسة روحية يوصيه فيها بأعظم وصية في الحياة، لقمان الحكيم يجلس ابنه أمامه، فلذة كبده وثمرة قلبه وفؤاده، ويوصيه وصية أب مشفق على ابنه، فاسمعوا إلى القرآن وهو يعرض علينا هذه الوصايا في إبداع عجيب، وروعة متناهية وأسلوب بديع يقول سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ ?لْحِكْمَةَ أَنِ ?شْكُرْ للَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ?للَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ [لقمان:12] .
فمن هو لقمان - يا عباد الله -؟ إنه مولى من الموالي وعبد من العبيد وراع من رعاة الأغنام، وفقه الله بالحكمة ومجده بالتقوى وشرفه الله بالإيمان. من عرف الله فلم تغنه معرفة الله فذاك الشقي
ما يصنع العبد بعز الغنى والعز كل العز للمتقي
آتى الله سبحانه وتعالى عبده لقمان الحكمة، وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ?لأَلْبَـ?بِ [البقرة:269] .
ومما يؤثر من حكمته أن مولاه أمره بذبح شاة وأن يخرج له أطيب مضغتين فيها، فأخرج له اللسان والقلب، ثم أمره أن يخرج له أخبث مضغتين فيها، فأخرج له اللسان والقلب، فالتفت إليه متعجبًا! فقال لقمان: ليس شيء هناك أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.
ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى عبده لقمان بالشكر على هذه النعم التي أعطاها الله سبحانه وتعالى إياه، فقال سبحانه: وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ ?لْحِكْمَةَ أَنِ ?شْكُرْ للَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ?للَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ [لقمان:12] .
إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وداوم عليها بشكر الإله فإن الإله سريع النقم
إخوة الإسلام:
استمعوا إلى وصايا لقمان لابنه وإلى آثار الحكمة التي أنعمها الله عليه، يقول سبحانه وتعالى: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ي?بُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِ?للَّهِ إِنَّ ?لشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] . انظروا إلى روعة الخطاب قال سبحانه: وَهُوَ يَعِظُهُ ما قال: يوبخه ولا يؤنبه ولا يزجره ولا يعنفه، ثم قال له: ي?بُنَىَّ يتلطف مع ابنه ويتحنن معه، وهذه من آداب الدعوة التي ينبغي أن يتحلى بها كل داعية إلى الله وكل ناصح إلى طريق الله فإن الله سبحانه وتعالى لما بعث موسى إلى فرعون الطاغية الذي ادعى الألوهية والربوبية مع الله ومع ذلك قال الله لموسى وأخيه هارون: ?ذْهَبَا إِلَى? فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى? فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى? [طه:43-44] .
ي?بُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِ?للَّهِ إِنَّ ?لشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] . بدأ لقمان يوصي ابنه بأعظم وصية وهي التوحيد الذي قامت عليه دعوة الأنبياء والمرسلين، وهي الوصية التي كان يعلمها الرسول لأصحابه وأتباعه من بعده، في مسند الإمام أحمد بسند صحيح أن الرسول ركب حمارًا وأردف خلفه معاذا ، فقال الرسول لمعاذ: (( أتدري ما حق الله على العباد؟ ) )، فقال معاذ: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله: (( حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ) )، ثم قال الرسول لمعاذ: (( أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ ) )، فقال معاذ: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله: (( فإن حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن يدخلهم الجنة ) ).
قال ابن مسعود - كما في الصحيحين: لما أنزل الله عز وجل: ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـ?نَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] شق ذلك على أصحاب رسول الله فأتوا إليه ، قالوا: يا رسول الله وأينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ - وهم يعنون المعاصي - فقال: (( ليس ذلك المراد، إن المراد الشرك، أما سمعتم قول العبد الصالح لقمان: إِنَّ ?لشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ).
فهل آن للآباء أن يجلسوا مع أبنائهم ويوصونهم بتوحيد الخالق جل في علاه، ويقولوا لهم: لا تشركوا بالله ولا تكفروا بالله ولا تجحدوا نعم الله، ولا تكفروا بآلاء الله ولا تراؤوا بأعمالكم غير الله، إنها والله أعظم وصية في تاريخ الإنسان وأكبر موعظة في تاريخ البشرية.
ثم يفصل الله سبحانه وتعالى وصايا لقمان بوصية من عنده فيقول: وَوَصَّيْنَا ?لإِنْسَـ?نَ بِو?لِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى? وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ أَنِ ?شْكُرْ لِى وَلِو?لِدَيْكَ إِلَىَّ ?لْمَصِيرُ [لقمان:14] . فقرن الله حقه بحق الوالدين، وقرن شكره بشكر الوالدين، فـ (( رِضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين ) )كما صح ذلك عن الصادق المصدوق محمد.
لا إله إلا الله، ما للوالدين من حقوق، ولا إله إلا الله ما للوالدين من واجبات، فعن ابن عباس ما: ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث، لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها: إحداهما قول الله تعالى: وَأَطِيعُواْ ?للَّهَ وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ [التغابن:12] ، فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه، الثانية قوله تعالى: وَأَقِيمُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتُواْ ?لزَّكَو?ةَ [المزمل:20] ، فمن صلى ولم يزكِّ لم يقبل منه، والثالثة قوله تعالى: أَنِ ?شْكُرْ لِى وَلِو?لِدَيْكَ [لقمان:14] ، فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه.
وبدأ الله سبحانه وتعالى في الآية بحق الأم، لأن لها ثلاثة أرباع الحق، فقد جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أبوك ) ).
ذكر أن أبا الأسود الدؤلي تخاصم مع زوجته إلى القاضي على غلام لهما، أيهما أحق بحضانته؟ فقالت الأم للقاضي: أنا أحق به حملته مشقة، وحملته تسعة أشهر، ثم وضعته، ثم أرضعته، فقال أبو الأسود للقاضي: حملتُه قبل أن تحمِلَه، ووضعتُه قبل أن تضَعَه، فإن كان لها بعض الحق فلي الحق كله أو جله، فقالت المرأة: إن كنت حملتَه خفًا فقد حملتُه ثقلًا، ولئن وضعتَه شهوة فقد وضعتُه كرهًا، فنظر القاضي إلى أبي الأسود وقال له: ادفع إلى المرأة غلامها ودعنا من سجعك.
وهاهو ابن عمر يرى في طوافه وهو يطوف بالبيت الحرام رجلا وقد أركب أمه على ظهره وأتى بها حاجًا إلى بيت الله، فيلتفت الرجل إلى ابن عمر ويقول له: يا ابن عمر أتراني قد أوفيت حقها؟ فقال له ابن عمر: والله ما أوفيتها ولا طلقة من طلقات ولادتها.
وفي الصحيحين عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: أتى رجل أبا الدرداء فقال له: إني تزوجت ابنة عمي، وهي أحب الناس إلي، وأمي تكرهها وأمرتني بفراقها وطلاقها، فقال له أبو الدرداء: لا آمرك بفراقها ولا آمرك بإمساكها، إنما أخبرك بما سمعته من رسول الله ، لقد سمعته يقول: (( الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فضيع ذلك الباب أو احفظه ) ).
فالله الله - يا عباد الله - في بر الوالدين، بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله، يسأل: أي العمل أفضل؟ فيقول: (( الصلاة لوقتها ) )، قيل: ثم أي؟ قال: (( بر الوالدين ) )، قيل: ثم أي؟ قال: (( الجهاد في سبيل الله ) ).
يأتي رجل إلى رسول الله فيقول: يا رسول الله إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، فقال: (( هل بقي من والديك أحد؟ ) )قال: نعم أمي، فقال له: (( قابل الله في برها، فإن فعلت فأنت حاج ومعتمر ومجاهد ) ).
ويأتيه رجل من اليمن يبايعه على الجهاد والهجرة، ويخبره بأنه أبكى والديه بهجرته، فيقول الرسول: (( ارجع إليهما ففيهما فجاهد ) )، وفي رواية: (( ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما ) ).
ويأتيه جاهمة يستأذنه في الجهاد فقال له الرسول: (( أحيّ والدتك؟ ) )قال: نعم، قال: (( الزمها فإن الجنة عند رجليها ) ).
ولذلك كان أحد السلف يقبل كل يوم قدم أمه فأبطأ يومًا على أصحابه فسألوه، فقال: كنت أتمرغ في رياض الجنة تحت قدمي أمي، فقد بلغني أن الجنة تحت قدميها.
ولما ماتت أم إياس القاضي المشهور بكى عليها فقيل له: ما بك؟ قال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فأغلق أحدهما.
فالله الله في بر الوالدين، الله الله في بر الوالدين، من أراد السعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة فعليه ببر الوالدين، من أراد تفريج الهموم والكروب وتيسير الأمور فعليه ببر الوالدين، من أراد الرزق وطول العمر فعليه ببر الوالدين، صح عنه أنه قال: (( من أراد أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليبر والديه وليصل رحمه ) ).
إخوة الإسلام وأحباب الحبيب المصطفى:
روي عن الصادق المصدوق محمد أنه قال: (( إذا ظهر في أمة محمد أربع عشرة خصلة فانتظروا ريحًا حمراء وزلزلة وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات تتابع كنظام قطع سلكه، ومن هذه الخصال: إذا أطاع الرجل زوجته، وعقّ أمه، وأدنى صديقه، وأبعد أباه ) ).
وعند الطبراني من حديث أبي ذر: (( يأتي زمان لأن يربي أحدكم كلبًا خير له من أن يربي ولدًا ) ). ونعوذ بالله أن يكون هذا زماننا.
عقوق الوالدين من أكبر الكبائر - يا عباد الله - عاق الوالدين ملعون، عاق الوالدين حرام عليه الجنة، عاق الوالدين دعا عليه أفضل أهل السماء وأمّن على هذه الدعوة أفضل أهل الأرض، صعد المنبر فلما رقى الدرجة الأولى قال: (( آمين ) )، ثم رقى الثانية فقال: (( آمين ) )، ثم رقى الثالثة فقال: (( آمين ) )، فلما نزل سأله الصحابة عن ذلك، فقال: (( لما كنت في الدرجة الأولى عرض علي جبريل وقال: يا محمد رغم أنف من أدرك أحد أبويه أو كليهما فلم يدخلاه الجنة قل: آمين، فقلت: آمين ) ).
إلى الله المشتكى مما وصل إليه الحال من عقوق الوالدين، لقد وجد في مجتمعنا أبناءٌ قلوبهم أشد قسوة من قلوب اليهود والنصارى، وجد من سب أباه ومن شتم أباه ومن استهزأ وتنقّص أباه، ووجد من تعير بأبيه وأمه وظن أنهما لا يتناسبان مع مكانته ومركزه، ووجد من فضل زوجته على أبيه وأمه، هذا رجل يذهب هو وزوجته وأمه إلى سوق الذهب وأم الرجل تحمل ابنه على كتفها، فيدخل الرجل وزوجته إلى محل صائغ الذهب، فيشتري الرجل لزوجته ذهبًا بما يساوي 600 ألف ريال، وتأخذ الأم خاتمًا بما يساوي ألفين وخمسمائة ريال، ويأتي الرجل فيحاسب عن الذهب الذي اشترته زوجته فيقول له البائع: بقي عليك ألفان وخمسمائة ريال قيمة الخاتم الذي أخذته هذه المرأة، فيغضب الابن غضبًا شديدًا ويقول: هذه العجوز لا تحتاج إلى ذهب، فتنفجر الأم باكية وتعود إلى السيارة وهي حاملة لابن ابنها ولسان حالها يقول: إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ?للَّهِ [يوسف:86] ، ويرجع الزوج إلى السيارة وإذا بالزوجة تؤنبه وتوبخه وتأمره أن يشتري لأمه الخاتم ولسان حالها يقول: من يحمل لنا هذا الطفل إذا لم تشتر لها هذا الخاتم، يأتمر الرجل بأمر زوجته ويذهب لشراء الخاتم ويعطيه لأمه، فتلقيه الأم في الشارع وتقول: والله لا ألبس ذهبًا في حياتي، حسبي الله ونعم الوكيل.
هذه أحداث ثابتة وواقعة والله ليست أساطير تروى، ولا حكايات تتلى، وعشرات مثلها في البيوت، ونعوذ بالله من العقوق والعاقين.
فنسأله تعالى أن يجعلنا من عباده البارين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: مَّنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
فيا أيها العاق لوالديه، اتق الله واحذر دعوة من والديك قد تصادف ساعة إجابة، فتكون سهمًا صائبًا يرديك ويشقيك في الدنيا والآخرة، أذكر أن أبًا كان له ابن اسمه منازل، وكان هذا الابن عاقًا بأبيه ولكن الأب الصالح دائما ما يذكره بالله، وكلما ذكره بالله زاد نفوره وعقوقه، وفي ذات يوم ألح عليه في التذكير فما كان من الابن إلا أن ضرب أباه، وما كان من الأب إلا أن شد الرحال إلى بيت الله الحرام وتعلق في أستار الكعبة، ودعا الله على ذلك الابن العاق، فوالله ما أتم الأب دعاءه إلا وقد شلت يمينه أشل يد ذلك الابن لدعاء أبيه عليه، فدعوة الأب على ابنه مستجابة.
وهذه حادثة وقعت في زماننا: أب كان له ابن يعمل في مزرعته، وأراد الابن أن يسافر للعمل ويترك أباه فاستأذن الابن أباه في السفر، فلم يأذن الأب وحاول الابن مع أبيه مرات ومرات ولكن الأب يرفض، فقال الابن: سوف أذهب وأسافر رضيت أم أبيت، وسافر الابن وعصى أباه، فما كان من الأب الصالح إلا أن توجه بيده إلى السماء وقال: اللهم أرني فيه ما يكره، فوالله ما وصل إلى نصف الطريق إلا وقد عميت عيناه، فرجع إلى أبيه وهو أعمى، فقال له الأب: هل وجدت السهم؟ قال: الابن إي والله، فحزن الأب على ابنه حزنًا شديدًا، وتأثر عليه تأثرًا بالغًا، ونام ليلته تلك ساجدًا راكعًا بين يدي الله سبحانه وتعالى يدعو الله بشفاء ابنه ويلحس عيني ابنه بلسانه، فوالله ما قام لصلاة الفجر إلا وقد رد الله بصر ابنه.
أيها العاق لوالديه، اتق الله وترقب عقوبة عاجلة، فكل الذنوب قد يؤخرها الله عز وجل إلى الآخرة إلا العقوق، فعقوبته معجلة في الدنيا قبل الآخرة.
ذكر العلماء أن رجلًا كان عنده والد كبير، امتدت به الحياة حتى تأفف من خدمته والقيام على شؤونه، فأخذه في يوم من الأيام على دابة وخرج به إلى الصحراء، فلما وصل بوالده إلى صخرة هناك أنزله فقال: يا بني ماذا تريد أن تفعل بي هاهنا؟ فقال الابن العاق: أريد أن أقتلك، أريد أن أذبحك، فقال له الأب: أهذا جزاء الإحسان يا بني فقال الابن العاق: لقد أتعبتني في حياتي ولا بد أن أذبحك، فقال له الأب: إن أبيت إلا أن تذبحني فاذبحني عند تلك الصخرة، قال: ولم يا أبت ما ضرك أن أذبحك عند هذه أو تلك؟ قال: يا بني لقد كنت عاقًا بوالدي وذبحته عند تلك الصخرة، فإن كان الجزاء من جنس العمل فاذبحني عند تلك الصخرة، والله يا بني مثلها.
حصادك يومًا ما زرعت وإنما يدان الفتى يومًا كما هو دائن
فيا أيها الأبناء اتقوا الله في آباءكم بروا آباءكم، أطيعوا آباءكم، وإياكم والعقوق، فالتوبة التوبة، لا نخرج من المسجد إلا وقد عاهدنا الله عز وجل بطاعة الوالدين وبرهما والتوبة عن كل تقصير تجاههما، فإن لم يكونوا موجودين فلندع لهما ولنتصدق عليهما، ولنصل صديقهما فإن ذلك من برهما، وأنتم يا أيها الآباء أعينوا أبناءكم على الطاعة والبر، وادعوا لهم بالهداية والتوفيق، وإياكم من الدعاء عليهم فقد تصادف الدعوة ساعة إجابة فتندمون على ذلك يوم لا ينفع الندم.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان.