فهرس الكتاب

الصفحة 1962 من 5777

تفسير لا إله إلا الله

التوحيد

أهمية التوحيد

مصطفى ابن سعدة

مليانة

السلام

1-أهمية كلمة لا إله إلا الله. 2- سؤال العبد عنها يوم القيامة. 3- التوحيد أصل الأعمال

وأسها. 4- أهمية العمل بكلمة التوحيد.5- معنى كلمة لا إله إلا الله. 6- من مظاهر الشرك.

وبعد:

أيها المسلمون، إن دين الإسلام الذي هو دين التوحيد الخالص، وإفراد الله بالعبادة أول أركانه الخمسة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومن أجل كلمة"لا إله إلا الله"قامت الأرض والسموات، وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه، وشهد لنفسه بهذه الكلمة، وشهد له بها ملائكته وأولو العلم، قال تعالى: شَهِدَ ?للَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ وَ?لْمَلَـ?ئِكَةُ وَأُوْلُواْ ?لْعِلْمِ قَائِمًَا بِ?لْقِسْطِ لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ ?لْعَزِيزُ ?لْحَكِيمُ [آل عمران:18] .

وبلا إله إلا الله انقسم الخلق إلى مؤمنين وكفار، وإلى سعداء أبرار وأشقياء فجار، ولأجلها نصبت الموازين ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار، وهي منشأ الخلق ومبدأ الأمر، وعليها يدور الثواب والعقاب، وعنها وعن حقوقها يكون السؤال والحساب.

وهي كلمة الإسلام، ومفتاح الجنة دار السلام، ومن أجلها جردت سيوف الجهاد، وهي حق الله على جميع العباد، أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى ) ) [1] .

ومن أجل كلمة لا إله إلا الله كلمة التوحيد نصبت القبلة وأسست الملة، وعنها يسأل الأولون والآخرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟

فجواب:"ماذا كنتم تعبدون؟"بتحقيق لا إله إلا الله معرفة وإقرارًا وعملًا، وجواب"ماذا أجبتم المرسلين؟"بتحقيق أن محمدًا رسول الله معرفة وإقرارًا وانقيادًا وطاعة واتباعًا.

فكلمة لا إله إلا الله هي أول واجب على العبد قوله ومعرفته، وهي آخر واجب عليه حينما يخرج من الدنيا، فعليه أن يرحل بلا إله إلا الله، ويشهد أن محمدًا رسول الله، فقد ثبت عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) ) [2] .

وهي أساس قبول الأعمال وهي الكلمة الطيبة، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ?للَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ?لسَّمَاء تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ ?للَّهُ ?لأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ?جْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ?لأرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ يُثَبّتُ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?لْقَوْلِ ?لثَّابِتِ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَفِى ?لآخِرَةِ وَيُضِلُّ ?للَّهُ ?لظَّـ?لِمِينَ وَيَفْعَلُ ?للَّهُ مَا يَشَاء [إبراهيم:24-27] .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الفوائد تحت عنوان شجرة الإخلاص:"السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة الله فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، إنما يكون الجذاذ يوم المعاد، فعند الجذاذ يتبين حلو الثمار من مرها، والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب، فروعها الأعمال، وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة."

وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك، والشرك والكذب والرياء شجرة في القلب ثمرها في الدنيا الخوف والغم وضيق الصدر وظلمة القلب، وثمرها في الآخرة الزقوم والعذاب المقيم" [3] انتهى كلامه."

فاعلم أيها المسلم يا من تشهد - ولله الحمد - بلا إله إلا الله أنه لا يكفي قولها باللسان، بل يجب عليك معرفة معناها والعمل بمقتضاها، فليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها، بل المراد قولها باللسان والقلب، والعمل بمقتضاها ومعرفة حقيقتها ومحبتها ومحبة أهلها، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من قال: لا إله إلا الله خالصًا ـ وفي رواية: ـ صادقًا من قلبه دخل الجنة ) ) [4] .

[1] أخرجه البخاري في الإيمان [25] ، ومسلم في الإيمان [22] .

[2] أخرجه أحمد (36/443) [22127] ، وأبو داود في الجنائز [3116] من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، وصححه الحاكم (1/503) ، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في الإرواء [687] .

[3] الفوائد (ص161) .

[4] أخرجه أحمد (5/236) ، والحميدي [369] ، وأبو يعلى [3228] من حديث معاذ بن جبل، وصححه ابن حبان [200] ، وهو في السلسلة الصحيحة [2355] .

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وإله الأولين والآخرين، وقيوم السموات والأرضين، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمدًا عبده ورسوله، نبيه المصطفى، ورسوله المرتضى، صلى الله عليه وآله وأصحابه وأنصاره وأتباعه إلى يوم الدين.

وبعد: أيها المسلمون، اعلموا أن كلمة لا إله إلا الله أي: لا معبود حق إلا الله تضمنت نفيا وإثباتا، فنفت الألوهية عما سوى الله، وأثبتت الألوهية والعبودية لله الحق، قال تعالى: ذ?لِكَ بِأَنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ?لْبَـ?طِلُ وَأَنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لْعَلِىُّ ?لْكَبِيرُ [الحج:62] . فإنك لما تقولها ـ أيها المسلم ـ تقر وتعترف بعبوديتك لربك سبحانه، فتقر بحبك وخضوعك لله سبحانه، فإن الله سبحانه هو الإله الحق، ومعنى الإله: المعبود، فهو الذي تألهه القلوب وتتعبد له محبة وإجلالًا، وإنابة وإكرامًا، وخشية وتعظيمًا، وذلًا وخضوعًا، وخوفًا ورجاء، وتوكلًا وسؤالًا، واستغاثة ودعاء، ولما جهل المسلمون معنى لا إله إلا الله وما احتوت عليه من إخلاص العبادة لله أصبح من المسلمين من يقول: لا إله إلا الله وهو يدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، ويرجو ويخاف غير الله، ويذبح لغير الله، ويعتقد النفع والضر والتصرف بيد غير الله.

فوجب إذا التنبيه إلى ما تدل عليه هذه الكلمة الطيبة العظيمة حتى تقي المسلم من الشرك، فهي كلمة التقوى تقي العبد من الشرك، وهي العروة الوثقى التي من استمسك بها هدي إلى صراط مستقيم، قال تعالى: وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ?للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ?سْتَمْسَكَ بِ?لْعُرْوَةِ ?لْوُثْقَى? وَإِلَى? ?للَّهِ عَـ?قِبَةُ ?لأمُورِ [لقمان:22] .

فتصحيح العلم بهذه الكلمة من أهم الأعمال الدعوية، والقيام بذلك واجب من أعظم الواجبات الشرعية، قبل التطرق إلى مواضيع كثيرة، ودروس كبيرة كحقوق الوالدين، وحق الجار، والتحدث عما يقوي الإيمان ويثبته مثل: عذاب القبر واليوم الآخر وسكرات الموت. فليعلم المسلم أنه إذا صح العلم، واستقر حسن الفهم لهذه الكلمة صح كل عمل واعتقاد، وإذا فسد العلم بها فسد كل عمل عُمِل، قال تعالى: فَ?عْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـ?هَ إِلاَ ?للَّهُ وَ?سْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [محمد:19] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت