فهرس الكتاب

الصفحة 2496 من 5777

تعظيم حرمات الله

الرقاق والأخلاق والآداب

أعمال القلوب

عادل بن عدنان النجار

الكويت

العثمان

1-أمر الله بتعظيم حرماته. 2- التهاون في المعاصي والمجاهرة بها انتقاص لحرمة الله. 3- صور من تعظيم شعائر الله وحرماته.

الله تعالى هو العلي العظيم، العظمةُ من صفاته، وآية من آياته، وتعظيمه تعالى بتبجيله وإجلاله, ينحني العباد إجلالًا له في ركوعهم، تعظيمًا لشانه (( فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ) )ويرددون في إخبات وخشوع، وتذلل وخضوع: سبحان ربي العظيم.

لذلك اقتضى تعظيم الله تعالى تعظيم حرماته، وهي كل ما يجب احترامه وحفظه وصيانته ورعايته، وتشتمل جميع ما أوصى الله بتعظيمه وأمر بأدائه، والتعظيم: هو العلم بوجوبها والإقرار بها والقيام بحقوقها. وإيمان الإنسان بربه ورضاه بما شرعه واختاره له، هو من تعظيم الله وتعظيم حرمات الله، قال الله تعالى: ذ?لِكَ وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَـ?تِ ?للَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبّهِ [الحج:30] وقال تعالى: ذ?لِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـ?ئِرَ ?للَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ?لْقُلُوبِ [الحج:32] وقال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ ?للَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ?للَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لظَّـ?لِمُونَ [البقرة:229] .

عباد الله، إن المؤمن الحق هو الذي يعظم حرمات الله، ويستشعر هيبته وخشيته، ويذعن لجلاله، ويخاف غيرته تعالى على حرماته، يقول: (( أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) )رواه البخاري، وفي رواية قَالَ: (( وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ ) )البخاري.

إن التهاون بالذنب والمجاهرة بالمعصية والمسارعة إلى الخطيئة، وليست من صفات من يعظم الله ويعظم حرمات الله، يقول ابن مسعود: (إنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ, وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا) أَيْ بِيَدِهِ فَذَبَّهُ عَنْهُ.

ويقول ابن عباس: (يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ لِمَا تَأْمَنُ سُوءَ عَاقِبَتِهِ، وَلَمَا يَتْبَعُ الذَّنْبَ أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ؟ وَقِلَّةُ حَيَائِك مِنْ مَلَكِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَأَنْتَ عَلَى الذَّنْبِ: أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ, وَفَرَحُك بِالذَّنْبِ إذَا ظَفِرْتَ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ، وَضَحِكُكَ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ بِك أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ, وَحُزْنُك عَلَى الذَّنْبِ إذَا فَاتَك أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ, وَخَوْفُك مِنْ الرِّيحِ إذَا حَرَّكَتْ سِتْرَ بَابِك وَأَنْتَ عَلَى الذَّنْبِ وَلَا يَضْطَرِبُ فُؤَادُك مِنْ نَظَرِ اللَّهِ إلَيْك أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ) .

ويقول بلال بن سعد:"لَا تَنْظُرْ إلَى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ وَلَكِنْ اُنْظُرْ إلَى مَنْ عَصَيْتَ".

ومن تعظيم حرمات الله تعالى تعظيم كتابه الكريم، فإن تعظيم كلام الله تعظيم لله، قال النووي:"أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق وتنزيهه وصيانته". وقال القاضي عياض:"من استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه فهو كافر بإجماع المسلمين".

وللمعظمين لكتاب الله تعالى قصص عظمى، ومواقف تروى، فهذا الإمام البخاري رحمه الله كان ذات يوم يصلي فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة ولم يقطع صلاته، فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء هذا الذي آذاني في صلاتي، وقال: كنت في آية فأحببت أن أتمها.

وتعظيم كلام الله تعالى ليس بتجويد قراءته فحسب وإقامة حروفه، وليس بتزيينه وتفخيم طباعته وكتابته، وليس بتعليقه على جدران البيوت وليس بجعله افتتاحًا واختتامًا للمؤتمرات والمنتديات، وليس بقراءته على الأموات، بل بإقامة حروفه وحدوده، والاحتكام إليه، والعمل به، وتعظيم شأنه، والسير على منهاجه، لَوْ أَنزَلْنَا هَـ?ذَا ?لْقُرْءانَ عَلَى? جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـ?شِعًا مُّتَصَدّعًا مّنْ خَشْيَةِ ?للَّهِ [الحشر:21] .

ومن تعظيم حرمات الله تعالى: تعظيم نبيه وتقديم أمره ونهيه على أي أحد، كائنًا من كان، والرضا بدينه والاتباع لسنته، والذب عن شرعته قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ?للَّهَ فَ?تَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ?للَّهُ [آل عمران:31] ، ولا يؤمن أحد حتى يكون النبي أحب إليه من نفسه وأهله والناس أجمعين.

ومن تعظيم حرمات الله تعالى: تعظيم حرمة المؤمن واحترام حقوقه وعدم النيل من كرامته والتعدي عليه، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِيَّ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ قَالَ: (( أَيُّ يَوْمٍ هَذَا فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ) )، ويقول عبد الله بن عمر يومًا بعد ما نظر إلى الكعبة: (ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمنون عند الله أعظم حرمة منك) .

ومن تعظيم حرمات الله تعالى: تعظيم المقدسات الإسلامية وتعظيم الشعائر الدينية، تعظيم المسجد الحرام ومعرفة مكانته ومنزلته، وأنه أشرف البقاع على وجه الأرض، وأن الذنوب فيه أشد حرمة وأعظم مكانًا من غيره. ويجب تعظيم شعائر الله تعالى: ذ?لِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـ?ئِرَ ?للَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ?لْقُلُوبِ [الحج:32] ، وتعظيم مسجد الرسول ، والأدب مع صاحبه وعدم رفع الصوت على سنته أو تقديم قول أحد من البشر على قوله.

وتعظيم المسجد الأقصى والسعي في إنقاذه من أيدي أعداء الله، ولو لم يملك الإنسان إلا الدعاء الصادق واللجوء إلى الله تعالى دائمًا وأبدًا بأن يفك أسره من أعداء الدين وقتلة الأنبياء، وأن يكون في قلبه متألمًا متحسرًا لما هو عليه من تسلط أعداء الله.

لقد كان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله في مجلس من المجالس، ودارت بعض أحاديث الأنس، وضحك القوم وهو لا يضحك، فقالوا له: مالك لا تضحك أيها القائد، فقال: إني أستحي من الله أن يراني ضاحكًا والمسجد الأقصى بأيدي الصليبيين.

ومن تعظيم حرمات الله تعظيم جميع بيوت الله تعالى، ومعرفة مكانتها والسعي في عمارتها، وليس المراد من ذلك زخرفتها وإقامة صورتها فقط، وإنما عمارتها بذكر الله وإقامة شرعه فيها، والمحافظة على الصلاة الجماعة، قال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـ?جِدَ ?للَّهِ مَنْ ءامَنَ بِ?للَّهِ وَ?لْيَوْمِ ?لاْخِرِ وَأَقَامَ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتَى? ?لزَّكَو?ةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ?للَّهَ فَعَسَى? أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ?لْمُهْتَدِينَ [التوبة:18] .

وقال الله تعالى محذرًا من انتهاك حرمات المساجد أو التعدي على إقامة ذكر الله فيها ونشر نور الهداية من على منابرها: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـ?جِدَ ?للَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ?سْمُهُ وَسَعَى? فِى خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِى ?لدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ?لآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌمٌ [البقرة:114] .

إن تعظيم حرمات الله تعالى واحترام أوامره وامتثالها ومعرفة نواهيه واجتنابها لهو طريق إلى الفلاح، وسبيل للنجاح، ودليل على الإيمان، وبرهان على الإحسان، وسبب للغفران.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت