فهرس الكتاب

الصفحة 1888 من 5777

عام جديد

الرقاق والأخلاق والآداب

أعمال القلوب

سعيد بن عبد الباري بن عوض

جدة

سعد بن أبي وقاص

1-انصرام العام موسم للمحاسبة عند التجار وغيرهم. 2- المسلم أولى بمحاسبة نفسه. 3- كل

يوم يمضي يقربنا من الآخرة. 4- الملائكة تحصي ما نصنع وما نقول.

أما بعد:

أيها المؤمنون: في هذه الأيام أو مثلها يقوم كثير من أصحاب الأموال والأعمال بمحاسبة ومراجعة لكل ما كان في العام بأكمله.. ما دخل وما خرج.. ما زاد وما نقص.. وما بيع وما اشتري لينظروا هل هم رابحون فيتابعوا تجارتهم بحثًا عن المال. أم أنهم خاسرون فيستأنفوا عملهم ليبحثوا عن سبب الخسارة. ويستدركوا ما فاتهم ويحاولوا معرفة أسباب الخسارة فيجتنبوها. وذلك هو مقتضى العقل. إنه لا بد لكل من مر عليه زمن أن يعرف ماله وما عليه لكي لا يفاجأ بالخسارة دون أن يشعر بذلك فيصيبه الغبن. لكن.. ما علاقتنا نحن بهذا الأمر؟!

عباد الله، إننا أحق من أصحاب الأموال والأعمال بهذه الوقفة للمحاسبة والمراجعة، نحن كذلك تجار نتاجر مع الله، رؤوس أموالنا أعمارنا هذه الأيام التي نعدها والشهور التي نقضيها والسنين التي نعيشها. نتاجر مع الله بأعمارنا، والأعمال الصالحة مكاسبنا وأرباحنا، والسيئات والمعاصي هي خسائرنا. الحسيب علينا في هذه التجارة لا يفوته شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. يكتب كل ما نعمله من خير أو شر في صحائف ثم يعرضها علينا مع الشهود من أنفسنا، فتشهد يد الإنسان عليه ورجله وعينه وأذنه ولسانه حتى لا يستطيع أن ينكر شيئًا مما عمل. قال الله -جل الله-: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النور:24] .

ألسنا بعد هذا أحق من تجار الدنيا بالمراجعة والمحاسبة! فما لنا إذًا عن هذا غافلون وفي اللهو غارقون وفي الغي سادرون، وكأننا نسينا ما سوف يكون.

إخوة الإيمان، وقفات المحاسبة هنا تهون علينا وقفتنا للمحاسبة هناك. من حاسب نفسه في الدنيا خف في القيامة حسابه.

إن الحساب اليوم للاستدراك والإصلاح، وحساب الغد للجزاء وفصل القضاء، إنها نظرات وتأملات في أيام ماضيات طويناها وقدمناها إلى الآخرة.. فماذا يا تراها تكون العاقبة؟! ومن أراد الجواب.. فعليه بالحساب.

جد وعمل, لهو ولعب, غدو ورواح, نوم ويقظة.. أكان ذلك لله أم للنفس وشهواتها؟! معاشر المؤمنين لقد كان شقاء من شقي أنهم كانوا لا يرجون حسابًا، وكذبوا بآيات ربهم كذابًا وكل شيء أحصاه الله كتابًا ثم قال لهم: ذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابًا.

أيها الموحدون إننا في كل شهر نتطلع إلى آخره ونستبطئ مرور أيامه للحصول على دراهم معدودة ونتطلع إلى نهاية السنة لنحصل على زيادة سنوية ونسينا أنها أعمارنا نهدمها، وآجالنا نقترب منها. هذه الأيام التي تمر هي نحن، ونحن هذه الأيام. قال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ (ابن آدم إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك) .

أيها المؤمنون، من الشباب من غره شبابه فنسي فقد الأقران وغفل عن سرعة المفاجآت وتعلق بالآمال والأماني، وما هي والله إلا أوهام الكسالى وأفكار اللاهين وما الاعتماد عليها إلا بضائع الحمقى، ورؤوس أموال المفاليس والتمني والتسويف إضاعة للحاضر والمستقبل.

وفي أهل الدنيا من صرف أمواله في الشهوات والمحرمات، وأشد هؤلاء من كسب مالًا فأدخله النار وورثه من بعده قوم صالحون عملوا فيه بطاعة الله فأدخلهم الجنة. ليس أعظم حمقًا ممن ضيع ماله وأصلح مال غيره، وقد علم أن ماله ما قدم ومال غيره ما خلف.

ألا ينظر هؤلاء وهؤلاء؟ لقد ابيض الشعر ووهن العظم ورحل الأقران، ولم يبق إلا الرحيل. فمتى يتعظ الساهي؟ ومتى يستيقظ الغافل؟ وإذا لم يكن ذلك اليوم فمتى يكون؟.. أيكون بعد الموت؟ فما بعد الموت من عمل إنما هو الجزاء والحساب. فيا سائرًا في غيه معرضًا عن ربه ناس ليوم حشره إنك تساق إلى الموت سوقًا وتدفع إلى الحساب دفعًا فماذا أعددت لذلك اليوم؟

يا غافلًا عن العمل وغره طول الأمل

الموت يأتي فجأة والقبر صندوق العمل

سبحان الله ألم يأن لأهل الغفلة أن يدركوا حقيقة هذه الدار؟ أما علموا أن حياتها عناء، ونعيمها ابتلاء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، جديدها يبلى، وملكها يفنى، ودها ينقطع، وخيرها ينتزع، المتعلقون بها على وجل إما في نعم زائلة أو بلايا نازلة أو منايا قاضية.

ي?قَوْمِ إِنَّمَا هَـ?ذِهِ ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا مَتَـ?عٌ وَإِنَّ ?لاْخِرَةَ هِىَ دَارُ ?لْقَرَارِ [غافر:39] . العمر قصير، والخطر المحدق كبير. وإذا كان الأمر كذلك فعلى صاحب البصر النافذ أن يتزود من هذه الدنيا ليغتنمها قبل الفوات. ومن أصلح ما بينه وبين ربه كفاه ما بينه وبين الناس، ومن صدق في سريرته حسنت علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه. ولكن هذا للموقنين، وأين الموقنين اليوم؟!

واعلموا عباد الله أن المحاسبة الصادقة هي ما أورثت عملًا، فعليك يا عبد الله أن تستدرك ما فات بما بقي، فتعيش ساعتك ويومك، ولا تشتغل بالندم والتحسر من غير عمل. واعلم أن من أصلح ما بقي غفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وبما بقي.. والأعمال بخواتيمها.

الموت يأتيك بغتة ولا مفر منه.. قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ?لْمَوْتِ [آل عمران:185] . فأعط كل لحظة حقها وكل نَفَس قيمته، فالأيام مطايا، والأنفاس خطوات، والصالحات هي رؤوس الأموال، والربح جنات عدن، والخسارة نار تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى، وأنت حسيب نفسك.

قرأ الحسن البصري ـ رحمه الله ـ قوله تعالى: عَنِ ?لْيَمِينِ وَعَنِ ?لشّمَالِ قَعِيدٌ [ق:17] . فقال: بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك فصاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر، فإذا مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك فتخرج يوم القيامة فيقال لك: ?قْرَأْ كَتَـ?بَكَ كَفَى? بِنَفْسِكَ ?لْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:14] . قال رحمه الله: عدل والله من جعلك حسيب نفسك. قال تعالى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ?لاْزِفَةِ إِذِ ?لْقُلُوبُ لَدَى ?لْحَنَاجِرِ كَـ?ظِمِينَ مَا لِلظَّـ?لِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ ?لاْعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ?لصُّدُورُ وَ?للَّهُ يَقْضِى بِ?لْحَقّ وَ?لَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَىْء إِنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لسَّمِيعُ ?لْبَصِيرُ [غافر:18-20] .

الحمد لله حمدًا لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء محمد، وعلى آله وصحبه ومن تعبد.

وبعد:

عجبا لك يا ابن آدم وقد أراك الله آيات قدرته وآيات عظمته في نفسك وفي كل ما حولك من الكائنات ثم تعصيه.

فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

ابن آدم لو عرفت نفسك وقدرها لعلمت مدى ظلمك حين تؤمر فلا تفعل، وتنهى فتفعل. فهل ظننت أن الله غافل عنك فلا يعلم ما تفعل؟ أم ظننت أن الله غير قادر عليك فيمنعك مما تفعل؟ إلى متى تظل سادرًا في غيك؟ بعيدًا عن ربك؟ ناس ليوم حشرك؟ غافلًا عن ساعة قبرك؟

علمت أن الله يحصي عليك عملك وما توقيت الحساب. نسيت معاصيك فظننت أنها نُسِيَت، والله قد كتبها وأحصاها يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ?للَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَـ?هُ ?للَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6] . أنسيت يوم المعاد؟ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا [آل عمران:30] .

ابن آدم ويحك تركت العمل الصالح حتى إذا أتاك أجلك قلت: قَالَ رَبّ ?رْجِعُونِ لَعَلّى أَعْمَلُ صَـ?لِحًا [المؤمنون:99-100] . فها أنت فيها، أفلا تعمل، قبل أن تطلب الرجوع فلا يُقبل. أما سمعت قول الخاسرين يوم القيامة رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـ?لِمُونَ [المؤمنون:107] .

أوما سمعت الجواب عليهم بعد طول انتظار قَالَ ?خْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ [المؤمنون:108] . فاحذر من ذلك اليوم وتوق الحساب، فمن نوقش الحساب فقد عذب.

فيا أيها المؤمنون متى التوبة؟ ومتى الأوبة؟ لا زال فينا من تلبس بأنواع من الشرك صغيره وكبيره، ولا زال فينا المتهاون بالصلاة، ولا زال فينا المانع للزكاة والمفرط في إعطائها لمستحقيها، ولا زال فينا المفطر في شهر الصوم، ولا زال فينا القاطع لرحمه، ولا زال فينا الظالم لنفسه، الآكل لأموال الناس بالباطل، وغير ذلك في قائمة طويلة من الإسراف على النفس والتفريط في جنب الله.

فهذا عباد الله عرض من رب العباد قُلْ ي?عِبَادِىَ ?لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ وَأَنِيبُواْ إِلَى? رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ?لْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ [الزمر:53-54] . ويقول جل وعلا: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى? رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سَيّئَـ?تِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـ?تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأنْهَـ?رُ [التحريم:8] . وغيرها من الآيات يدعونا فيها ربنا لنعود إليه ويعدنا بقبول التوبة وغفران الذنوب فهلموا عباد الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت