الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر, مكارم الأخلاق
حسين بن غنام الفريدي
حائل
غير محدد
1-حال الدنيا. 2- حال الناس عند نزول المصائب. 3- واجب الإنسان تجاه المصائب النازلة به. 4- فضل عشر ذي الحجة. 5- مشروعية الأضحية وبعض أحكامها.
أما بعد: فالحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله، اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، أعطيت فأجزلت، وقضيت فلطفت، لا نرجو سواك، ولا نلجأ إلا إليك. الحمد لله الذي جعل الصبر جوادًا لا يكبو، وصارمًا لا ينبو، وحصنًا حصينًا لا يثلم.
عباد الله، فلتتقوا الله ولتعلموا أن المصائب في هذه الدنيا سهام مشرعة، ورماح للبلاء معدة مرسلة، فهي دار ابتلاء وامتحان ونكد وأحزان، لَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ فِي كَبَدٍ [البلد:4] .
جبلت على كدر وأنت تريدها صفوًا من الأقذار والأكدار
عباد الله، ولقد أصاب الناس أمام هذه المصائب الضعف والوهن والجزع والسخط من أقدار الله، فأضحى الصابرون الشاكرون المحتسبون الحامدون هم القلة القليلة، وسنن الله على الجميع ثابتة لم تتغير، وقضاؤه على عباده سائر لم يتبدل.
فيا من تكالبت عليه الأيام وقلب له الدهر ظهر المجن، يا من ادلهمت عليه الخطوب وأغلقت في وجهه المسالك والدروب، فإذا به صابرًا محتسبًا ما اهتز له جنان وما ذرفت منه العينان. يا من فقدت الأبناء والأحباب والآباء والأصحاب، يا أيها المؤمن المهموم، يا أيها المبتلى المغموم، عظّم الله أجرك ورفع درجتك وجبر كسرك.
عباد الله، إن العبد في هذه الحياة لا يخلو من حالين، إما حصول محبوب أو وقوع مكروه. فالمؤمن الصادق يقابل المحبوب بالشكر والمكروه بالصبر.
والمشاهد من الناس ـ وللأسف الشديد ـ خلاف ذلك إلا من رحم ربك؛ جحد وكفران عند حصول المحبوب، وهلع وانزعاج عند حصول المكروب.
ولو تأمل العبد لتيقن أن الذي ابتلاه بمصيبته هو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ ?لْخَوفْ وَ?لْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ ?لأمَوَالِ وَ?لأنفُسِ وَ?لثَّمَر?تِ وَبَشّرِ ?لصَّـ?بِرِينَ [البقرة:155] . ابتلاه بذلك ليمتحن صبره ورضاه وإيمانه ويقينه.
والصبر ـ يا عباد الله ـ جزاؤه عظيم وثوابه جزيل، وقد ذكره الله في القرآن في نيف وتسعين موضعًا، وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر، وجعلها ثمرة له، وجمع للصابرين أمورا لم يجمعها لغيرهم، فقال: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَو?تٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ ?لْمُهْتَدُونَ [البقرة:157] .
وليس للصبر أجر محدود، قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى ?لصَّـ?بِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] ، وقال: (( من يرد الله به خيرًا يصب منه ) )رواه البخاري. سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن: ما منتهى العبد؟ قال:"أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه".
وللصبر آداب منها: سكون الجوارح واللسان، قال بعض الحكماء:"الجزع لا يرد الفائت، ولكنه يسرّ الشامت".
ومن حسن الصبر أن لا يظهر أثر المصيبة على المصاب، قال قيس بن الحجاج في قول الله تعالى: فَ?صْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا [المعارج:5] ، قال:"أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو".
وليس من الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب، ولكن الجزع هو القول السيئ والظن السيئ، قال الله تعالى عن يعقوب: وَ?بْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ?لْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:84] ، قال قتادة:"كظيم على الحزن فلم يقل إلا خيرًا".
وليعلم أن الجزع يشمت بك الأعداء ويسوء الأصدقاء، ويغضب الرحمن ويسرّ الشيطان، ويحبط الأجور ويضعف النفس ويصدع الجنان، ومن صبر واحتسب أخزى شيطانه وأرضى ربه، وسر صديقه وساء عدوه، وعزى إخوانه قبل أن يعزوه، هذا هو الثبات في الأمر.
قال بعض الحكماء:"العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلوَ البهائم".
ولقد عزى الإمام الشافعي رجلًا فقال:
إني معزيك لا أراني على ثقة من الخلود ولكن سنة الدين
فما المغرى بباق بعد ميته ولا المعزي ولو عاشا إلى حين
وليعلم المصاب أنه على الأثر، وإن كان أحد حقيق بالبكاء فهي نفسه التي هي أعز شيء عليه.
لقد أخبرتك الحادثات نزولها ونادتك إلا أن سمعك ذو وقر
تنوح وتبكي للأحبة إن مضوا ونفسك لا تبكي وأنت على الأثر
وروي عن جابر أنه قال: قال رسول الله: (( قال جبريل: يا محمد، عش ما عشت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه ) ).
عباد الله، إن فقد الأحباب وفراق الخلان لهو أعظم واعظ للقلوب الحية، فإلى متى والقلوب قاسية؟!
إن المصيبة إذا حلت بالعبد فلم توقظ قلبه فإن مصابه في دينه أعظم من مصابه في دنياه، نودّع الآباء ونحن في غينا سادرون؛ كسل ونوم عن الصلاة، وإغراق في المحرمات، وهجر للقرآن، وقطع للأرحام، وسطو على الحرمات. إذا لم نتعظ بموت آبائنا وأحبابنا فمتى نتعظ؟!
إن المطلوب من صاحب المصيبة ليس الصبرُ فحسب، فإنه إن لم يصبر صبرَ الاختيار صبر صبر الاضطرار، وهو ما يحصل له بعد زمن من المصيبة.
ستمضي مع الأيام كل مصيبة وتحدث أحداث تنسي المصائب
إنما المطلوب منه أن يستيقظ من غفلته، ولا يأمن الموت وفجأته، قال أبو حازم:"كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرك متى مت". ليكن مثل أولئك السلف، قال بكير بن عامر:"لو قيل لعبد الرحمن بن أبي نعم: قد توجه إليك ملك الموت ما كان عنده زيادة عمل".
هل أمنّا القبر وضغطته، والصراط وزلته، والحساب ودقته؟!
هكذا ينبغي أن توظّف المصائب، وإلا كنت كما قال الشافعي حين عزى أحدهم حين جزع على فقد ابنه جزعًا شديدًا فقال له:"يا أخي، عزِّ نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك، واعلم أن أرزى المصائب فقد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر؟! فتناول حظك ـ يا أخي ـ إذا قرب قبل أن تطلبه وقد تناءى عنك، ألهمك الله عند المصائب صبرا وأحرز لنا ولك بالصبر أجرًا".
عباد الله، ولا طريق إلى حصول الموعظة إلا بالصبر، وأعظم من الرضا الشكر والحمد.
اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلّد
أوما ترى أن المصائب جمة وترى المنية للعباد بمرصد
من لم يصَب ممن ترى بمصيبة؟! هذا سبيل لست عنه بأوحد
وإذا ذكرت مصيبة تشجو بها فاذكر مصابك بالنبي محمد
ومن صبر وشكر جرى عليه قدر الله وهو مأجور، ومن اعترض وتسخط جر عليه قدر الله وهو مأزور، فلئن كان القدر جاريا عليه لا محالة، فيكون مأجورًا خيرٌ له من أن يكون مأزورًا، ولا مقارنة بين الحالين.
نعوذ بالله من عدم الصبر عند المحنة، ونسأله الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، فإنه ـ والله ـ ليخاف على العبد من سوء الخاتمة إذا تسخط أقدار الله، ونازع القضاء والقدر. نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ?لْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ?لنَّارِ وَأُدْخِلَ ?لْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـ?عُ ?لْغُرُورِ [آل عمران:185] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم تستقبلون عشر ذي الحجة، من أعظم الأيام وأجلها، العمل فيها معظم، والأجر فيها مضاعف، أقسم بها المولى لعظمتها فقال: وَ?لْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ [الفجر:1، 2] ، وصح عن الرسول قوله: (( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ) )يعني: أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: (( ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلًا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ) )أخرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
عباد الله، وإن من أفضل الأعمال في هذه العشر أداء الحج والعمرة، وصيام ما تيسر من هذه الأيام، لا سيما يوم عرفة، والتكبير والذكر في هذه الأيام، ومضاعفة الأعمال الصالحة من نوافل العبادات.
وليعلم أنه بدخول هلال ذي الحجة يبدأ التكبير المطلق ويستحب رفع الصوت به للرجال في الأسواق والمساجد والمجتمعات، ومن أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا ظفره ولا بشره، روى مسلم رحمه الله عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي قال: (( إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره ) )، وفي رواية: (( فلا يأخذ من شعره ولا من ظفره ولا من بشرته شيئًا ) )، وهو خاص بمن أراد أن يضحي ويتولى الأضحية، ولا يشمل الزوجة والأولاد.
فاتقوا الله عباد الله، واستثمروا أوقاتكم بما يعود عليكم بالنفع، وإياكم والمعاصي والتقصير؛ فإنها مهلكة لكم، وتوجهوا بقلوبكم إلى المولى العزيز أن يغفر ذنوبكم ويقبل توبتكم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك...