العلم والدعوة والجهاد
أحاديث مشروحة
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1 ـ نص حديث: (( من عادى لي وليا ) ). 2 ـ المولاة في الله، والمعاداة في الله.
3 ـ من هو ولي الله؟ 4 ـ حقيقة معاداة أولياء الله. 5 ـ موقف المنافقين من المؤمنين.
6 ـ الاستهزاء بالمؤمنين. 7 ـ التقرب إلى الله بالفرائض. 8 ـ التقرب إلى الله بالنوافل.
9 ـ من ثمار محبة الله تعالى إجابة الدعاء. 10 ـ كراهية المؤمن للموت.
11 ـ جبن المنافقين.
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، روى البخاري رحمه الله في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( قال الله تعالى: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت من شيء أنا فاعله ترددي من قبض نفس عبدي المؤمن؛ يكره الموت وأكره إساءته، ولا بد له منه ) ) [1] .
أيها المسلمون، المؤمن حقًا يحب الله، ويحب رسوله، ويحب أولياء الله، المحبين لله ورسوله، يحبهم لكونهم محبين لله، يحبهم لكونهم قائمين بشرع الله، يحبهم لأنهم منفذون أوامر الله، مجتنبون لنواهي الله، فلمحبتهم لله وقيامهم بحق الله هو يحبهم لأجل ذلك وَ?لْمُؤْمِنُونَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة: 71] .
فمن أحب الله ورسوله أحبه المؤمن، ومن أبغض الله ورسوله، وعادى الله ورسوله أبغضه المؤمن، فهو محبته لله ولأجل الله، لا لسوى ذلك.
وفي الحديث: (( أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله، وتوالي في الله، وتعادي في الله ) ) [2] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (وقد صارت مؤاخاة الناس اليوم على أمر الدنيا وذاك لا يجزي على أهله شيئًا) [3] .
أيها المسلم، فقوله جل جلاله فيما رواه عنه نبيه: (( من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب ) ).
أولًا: من هو الولي لله؟ الولي لله هو المتقي لله، لا تُنال ولاية الله بمجرد الدعوى، ولكنها حقيقة الأعمال الصالحة يقول جل وعلا: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ?للَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ?لْبُشْرَى? فِي ?لْحَيو?ةِ ?لدُّنْيَا وَفِى ?لآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ?للَّهِ ذ?لِكَ هُوَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ [يونس: 62ـ 64] ، فما نالوا ولاية الله بالدعوى المجردة، وإنما نالوها بتقواهم لله وقيامهم بما أوجب الله عليهم، ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ.
إذًا فكيف العداوة لأولياء الله؟ يقول الله: (( من عادى لي وليًا ) )، كيف يعادي ولي الله؟ هل هذه العداوة لأمور الدنيا؟ وما بين الناس من أحوال وخصام ونزاع وتنافس في الدنيا؟ لا, هذا أمر ممكن مع كل أحد، فلا يخلو المؤمن من أن يكون بينه وبين أخيه شيء من الخصومة والنزاع، وقد يكرهه لشيء ما، لكنها كراهة لا تؤدي إلى العداوة، إنما قوله تعالى: (( من عادى لي وليًا ) )معاداة أولياء الله، معاداتهم بغضهم وكراهيتهم لأجل اتباعهم لشرع الله، يعادي أولياء الله معاداة منطلقة من قلب ممتلئ كفرًا ونفاقًا وعداء لله ورسوله، فهو يعادي أولياء الله لكونهم يحكمون شرع الله، يعادي أولياء الله لكونهم يطبقون أوامر الله ويجتنبون نواهي الله، يعادي أولياء الله لكونهم يقدمون أمر الله على هوى النفوس ومشتهياتها، هذه العداوة تصدر من قلب مليء كفرًا ونفاقًا، تتفوه ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم من الخبث والبلاء.
قال تعالى مبينًا حال أعداء الرسل مع الرسل، وأن العداوة لأولياء الله قديمة جدًا منذ بعث الله الرسل:
فقوم نوح يقولون لنوح عليه السلام: مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ?تَّبَعَكَ إِلاَّ ?لَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ?لرَّأْى وَمَا نَرَى? لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـ?ذِبِينَ [هود: 27] ، وقال الله عنهم أنهم سخروا منه عند صنع السفينة قال الله: إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود: 38] ، وقال الله عنهم: قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَ?تَّبَعَكَ ?لأَرْذَلُونَ [الشعراء: 111] .
وقوم موسى يقولون لموسى: أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ?لْكِبْرِيَاء فِى ?لأرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ [يونس: 78] .
وإبراهيم يقول له أبوه: لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَ?هْجُرْنِى مَلِيًّا [مريم: 46] .
وقوم محمد كم قالوا له ما قالوا، قال الله عنهم: وَقَالَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ هكذا يستهزئون.
إن العداء لأولياء الله عداء المنافق والكافر يتفوه لسانه بما انطوى عليه قلبه من عداء لهذه الشريعة وعداء للمتمسكين بها، والعاملين عليها، والمنفذين لأحكامها، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى ?لَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ ?للَّهُ يُزَكّى مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَكَفَى? بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا أَلَمْ تَرَ إِلَى ?لَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ?لْكِتَـ?بِ يُؤْمِنُونَ بِ?لْجِبْتِ وَ?لطَّـ?غُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى? مِنَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلًا [النساء: 49ـ 51] ، يقول الكافرون: هَؤُلاء أَهْدَى? مِنَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلًا ، ففضلوا طريقة اليهود والنصارى على شريعة الله ورسوله، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى ?لَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ?لطَّـ?غُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ?لشَّيْطَـ?نُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـ?لًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى? مَا أَنزَلَ ?للَّهُ وَإِلَى ?لرَّسُولِ رَأَيْتَ ?لْمُنَـ?فِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا [النساء: 60،61] ، فهؤلاء المعادون لأولياء الله، المستهزئون بهم، الساخرون بدينهم، المنتقصون من شريعتهم، العائبون لأخلاقهم وآدابهم، هؤلاء شابهوا إخوانهم المنافقين والكافرين السابقين، شابهوهم في هذه الآراء الباطلة، والتصورات الخاطئة، يقول الله جل وعلا عن المنافقين: إِذْ يَقُولُ ?لْمُنَـ?فِقُونَ وَ?لَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ [الأنفال: 49] ، لما رأوا أصحاب رسول الله وجهادهم وتضحيتهم في سبيل الله لإيمانهم بالله واليوم الآخر، قالوا عنهم ما قالوا: إِذْ يَقُولُ ?لْمُنَـ?فِقُونَ وَ?لَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ يقولون: هؤلاء صدَّقوا بالآخرة، وصدَّقوا بالجنة والنار، غرَّهم دينهم، أي بمعنى أن كل شيء لا حقيقة له، هكذا يقول المنافقون.
فيا أخي المسلم، احذر أن تكون عدوًا لله من حيث لا تشعر، احذر أن تكون عدوًا لدين الله، عدوًا لكتاب الله، عدوًا لسنة رسول الله، قف عند أي كلمة تقولها، وأي مقالة تنشرها، وأي قضية تحاول حلَّها، فكر قليلًا وتدبر، هل أنت تقصد بقلمك وتخط بقلمك ما فيه نصرة للإسلام وأهله، أو ما فيه عداء للإسلام وأهله؟
(( من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب ) )، ومن يقوى على حرب الله إنه المخذول الذليل، فاتق الله ـ أيها المسلم ـ في دينك، اتق الله فيما تقول، فكم كلمات يطلقها الإنسان ولا يدري أنها أوقعته في عذاب الله.
أناس في عهد النبي استهزؤوا بالمسلمين فقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغبنا بطونًا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء، فأنزل الله تكذيبهم، وبيان ضلالهم: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِ?للَّهِ وَءايَـ?تِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـ?نِكُمْ [التوبة: 65، 66] [4] .
قال الله عنهم: ?لَّذِينَ يَلْمِزُونَ ?لْمُطَّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـ?تِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ?للَّهُ مِنْهُمْ [التوبة: 79] ، وقال: إِنَّ ?لَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ يَضْحَكُونَ [المطففين: 29] أي في الدنيا، وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا ?نقَلَبُواْ إِلَى? أَهْلِهِمْ ?نقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلاَء لَضَالُّونَ [المطففين: 30ـ 32] ، هكذا يقول الكافرون في المؤمنين، يضحكون، ويتغامزون، ويقولون: هؤلاء ضالون، وَمَا أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَـ?فِظِينَ ثم العاقبة: فَ?لْيَوْمَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنَ ?لْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ