التوحيد, قضايا في الاعتقاد
البدع والمحدثات, نواقض الإسلام
محمد بو سنه
عين النعجة
مبارك الميلي
1-فتنة القبور. 2- بداية الشرك. 3- شرك القبور في هذه الأمة. 4- سد أبواب الشرك.
5-الزيارة البدعية والشركية. 6-الأنبياء والصالجون يكرهون ما يفعله القبوريون عن قبورهم.
7-التحذير من اتخاذ القبور أعيادا. 8- مفاسد التخاذ القبور أعيادًا. 9- المنكرات التي تفعل
عند القبور.
فمن أعظم مكايد عدو الله التي كاد ولا يزال يُكاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه وأتباعه أن فتنهم بالقبور وبتعظيمها حتى وصل الأمر فيها إلى أن عُبد أصحابها من دون الله، وعبدت قبورهم، وبنيت عليها القباب، ثم جعلت أصناما يُلجأ إليها في الشدائد ويطلب منها قضاء الحاجات ودفع المضرات.
وكان أول من عرف بالشرك قوم نوح عليه السلام: وأول من وقع فيه منهم: القبوريون المنصرفون بقلوبهم إلى الموتى من صلحائهم، فقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك، وذهب العلم، عبدت من دون الله) . وفي لفظ آخر: (كان في قوم نوح قوم صالحون، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوّروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم) .
فهؤلاء القوم جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله في الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضي الله عنها: أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية فذكرت له ما رأت فيها من الصور فقال رسول الله: (( أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى ) ). فجمع النبي في هذا الحديث بين الصور أو التماثيل، والقبور، وهذا كان سببًا في عبادة الأصنام.
فقد رأيتم عباد الله أن سبب عبادة أولئك الصالحين من قوم نوح، وعبادة اللات والعزى في قوم النبي إنما كان من تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها الصور والتماثيل وعبدوها، وهذا السبب - أي تعظيم القبور واتخاذ الصور والتماثيل الذي لأجله نهى النبي عن اتخاذ المساجد على القبور هو الذي أوقع كثيرًا من الناس في الشرك الأكبر، إذ النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، فإن الشرك بقبر الرجل الصالح أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، وقد سمعنا من أناس يذهبون إلى قبور رجال يعتقدون أنهم صالحون، فيتضرعون عندها ويخشعون ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، بل منهم من يسجد لها ويرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجون في المساجد، ويقولون: لقد جربنا أن نذرنا عند القبر الفلاني فقضيت حاجاتنا، ومنهم من يقول: الدعاء عند القبر الفلاني مستجاب، ومعنى ذلك أنهم دعوا هنا لك مرة فرأوا أثر الإجابة، هذه شبههم التي لبسها عليهم عدو الله إبليس فأطاعوه وزينها لهم فاتبعوه.
ولأجل هذه المفسدة العظيمة وهي الشرك الأكبر حسم النبي كل ما يؤدي إليها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة وإن لم يقصد المصلي بركة المكان بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ حتى وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون.
وأما إذا قصد الرجل بالصلاة عند القبور حصول البركة بالصلاة في ذلك المكان، فهذا قصد مخالف لدين الله، واتباع دين لم يأذن به الله تعالى، فإن المسلمين قد علموا من دين رسول الله أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد، فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عند القبور وبناء المساجد والقباب عليها، ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله قبل أن يموت بخمس وهو يوصي أمته: (( ..ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) ).
لكن الكثير من الناس قد أغفل هذه الوصية وعمل بخلافها حتى بلغ الشيطان بهم إلى الشرك العظيم، فاعتقد بعضهم أن زيارة القبور التي عليها القباب والمشاهد إما قبر نبي أو شيخ أفضل من حج بيت الله الحرام، ويسمون زيارتها الحج الأكبر، ومنهم من يرى زيارة قبر النبي أفضل من حج البيت، يفعلون ذلك لأنهم يعتقدون أن ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرّمه الله ورسوله أعظم عند القبوريين من حرمة بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أسست على تقوى من الله ورضوان، فهم يظنون أن زيارة القبور إنما هو لأجل الدعاء عندها والتبرك بها وسؤال الميت ودعائه. يدعون الميت ويسألونه كما يسألون ربهم فيقولون: اغفر لي وارحمني.
ومنهم من تتمثل له صورة الشيخ الذي يستغيث به ويدعوه فإنما هي صورة شيطان قد خاطبه كما تفعل الشياطين بعبدة الأوثان.
واعلم يا عبد الله أن المقبورين المدفونين من الأنبياء والصالحين يكرهون ما يفعله هؤلاء القبوريون عندهم كل الكرامة، كما يكره المسيح عيسى عليه السلام ما يفعله النصارى به، فلا يحسب المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد وأوثانًا فيه تنقص من كرامة أصحابها. بل هو من باب إكرامهم، وأن من تمام إكرامهم وحبهم أن نتّبع ما دعوا إليه من العمل الصالح ليكثر أجرهم بكثرة أجور من تبعهم. كما قال: (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ) ).
وفقني الله وإياكم لاتباع هدي النبي وجنبنا الشرك، بجميع مظاهره إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.
ومما افتتن به الناس أن اتخذوا القبور أعيادًا كما كان يفعل المشركون في الجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام فأبطلها، فقد روى أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ) )فإذا كان قبر رسول الله وهو أفضل قبر على وجه الأرض قد نهى عن اتخاذه عيدًا فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان، ثم إنه قرن النهي عن اتخاذ القبر عيدًا: (( ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا ) )أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون شبيهة بالقبور، فأمر بصلاة النافلة في البيوت ونهى عن العبادة عند القبور، ثم إنه عقد النهي عن اتخاذ قبره عيدًا بقوله: (( وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ) )، يشير عليه الصلاة والسلام بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل سواء كنتم قريبين من قبري أو بعيدين عنه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا.
ثم إن في اتخاذ القبور أعيادًا ومزارات من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله تعالى ما يغضب لأجله كل من في قلبه خوف من الله وغيرة على التوحيد وتقبيح للشرك.
فمن أعظم مفاسد اتخاذ القبور أعيادًا ومزارات: الصلاة إليها والطواف بها وتقبيلها واستلامها والتمسح بترابها وعبادة أصحابها وسؤالتهم النصر والرزق وقضاء الديون وتفريج الكربات وغير ذلك من أنواع الطلبات، حتى أنهم إذا رأوا هذه القبور من مكان بعيد وضعوا لها جباههم، وقبّلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم، وتباكوا واستغاثوا بمن لا يضر ولا ينفع، حتى إذا اقتربوا منها صلوا عند القبر ركعتين، وظنوا أنهم قد نالوا من الأجر، ما لم ينله من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الميت ورضوانًا، فلغير الله بل للشيطان أسالوا الدموع ورفعوا الأصوات، وطلبوا من الميت الحاجات وسألوه تفريج الكربات، فكانت صلاتهم ودعاؤهم وسؤالهم لغير الله رب العالمين.
إن الناظر في أحوال الناس اليوم عند القبور يرى أكثرهم مضادًا لما أمر به النبي ونهى عنه وما كان عليه أصحابه. فنهى رسول الله عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها، ونهى عن اتخاذها مساجد وهؤلاء يبنون عليها مساجد، ويسمونها مشاهد تشبيها ببيوت الله، ونهى عن إيقاد النار عليها وهؤلاء يشعلون القناديل والشموع عليها، ونهى أن تتخذ عيدًا وهؤلاء يتخذونها أعيادًا ومناسك يجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.
وأمر بتسويتها وعدم رفعها عن الأرض وهؤلاء يبالغون فيرفعونها عن الأرض كالبيت ويبنون عليها القباب، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه والكتابة عليه، وهؤلاء ينفقون الأموال من أجل زخرفتها، ويتخذون عليها الألواح من رخام وغيره، ويكتبون عليها القرآن وغيره، والرسول: (( نهى أن يجصص القبر أو يكتب عليه أو يزاد عليه ) )، وهؤلاء الناس يزيدون عليه الآجر والأحجار والجصّ.
فهؤلاء الناس المعظمون للقبور المتخذوها أعيادًا، الذين يبنون عليها المساجد والقباب مخالفون لأمر الله ورسوله.
ومن أعظم تلك المخالفات الذبح عند القبر فقد كانوا إذا مات لهم الميت ذبحوا على قبره وقد نهى النبي عن ذلك فقال: (( لا عقر في الإسلام ) )كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. ويدخل في معنى هذا النهي ما يتصدق به أهل الميت من خبز وتمر ونحوه من أنواع الطعام عند القبر.
فعلى العاقل بعد ما عرف هذه المخالفات أن يتقي الله تعالى فلا يقع في شيء من ذلك، وعليه أن ينصح غيره، وأن ينكر هذا المنكر العظيم. وفقني الله وإياكم لما فيه صلاح المسلمين، وجنبنا وإياكم الفتن ما ظهر منها وما بطن والحمد لله رب العالمين.