الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
خصال الإيمان, مكارم الأخلاق
داود بن أحمد العلواني
جدة
الأمير منصور
1-الأمانة في نظر الشارع شاملة لكل الأمور. 2- عظم الأمانة وثقلها. 3- ذكر بعض معاني الأمانة.
الحمد لله الذي فرض على عباده أداء الأمانة، وحرم عليهم الخيانة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير من أدى الأمانة وبلغ الرسالة، اللهم صل وسلم وبارك على محمد القائل: (( يطبع المؤمن على الخصال كلها أو الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ) )، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبع نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أما بعد: يا عباد الله، اتقوا الله تبارك وتعالى، وأدوا الأمانة التي حملتموها ورضيتم بتحمل مسؤولياتها بما وهبكم الله من العقل وبما تفضل عليكم بإرسال الرسل، قال الله تعالى في كتابه العزيز: إِنَّا عَرَضْنَا ?لأمَانَةَ عَلَى ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ وَ?لْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ?لإِنْسَـ?نُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72] . كان ظلومًا لنفسه بعصيانه ربه وعدم قيامه بما افترض عليه، وكان جهولًا بعاقبة تفريطه وإخلاله بما التزمه وائتمن عليه. اللهم إنا نعوذ بك من الظلم والجهل.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن الأمانة في نظر الشارع واسعة الدلالة، فيها الشمولية لكل الأمور، وهي ترمز إلى معان شتى، ولكن مناطها جميعًا شعور المرء بتبعته في كل أمر يوكل إليه وإدراكه الجازم بأنه مسؤول عنه أمام ربه على نحو ما فصله رسول الله بقوله: (( كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته ) ) [1] .
فالأمانة ـ يا عباد الله ـ ضخمة وثقيلة، عظّم الله من شأنها في دين الله، وليست كما يتصوّرها عوام الناس في أضيق معانيها بحفظ الودائع فقط.
ومن أجل بيان أهمية الأمانة كان رسول الله كثيرًا ما يذكرها في خطبه ويربط بينها وبين الإيمان، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما خطبنا رسول الله إلا قال: (( لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ) ) [2] .
هذا وإن في طليعة الأمانات الواجب أداؤها القيام بطاعة الله بكل ما أمر، والانتهاء عن كل ما نهى عنه وزجر، مخلصين له الدين، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، متبعين رسوله غير زائدين عليه ولا ناقصين عنه، فالله لا يقبل عملًا حتى يكون خالصًا لوجهه، موافقًا لشرعه متبعًا فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن أداء الأمانة وضع كل شيء في المكان الجدير به واللائق له، فلا يسند منصب إلا لصاحبه الجدير به المستحق له، ولا تملأ وظيفة إلا بالرجل الذي ترفعه كفاءته لها, فإن الأعمال والولايات أمانات ثابتة، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: (( يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ) ) [3] .
فالأمانة ـ عباد الله ـ تقتضي أن تختار للأعمال أحسن الناس قيامًا بها، فإذا مِلنا إلى غيرهم لهوى أو رشوة أو قرابة أو مأدبة أو هوية فقد ارتكبنا بذلك خيانة فادحة، قال رسول الله: (( من استعمل رجلًا على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ) ) [4] .
ومن الأمانة أن لا يستغل الرجل منصبه الذي عين فيه لجر ما حرم عليه من منفعة إلى شخصه أو قرابته بالطرق الملتوية المحرمة، ومن أجل ذلك شدد الإسلام بضرورة التعفف عن استغلال النفوذ المحرم بشتى صوره وأنواعه، وشدد في رفض المكاسب المشبوهة، فقال الله تعالى: وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ ثُمَّ تُوَفَّى? كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [آل عمران:161] ، وفي الحديث أن النبي استعمل رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللُّتبيَّة على الصدقة، فلما قدم بها قال: هذا لكم وهذا أهدي إليّ، فقام رسول الله فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (( أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهدي إليّ، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا؟! والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفنّ أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ) )، ثم رفع يديه حتى رُئي بياض إبطيه يقول: (( اللهم هل بلغت ) ) [5] .
ومن الأمانة ـ عباد الله ـ أن تنظروا إلى حواسكم التي أنعم الله بها عليكم، وإلى المواهب التي خصكم بها من الأهل والأموال والأولاد، فتدركوا أنها ودائع الله الغالية عندكم، فلا تسخّروها وتستخدمونها إلا في مرضاة الله، قال عز وجل: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ?للَّهَ وَ?لرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـ?نَـ?تِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَ?عْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْو?لُكُمْ وَأَوْلَـ?دُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ?للَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال:27، 28] .
ومن معاني الأمانة أيضًا حفظ حقوق المجالس، فإن البيوتَ أسرارٌ، فلا يجوز كشف أسرارها، وكذلك للعلاقات الزوجية في نظر الإسلام حرمةٌ وأمانة، فلا يجوز لأحد الزوجين أن ينشر سرَّ الآخر ويحدّث الناس بما يكون بينهما من عشرة وغير ذلك، فليتّق الله كل منهما فيما بينهما.
ومن الأمانة ـ أيها المسلمون ـ تلك الودائع التي تدفع إلينا لنحفظها حينًا، ثم نردّها إلى أصحابها حين الطلب، فهذه أيضًا من الأمانات التي نحاسب عليها يوم القيامة، ولهذا فقد استخلف رسول الله يوم هجرته ابن عمه عليًا بن أبي طالب رضي الله عنه ليسلّم المشركين الودائع التي استُحفِظها الصادق الأمين، قال الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ?للَّهَ وَ?لرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـ?نَـ?تِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَ?عْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْو?لُكُمْ وَأَوْلَـ?دُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ?للَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [النساء:58] .
فاتقوا الله عباد الله، وحافظوا على أداء الأمانات على اختلاف ألوانها وشتى صورها وأنواعها، ففي أدائها برهان على الإيمان، وفي التقصير بها والتفريط في أدائها قدح في الإسلام ومخالفة للملك العلام.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] رواه البخاري في الأحكام في فاتحة الكتاب (8/104) ، ومسلم في الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل (1829) .
[2] رواه أحمد (3/135) ، وصححه ابن حبان كما في الإحسان (1/208) ، وهو في صحيح الجامع (7056) .
[3] رواه مسلم في الإمارة، باب: كراهية الإمارة بغير ضرورة (1826) .
[4] أخرجه الحاكم في المستدرك (4/92) وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
[5] رواه البخاري في الأحكام، باب: محاسبة الإمام عماله، وباب: هدايا العمال (8/121) ، ومسلم في الإمارة، باب: تحريم هدايا العمال (1832) .
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا.
أما بعد: فيا عباد الله، لقد ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (القتل في سبيل الله يكفّر الذنوب كلها إلا الأمانة) ، قال: (يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتِل في سبيل الله، فيقال: أدّ أمانتك، فيقول: أي رب، كيف وقد ذهبَت الدنيا؟! فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، وتمثّل له أمانته كهيئتها يوم دفِعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا ظنّ أنه خارج زلّت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها إلى أبد الآبدين) ، ثم قال: (الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة ـ وأشياء عددها ـ وأشد ذلك الودائع) . فالعبادة أمانة، والمعاملات أمانة، والكلام أمانة، والحديث أمانة، والتصريحات أمانة، والقول بفعل الشيء أمانة، والنفي أمانة، والكتابة أمانة، والأخذ أمانة، والعطاء أمانة.
قال زاذان راوي الحديث: فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود؟! قال: كذا، قال البراء: صدق، أما سمعتَ الله يقول: إِنَّ ?للَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ?لأمَـ?نَـ?تِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ?لنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِ?لْعَدْلِ [النساء:58] [1] .
فاتقوا الله عباد الله، وأدوا الأمانات إلى أهلها قبل أن يأتي يوم لا ينفع الندم فيه، حيث لا درهم ولا دينار إلا الأعمال، فيؤخذ من الحسنات إن وجدت، وإلا أخذ من سيئات صاحب الحق لتطرح على المؤتمن، وهكذا حتى يطرح في النار.
اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم...
[1] الحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (5/295) وعزاه للطبراني وقال:"رجاله ثقات"، لكنه لم يذكر قول زاذان. وذكره الشيخ الألباني في ضعيف الجامع (4134) وفي السلسلة الضعيفة (4071) وعزاه أيضًا للحلية. وقد أورد الحديث بتمامه ابن كثير في تفسيره (1/442) موقوفًا على ابن مسعود، ولعل هذا هو الصحيح فيه، والله أعلم.