فهرس الكتاب

الصفحة 1742 من 5777

سعد بن معاذ

سيرة وتاريخ

تراجم

عاصم بن لقمان يونس الحكيم

جدة

جامع جعفر الطيار

1-إسلام الأوس بدعوة سعد إياهم. 2- زيارة سعد مكة بعد إسلامه. 3- حكم سعد في يهود بني قريظة. 4- موقف لسعد قبيل بدر. 5- سعد من أهل الجنة. 6- ضمة القبر. 7-عبرة وعظة.

أما بعد:

إن القارئ لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم، ليجد فيها البلسم الشافي والقدوة الحسنة، لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وإن من سادة الأنصار الذين نصروا الله ورسوله: سعد بن معاذ، وهو سيد الأوس، أسلم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بعام تقريبًا، فلما أسلم وقف على قومه فقال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأيمننا نقيبة، فقال: فإن كلامكم علي حرام، رجالكم ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله، فما بقي رجل ولا امرأة في دار بني عبد الأشهل إلا وأسلموا، فكان من أكثر الصحابة بركة على قومه رضي الله عنه.

وكل داعية لله ينبغي عليه أن ينهج نهج سعد رضي الله عنه، لأن قوم سعد لم يسودوه عليهم لماله أو لجاهه وسلطانه، إنما سودوه لأنه كان أرجحهم عقلًا وأسدهم رأيًا، أحبوه لأنه كان قويًا من غير عنف، ورحيمًا من غير ضعف، استجابوا له لأنهم عرفوا صدقه معهم وحبه للخير لهم، وهكذا ينبغي على كل داعية لأهله أو جماعته أو قومه أن يغرس فيهم حبه وأن يلمسوا صدقه ورغبته الصادقة في إسدائهم المشورة والرأي السديد، وأنه لا يريد علوا في الأرض ولا تسلطًا، إن يريد إلا الإصلاح ما استطاع.

وسعد رضي الله عنه كان قويًا ذا عزة ومنعة في الجاهلية، وزاده الإسلام عزة ومنعة، جاء في صحيح البخاري أن سعدًا ذهب إلى مكة معتمرًا، فنزل على أمية بن خلف، وكان أمية ينزل على سعد إذا مر بالمدينة لتجارته بالشام، فقال له: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس طفت، فبينما سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل، فقال من الذي يطوف آمنًا؟ فقال: أنا سعد، فقال أتطوف آمنًا وقد آويتم محمدًا وأصحابه؟ قال نعم، فتلاحيا، فقال أمية: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي، فقال له: والله لو منعتني لقطعت عليك متجرك بالشام، فردد عليه أمية مقولته، فغضب سعد وقال: دعنا منك فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك، فقال أمية:إياي؟ قال نعم، فقال والله ما يكذب محمد، فقتله الله تعالى في بدر.

شهد سعد مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها، ورُمي يوم الخندق في أكحله بسهم، فنزف منه شهرًا ثم مات شهيدًا في السنة الخامسة، وكما هو معروف فإن غزوة الخندق قامت فيها قريش وغطفان بمعاونة يهود بني قريظة بمحاصرة المسلمين في المدينة، فلما هزم الله تعالى الأحزاب، دعا سعد بن معاذ ربه أن لا يمته حتى تقر عينه من بني قريظة الذين نقضوا عهدهم مع رسول الله تعالى، فتوقف جرحه عن النزيف، فما قطرت منه قطرة، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليحكم في بني قريظة، كما طلبوا هم من النبي صلى الله عليه وسلم، فحكم سعد فيهم أن تُقتل مقاتلتهم، وتُسبى نساؤهم وأطفالهم، فلما قُتل رجال بني قريظة وكانوا أربعمائة، استجاب الله دعاءه فانفتق عرقه ومات رضي الله عنه.

كانت له في الإسلام مواقف عظيمة كثيرة، فمن ذلك عندما أراد النبي صلى الله عليه وسلم رأي الأنصار في الخروج من المدينة لقتال المشركين في بدر، لأن النبي عليه الصلاة السلام خشي أن ترى الأنصار أنه لا يجب عليهم نصرته خارج المدينة، فقال: (( أشيروا علي أيها الناس ) )، فقام أبو بكر وعمر والمقداد بن عمرو فقالوا خيرا وأحسنوا، فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: (( أشيروا علي أيها الناس ) )، فقال سعد: والله كأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، فقال سعد: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، وإنا لصُبر في الحرب، صُدق عند اللقاء، لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فَسِرْ على بركة الله، فَسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ونشطه ذلك.

وسعد ابن معاذ في الجنة، إذ أُهدي للنبي صلى الله عليه وسلم ثوب حرير، والحديث في الصحيحين عن أنس، فتعجب الصحابة من لينه ونعومة ملمسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أتعجبون من لين هذه؟ والذي نفسي بيده لمناديل سعد بالجنة خير من هذا ) )، وروى النسائي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألف من الملائكة،لقد ضُمَّ ضمة ثم فرج عنه ) ).

قال الذهبي رحمه الله: وليس هذا الضغط من عذاب القبر في شيء، بل هو من روعات المؤمن كنزع روحه، وكألمه من بكاء حميمه، وكروعته من هجوم ملكي الامتحان عليه، وكروعته يوم الموقف وساعة ورود جهنم، كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين، ولا روع ولا ألم ولا خوف؟ سل ربك العافية، وأن يحشرنا في زمرة سعد، أقول قولي وأستغفر الله.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، عباد الله، إن الشهيد لا يُعذب في قبره، وسعد بن معاذ شهيد، ومع ذلك فقد ضم عليه في قبره ثم فُرج عنه، وهو من هو في الإسلام، فكيف بحالنا نحن في قبورنا؟ لقد جاء في الحديث المتفق على صحته أن المنافق يضيق عليه في قبره حتى تختلف أضلاعه والعياذ بالله، فما حال آكلي أموال الناس بالباطل والمتعاملين بالرشاوى والربا؟ وما حال المغنين والممثلين والكتاب الذين يدعون للانحلال والبعد عن الدين ويشجعون النساء على التبرج والاختلاط؟ عباد الله: إن سعد بن معاذ رضي الله عنه، عاش في الإسلام قرابة ستة أعوام، ومع ذلك اهتز عرش الرحمن لموته، وما ذلك إلا لمكانته عند الله تعالى، تلك المكانة التي اكتسبها بإيمانه وإخلاصه وعمله الصالح في ستة أعوام فقط، وإن منا معشر المسلمين من عاش أضعاف أضعاف هذه المدة، إلا أن الأرض التي يمشي عليها لتلعنه، وتفرح الأحياء بل والجمادات بموته، راحة منه ومن عصيانه وشروره، وعار والله أن يعيش المسلم منا وما قدم للإسلام شيئًا، وما هدى للإسلام أحدًا، وكل همته تحصيل شهواته والعيش بسلام، بل إن من المسلمين من أعان ويعين على هدم الدين، ويمضي عمره في نشر باطله من شهوات وشبهات والدعوة إليها، فهذا الذي ترتاح الدنيا بموته، ويشدد عليه في قبره حتى تختلف عليه أضلاعه.

فاتقوا الله عباد الله، وراجعوا أنفسكم وحاسبوها، لتعلموا ما لكم عند الله تعالى، لتكن دعوتنا إلى الله إيجابيةً شاملةً، نريد بها الخير للجميع كما فعل سعد، عسى الله إن فعلنا ذلك وأصلحنا أوضاعنا وأوضاع أبنائنا أن يحشرنا الله مع سعد وأصحابه الأطهار رضي الله عنهم جميعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت